قالوا: المحبة قدر

أعرب أحدهم عن الحبّ فنمى غصن فوق سبخة وارتعدت فرائص الحسود، وتساقط الزيف كما الخريف.سبحت المعجزات في ماء الحياة، لسنا نراها كلنا، ولا يهم، لم نكن كلنا سعداء، لكنّ هذا أيضًا لا يهم. الحبّ معدي والفرحة معدية، أما عن احتمالية الندم؛ فهي أقرب مما تتخيل، لكنها اختيارية.

مالذي تعنيه كلمة أعرب؟ مرة أشعر بأنها تعني [أفصحَ]: أي استنطق الشعور. وأخرى أجدها تشبه [أبانَ]: أي أوضحَ ماكان معجمًا؛ فبانت أنواره؛ لكنّ معناها الأقرب لقلبي هو [أشعرَ]. والعربية والشعر علاقة ضاربة في القدم، أعرب: أي أشعر، عربيّ: أي شاعر، عرب: أي مثقلون بما يشعرون به حتى يبيحهم أو يبوحوا به.

سال القلم مني اليوم شعورًا نقيًّا محبًا فخورا.

قالوا: المحبة قدر، وأقول احتمال: خذها إلى اليأس إن شئت أو خذها إلى الآمال. وحِبّ كما أراد الله لك أن تكون، ولا تبتئس بردّ الفعل ولا بضيق الحال. ولا تخلط حب الطبع بحب الآل وليأخذك حب الآل إلى تحمل اختلاف الأحوال، فالمحبة اتساق مع كل غريب العالم. حتى لا تستطيع أن تُعرب عن أناك في لجّته، ولتسعك الدهشة أي الصمت المبهت، طوبى للمبهوتين، ماعرفوا أي يد صافحت يدهم عوضًا عمّن كانت يده العليا.

إنّي قد سلّمت لكلّ طالبٍ ربَّه صورةَ طلبه كما سلّم لي؛ مازلت أكرر الآية حتى سمعت من قائلها:

يحبهم ويحبونه

يحبهم ويحبونه

فإن قالوا كيف وفيهم كذا وكذا؟

قل: وجدت الحقّ بقبول الضدّين معًا

ووحدتّه بمعرفتي قدر عجزي عن إدراك ذلك

قالوا المحبة قدر، ومالحب سوى قبول الأضداد وعجز الإدراك ثم طلب زيادة الإمداد.

جمعة الغسيل

أيها القلب الذي يولد من جديد مرة أخرى كأنك لم تمت، بوابتنا إلى الحياة منك، وأحزاننا منك، ولو كنّا حجارة لا تكن طوفان، فكيف لو كنّا ثقوبًا من خشب.

لولا أنّي أختنق لقلت أن الحبل من دلائك
لكنه التف على رقبتي
أكنت تُسقيني
أكنت تدلي لي
أكنت تسترق

قال الرحالة: هذه آخر رحلة فلا تحزموا شيئًا سوى صدوركم وإن استطعتم أن تبلعوا قلوبكم فلا تطيش ولا تفشوا السرّ سرّ ليلى

وعلى أية حال لن يصدقكم أحد.

أوتعلم مم يخاف المجانين ؟ من عقولهم التي ذهبت إن عادت ما ستصنع بهم، إنّي أقول لكم إنّ الحرية معدية وواسعة فمنذا الذي يستطيع جمعها وحويها ولا يُجنّ، فلولا أن رُبّط على قلوبكم لفزعتم من أول نداء.

وإن سألتموني ما هو أول درب الجنون قلت الغفلة، ثم الغفوة ثم مداومة الخرس حتى لا تُسمع الحروف ويُسمع الجرس. سماعهم ليس كسماعكم وإنهم ليشتكون من الغربة وهم بين الناس.

أيُغفر الذنب حين تبحر في الخطيئة حتى تتخدر؟
إنك لا تنتقم إلا من نفسك فاستقلّ أو استكثر

أضحكني يومًا أحدهم من شدّة تصديقه بسطوته وسلطته عمى ولم يبصر سوى سلطان نفسه على كل ما هو حوله. عمى وغاب عنه أنّ النقطة فوق الحاء إخاء وتحتها وجاء؛ ولولا النقطة لبكت الحاء وحدتها.

أتسأل عن الحكاية ؟ الحكاية كلها خيال طلق مافيها من الحقيقة سوى نيّة قائلها، إنّ أعجب تشبيه سمعته هو تشبيه غير مكتمل قال لي أحدهم إنك تشبهه كلاكما تعلوكما نظرة غير مفهومة وتعبيرك غير مكتمل، بلا اتجاه، نستطلعه فيستطوعنا لنا، وما من أحد يحب شيئا سوى الحديث عن الأنا، كلنا غارقون في روايتنا، وقلّة منّا يعرفون أن ينطلقوا إلى نحن من أنا.

يبلى هذا القلب وإن تنعّم برياض قلب يحبه كما قلبك، فكيف تظنّ الدلال يسعني وكانت دروبي أشواكي، أما وقد قدّمت الشكاية فلا أستاك إلّا من ريق فمٍ لا أشعر بشهده ولا رضابه، من أنا لو ذقته منه؟ أترضى أن أُمسك وأنت طيّار، يا فتنة الجوار، ياسحر المظلمة، يا رقية الليل الرتيب، كلمة؟ أكان ندّك منه كلمة، الحبّ جُنّة، والمحبة ظلال، فمن تكون يا حوّاز؟، عجبٌ أو تطلب الفكاك؟ أكنت ظننت أنك افتعلت الاشتباك بالظهور ؟ متّ بظلمتك جمعت لك كل الكلام، أغمض عينك، أوملكت خيالك هذا الذي باح به لساني؟، أو تملك هواك الذي يجيس في خاطرك لو تكرر عليك مرات ومرات؟ ، فوالله لا قلب لك لو صدقت تعاويذك وإن رُددت عليك آلاف المرات. لا تركن ، ولن يمسكها أحد.

من الاسم السميع كانت اليقظة
لم يكن نبيهًا ؛ لأنه لم يكن يومًا غافل.

لو أراكها كلها لأحرقتك
أكنت تتخلص من جسدك
أم من نارك
أم أنك تنازع نيرانك إلى نورانك.

الطواف: حمده
الاصطفاف: تسبيحه
تحقيق النوايا: تكبيره
وتفرّدك بها: توحيده
علشان مايمسكها أحد.

وآفةُ الطبعِ السُلوان
عن عاريّة الأرواح والأبدان
حتّى يظنّ التملك
وابتلاه الله بضياع الهوية:
بالعشق وبالهيام
يا إمام
يا مصطرع الجوف والجنان
تقلّب قلبًا وأقطارًا بين:
لا تنسى ، ولا نسيت .

قم فلنقف و لنرمي حجرين على ماضيّنا ونسترشده أرُبّ كلمة قلناها أوصلتنا لحتفنا هذا، أو ربما تلك العيون المزروعة طول الطريق تتحدى بعضها أيها فتن أولا، إني شريت فتوني بفتنتي الأولى وضعت بعيدا بعيدا، إني أراها مجرد عيون. لكنه قلبي الرحيم أرضاه سرّ ما فقال اصمت حتى أعبر الرحلة الأخيرة ولتُنثر عبيرا على أنوف الواجدين أو أثيرا على أسماع الحاقدين أو مدامة على أفواه الناهلين

إني سمعت العبارة منك أول مرة وهذا ما يجعلها ترن في رأسي. إذِ الحبيب وحى فمن كرمه وإذا انتحى فمن وجله وإذا غضب فمن خوفه وإذا حُجب فمن ذنبه، وأنا اليوم لا أسمعك فبأي ذنب صممت؟

الجمال جريمة فلتتلقى جمالك بكل خطورته كما يتولى الله براءتك كما خلقك.

علقٌ بقلبٍ ما انفلق يومًا ولا اتسقّ ، وحرائق ترد على سواده حرق بعد حرق، ويجيش بوطأة الحرّة ويُعتصر، وعيانًا يُرى متفحمًا أسودا، وبعد الظلم صموت كمن يرى ولا يُرى، وهي عيني التي رأت؛ فما أدرى لساني عن مرائيها يا راعيًا في معانيها ومغدقًا في مآقيها، هذا الدمع لك، هذا النبع منك، هذا الورد وردك، وهذا النهل ملك من ملك، جَحُودٌ وعصي إلا عن أهله وآله، أوتقولها وتفتأت، تطهّر إذًا من لسانٍ اجترأ وباح، ولو استباح هذا الألم منك ما استباح، طهرٌ وبراح، علّه يلمع كما أراه من البعيد، فلا يُساوي هذا البهرج والمباهج والصياهج زفرة قلب محب.

الغزالة في كبد السمـاء

المفارقة التي تضحكك وقت الرخـاء هي التي تبكيك وقت الشدّة

إذا رأيت الشمس صلّ خمسك واعلم أنها سرّ السيرورة والحركات، تمدّك بالفوضى المعينة على أن تترتّب، وبها تراني واضحـًا فاسجد لمن خلقه الله على صورته ولا تمهل كبرياءك فلكلٍّ طريقه: النار والعذاب، الظل والحُباب، وبينهما أنا وأنت لا نتجرأ على فتح الباب.

أصل إليك من طريق لا أعرفه ولا تدركيه، أصل إليك ألمسك أشتهيك أهواك أتحسسك أفرّغ رغباتي بالكلمات أنّمي المعاني وأشتهيها، فرجال الأعراف لا يأمنون الحال، يرمقونه على بعد أميال، منذ دخلوا الباب، بل من عرى الباب ومشهده. أيّ حرمان تأنّ فيه النفس، وأيّ نحيب، حبيبٌ يحنّ إلى جذع حبيب. عناق، همس همسته، وميثاق أخذَتْه لمستك واسترديته، ولم أكن أريد أن أسترده.

الساعة الثامنة من هذه الليلة تحكمها الشمس، ولا أقول شعرًا ولا نثرًا، ألهث أسابق النَفَس، حيث هذا القلب يسع ربه، فكيف به بالعالم، لكنه يضيق إذا هجس بمحبوبه. حيّ هلا ويا سرًّا بأيّ حال وصلت، لا تسعني المنّة ولا تسعني كل الأحوال التي أريد أن أتقلدها في هواك. لقد جئت على قدَر.

المسافةُ أوّلها فِداء
روحي لخضرتها تفِـد
الجسارةُ آخرها نِداء
شعري يتيمُ يفتئـد
لعمرك ماضاق الفضاء
ضاقتْ قلوبٌ لم تَرد
عطشي إليها: ماء ماء
جذعي إليها يتّـئـد
نارٌّ حُميـا ولظـى
من عفّ مثلي لم يُرِدْ
ظلٌّ حرورٌ وضيـاء
من حبّ مثلي ما برَد
المروءة منتهى الحياء
والحرُّ حكيمٌ ما عَبـَد
الحبيبةُ عندما تُشتهى
الصديقةُ ريثما تبتعد
الغزالةُ في كبدِ السماء
الأميرةُ في برجِ الأسـد

ماتبقى من جمرتي

ثلثا التسمية دعـاء وثلثها الباقي يمـان

يمازحني صبري يهديني أنفاسه
كنتُ منطلقًا
كنتُ قد صدّقت أوهامي
تشكك بي الآن فأنسى لغة المتكلمين.

تمازحني مرابعي تهديني الغبار
تلهب حواسّي وجلدي
تفضح نزوعي للحرارة والحريّة
وتغلّف كلّ مايكتنف روحي
ارتحت للرمز والمعجم
حتى تعشّقت الآفل والأقدم.

تمازحني غاياتي تختزل نفسها فيكِ
أتذكر نواهيك
فأعرف أنّي أحبك،
أتعطّف فأتلطف
ما أريده
واضحٌ وضوح الشمس
أما ما أريد أن أعبر عنه
فسحابة تظلك

لقد كنتّ حَرًا وأنا اليوم حرب
رجلٌ بلا حربته نشازٌ على الوجود
كائنٌ يُسرق ويُساءل
ثم يُنهب ويتساءل
كيف تكون شهامته شهامته
فقط حين يتذكرونها
تقوم قيامته

يكتب
يظنونه وحيد
ومُتعب
بل هذا قصّ الحقيقة
في زحام الزبد
وبعض العدالة
في ركام الأبد
سأقول ما يبني الجدار
حتى يأتي يوم انقضاضه
وإن كنت تراه، فهذا ما يبكيك
والعين الباكية واجدة
والواجد غير الموجود
مستوٍ في وهمه وعلمه
وفي حديثه وصمته
وفي تصلّب أقدامه
وانتشار الدابة على منسأته
يستظلّ بصنمه من لا يعرفه
وقد أعار صوته للمدى
فهو كلٌّ صوت.


يمازحني رمد عينيك يقع على بصيرتي حارٌّ ويحرق بعدوى غيره؛ لكنه يحرق.
لقد ظنّوك يا جاني العينين وحيدًا أيضـا، فمن نفض الرَمَد عن خريفك، وحثاه على جمّارتي
وكيف ارتضت حمّيتي أن تحتمي تحت قلاه لولا أنه منك، ثم ظُلمت ثم نَفّضت.
وهل هو الرمد أم ريحه ما يبكيني، أم هي مقلة ملتهبة بأحقادها وتحتاج لؤم الآخرين لتنجو
مثقلة بعداواتها كي لا تظنّ العالَم صديقًا، وتظنّ أنّ الكلام يغويني كما يغويها.

يمازحني الأول حين يتمادى على الثاني ويصبح عاشرًا
وهي الشواهد ألفًا كانت أم مئة هل تشير لسوى الواحد؟
ومانفع تنوّع المشاهد إن كان بيني وبين عيني رسمك.
تمعّنت في صفحة السماء وجدتك بارقًا يخفت فارتعبت
ويعاود، ونتلاعب، حتى يتذكر الشاهد أنّك بيني وبين جلدي
ولستِ في صفحة السماء
فأسلّم عليك تحية الخروج من الحمى للمدى ومن الروح للجسد ذهابًا وأوبة.
فسامحيني عن كل مرة أستعجل بها السلام، فإنّ قلبي لا ينام لكنه يخادع إذا خُدع، ردًا بردّ، نجمًا بعين، خفتًا بخفت، عسعسة بعسعسة، ومضًا بومض، برقًا ببرق، بل هو مكركم رُد إليكم.

يمازحني لدنّك يشي بك عندي قبل عني
ماكنت أوعى مني وبكل مايحويه حرف الباء من أوليّة وأصل قبل اليوم:
باء تبحث عن ألفها فتتردد لتجد تاءً وعندها ثمرة، جاءت للحيرة وداهمها خدر فخوف، ذعنت وراحت وبزينتها زكت، سمعت شمسها وصرخت: ضعت، طالت ظهيرتها وضعفت، عافت فغفت، فاقت، وقالت: كيف، لماذا ، من، هل، ويا ويلي مما يلي.

من قال للقلــب لا ثم نعم
ثم لا ثم نعم ثم أزمع وتمم
فمــا ظلــم فمـا ظلــم
أتخاف من نفسك وظُلَمِك
ليس لك وصية سوى الكلمات
ليس لك ذريّـة سوى المعـاني
ليس لك نسب سوى الأحبـاب
ليس لك جـزاء سـوى العفـــو
ليس لك اليوم سـوى الهبـــاء
في اللين أنا خائر وحزين
في الحَزَن أنا أول المقاتلين
اليوم أعود طفلا / قلبًا نقيًا جديدا
لن تعرفني حين تراني
كنت بريئًا عندما كنت لا أعلم
واليوم أنا بريء بعد أن علمتْ
فالبراءة والبرء كالسلامة والسلم
تحتاج لمعرفة تشفي بعد الخطيئة
تحتاج لحرب تغسل بعد العار
وأنا أحتاج لليل طويــل بعد كل هذا النهار
وللسان خطيبٍ ولمشعل عاشق
ولحبيبٍ يراني كما يراني لا كما يروني
لأني لا أكترث بالمرائي
وقد كرثتني كل القلوب التي رأيتها
وما رأتني
ما رأتني
لقد قلت الحقيقة التي تُغضب
دون أن يميزها أحد
ومشت على رقابهم وجباههم وألسنتهم
تشتكي لي من غفلتهم
ياليت قومي يعلمون
لو كان القلب لسان
لقد صُمّت الآذان
فاصفح الصفح الجميل
لو كانت اليد تستردّ ماضاع
فما قد ضاع
إنك ميت وإنهم ميتون
لو كنت متأكد مما أقوله
ماقلته
كل من عليها فان
لو كنت تشعر بي
ما انتظرت تفسيري
ولو كنت أجهلك/ ولو كنت لا أعرفك / ولولا أني أعرفك
ماطلبت تبريرك



حييتَ دمعي والطريق يضيقُ
والمغاني وبل فلا تخش الغرق
السكر صحوٌ والقصيد عميـقُ
وانتحـى جلّ الزمـان أو سُرِق
حثيث الخطى حيثما لاح طريقُ
سريع التوجّس برّ المحيّا نزق
إذا ما تزاورت شمس السماء أفيقُ
وإن ما اقرضتني يمنةً أستبق
ما تبقّـى من جمرتي حـريقُ
ماتبـدّى من جمـلتي رَهـَـق
وحيلتي ماحيلتي في الرحيق
الروح نداةٌ والرضـاب دبِق

يالله لا تخزيها يوم البعث

الموت كائنٌ كبير
ونحن أبناؤه
بأفواهنا الضاحكة
وعندما تحسبنا في صميم الحياة
يجرؤ هو على البكاء
في داخلنا.*

قلوبٌ حارّة تحييك بعيونها الرطبة، هذا مايسليك في كل أيامك الطويلة، كانت الحياة بلا قلم ولا ورقة، وماكانت الحياة لولا تسلية الأماني المنسابة من عينيك، عيناك اللتان راقبتهما تذبلان مع الوقت، كأنهما الوقت. ماهي الحقيقة التي يحملها قلبٌ يحتمل كل قلوب أحبابه؟، ماكان نصيبها من الحقيقة مخيلة تلك الفتاة العذراء البريئة؟ تخترق الممنوع بضحكة ليست بذيئة ولا خجولة، بل جهولة وتنسى.
لم يكن الألم رفيقًا بك، كيف يتعاظم الإنسان يا أمي أمام الهزائم؛ كيف يكون شجاعًا ليعرف حقًا ماوراء التعريف المتداول للشجاعة. كيف يهرب من الموت مرارًا ليصل إليه، ويختاره عندما يريده؟
وما أسباب الوفاة ؟ إنها ذاتها أسباب الحياة؛ تغير سريع وجحودٌ فظّ لكل الثوابت والمبادئ. هزّة في الوجدان، ورفّة في الأجفان، أعصابٌ تذبل سريعًا بإزاء اللحظة التي تتفلّت كدوامة القيامة.

إنّ الموت فظاظةٌ تجرح الغافلين عنه.*

بريئة كنتِ كفتاةٍ تمتثل لقصيدة.*

هذا السقف كان بعيدًا كيف اقترب هكذا؟
هؤلاء الأولاد كانوا صغارًا من ذرّ الرماد على ذوائبهم؟
كيف اجتمعتم كلكم هنا؟
كيف اتفقتم؟
لا يوجد مايكفي من المؤونة في الثلاجة.
كيف سأمشي إليكم بلا أقدام
كيف تجرأتم على الوقوف بينما أنا مضطجعة كدمية؟
خذوا قلبي الذي جرّب كل مأساة.
ولتنهمر السماء – تلك دموعكم – مازالت ترائي الملأ
ولتشربوا قلبي الذي تفرّق بينكم
إنّي لا أعرف كيف كبرتم هكذا

من قهره ذلك الملاك
الذي تنازل عن النزال غير مرة
خرج مرفوع الرأس ماشيًا باستقامة.*


إنّ الكلمة التي تغادر فمك ماوجدت قلبًا ليكتم عنها
فإن هبطت على قلبٍ يكتم عنها ازدهرت
وإن لم تجد ستتنقل بين القلوب فتلوكها الألسن حتى تمجّ وتُبصق
وكذلك الكلمة المكتوبة، هاربة من حرقة ماعادت تجد قلبًا يسعها
ثم غادر القلب.

ثم غادر كل شيء مكان القلب
دون أن أعرف في البدء إلى أين
مشاعري كلّها، كلّ ما أكون
تجمّع، تدافع، وصرخ
إزاء العينين المقبورتين اللتين ماعاد لهما من حراك
كل مشاعري التائهة
لا أعلم ما إذا كانت بقيت هكذا سنوات
لكنني أعرف ماكانت تلك الأسابيع
التي عادت فيها محطّمة عن آخرها، وماتعرف أحد.*

إنها تسمعني، أنا متأكدٌ من هذا
كما كنتم متأكدين من أنها لا تقرأ ولا تكتب
سوى العيون والشفاه
إنها تقرؤكم السلام من أرض الأحلام.

أحسّ بوردة بيضاء كبيرة
وهي تمرّ قرب يدي
ظلام يتلوه ظلام
وكنت أحسب أني كنت أرى سلسلة من النور
على أهبّة الانتشار مثل نهار
وأحسبني سائرة صوب الصباح
الذي كان هاجعًا بيني يدي منذ سنين
وكنت أوقظ أمي عندما كان نعاسي الثقيل
يسقط من على وجهي المظلم
وكنت أصرخ بأمي: اقتربي هاتي الضوء.*

كنا نعبر الطريق أكثر من مرة
وفي كل مرّة تتوطد الثقة
بأنّ الدماء دماء
وبأنّ الكلمات التي تغادر
عبر الليل تصل إلى أماكن بعيدة
أبعد من الخيبة التي تدهم الخيال
عندما يقصف الواقع إجاباته
إلّا أنّ استنتاجًا قديمًا
هو دائمًا ينقذني:
أنّ الخيال أقرب إلى الموت من الحياة
الخيال من عالم الأحلام
والأحلام برزخ بين الموت والحياة
والموت برزخ بين الخلود والفناء
أطول وأثقل قليلًا من النوم
الحدود مصطنعة، والحرية أبدية
والقلب المبصر
من شدة إبصاره يتعامى
وهذا الليل ونحن نعبره
كانت تقول لي فيه أمي:
سبحان خالق كل هؤلاء البشر
بأحزانهم وأفراحهم
بأشغالهم وهمومهم
برفقتهم وانقيادهم
بقلوبهم التي تسع أحبابهم وأعداءهم
سبحان من لا يضيق بعددهم
ولا يتوه بكثرتهم
ولا يعجزه إحصاء أعمالهم
ولا تنقص خزائنه من ثروتهم وأرزاقهم
وكان يدور في خلدي أنّ الطرق
لاتطول مع الأحباب
والليالي لاتظلم بنا
وهم بنا
وإنني لا أنظر إلى الوراء
ولا أتطلع إلى الأمام
لأنهم هنـا
حتى وصلنا ، أو كدنـا نصل

ولكي يصالحـك احتضاران
وهذا الاحتضار الثالث
الذي كان يتهددك منذ آلاف الأعوام
من أجل موتك هذا
نهضت حيـوات
وضفّرت أيادٍ أكاليـل الزهر
وتكونت ثم تلاشـت
نظراتٌ أعارتها الورود حمرتها
وزادها الرجال عنفـوانًا
ومرتين أٌلّف فصل الموت هذا
قبل أن يداهمكِ أنتِ
ويغادر المسرحَ المطفأَ اﻷنوار.*

عصافيري
لا أكتب، كما تعملون أيضًا
لكنني أعرف وجوهكم وعبوسها
وأعدّ خطوط جباهكم
وأفرّق خصلكم السعيدة
عن الشقيّة
وأصلي عليكم
وأقرؤكم الصلاة
وإذا ما آذاكـم هجري
فهو هجـركم
وإذا ما آذاكم جهلي
فلم يعجز جهلي عن إنجابكم
.وما تعلمون

طيوري
لا أقرأ ، قلبي الذي قرأ
إذا ماوحـى
أعرب عجمتكم
وجمع شتاتكم
وآنس وحشتكم
بابتسامتي وحدها
تشعرون بالـدار
وحُمى الأهـل
تذوقونها من خبزي
إذا ما سرى في قوانصكم
ولا تشكرونني
وتنضج في أحداقكم
فأبكيكم.

كتاب الصور – ريلكه *

اتفاق الطيور للذهاب نحو السيمورغ.*

لو كان هاجسًا ما رأيت سواه ولكنه حالٌ حالَ مع تحوّل الحول. الذنب حملٌ تعلّمتُ طرحه من طائري الذهبي، بالصفة والعمل، لو كان لي يدٌ في الرؤيا ما رأيت، ولو كان تأويلها يغني لأوّلت وولولت:

مرحبًا أيها الطير الذهبي ادخلْ بلطف
انهمكْ في العمل، وادخل كالنار مسرعًا
واحرق من الحرارة كلّ ما ياتي أمامك
وأطبق عين الروح إطباقًا تامًّا عن الخلق
فإذا صرتَ في أمر الحقّ طيرًا كاملًا
فلن تبقى أنت، وسيبقى الحقّ، والسلامْ.*

كان الطائر الغريب بقوائمه الخضراء ملقى على الكرسى ذو القوائم الحديدية فوق مسندة حمراء في وسط الغرفة المهجورة أول مدخل القصر ولم يبد هذا الطير أي اهتمام بقدومهم ولا خوفًا من وقوفهم أمامه، اقترب منه أوسطهم بحذر أثار حفيظة من معه:

لمَ يبدو عليك الإجلال لطائر لا يكاد يقوى على الحراك، لسنا هنا من أجله بل من أجل ما في القصر.

قال: هي أنثى وليست مجرد طائر، ألا تحس بخفقانها يسابق خطواتنا إيقاعًا؟ وأنثى الطير هذه ككل إناث الطيور تختار من يقترب منها كائنًا من كان وشرط الاقتراب أن تكون مليحًا ومصداق ملاحتك أن تقول مليحة فإن أعجبتها سمحت لك بلمسها وإن لم تعجبها هاجمتك فإما أن تموت أو تموت.

وكأنّه أُخذ بحادثة قديمة أو رؤيا رآها حين ابتدرهم غائبًا عمّن حوله: نحن هنا من أجل المال وحيثما وُجد الطير في مكان ما وجدت القدرة والحكمة والمال ووجودها علامة على هذا، يبدو أنكم لم تسمعوا بمفارقة خوف السمّان و الثراء الفاحش، صمتٌ في الغرفة المهجورة حتى الأنثى اعتدل خفقانها حين أحست بهدوئهم، فاستطرد:

أيها القُمْري الذي قد جاء محبًّا وموافقًا
والذي قد ذهب مسرورًا وعاد ضجْرًا
إنّك ضجر من أنّك قد بقيت في الدماء
وبقيت في مضيق حبس ذي النون

الأسطورة تقول أنّ “خفقان السمّان علامة على وجود الأثرياء” ، حين يكون الخوف مُعدٍ تلتهب قوانص السمّان من شدّة الخفق فلا تستطيع مغادرة المكان، فهي آتية تبحث عن الأرز من حاجة، عالقة في حقل الوجيه حيث الصيد للترف، فيعديها هذا الترف، فتضع بيضها دون حمل، وتضع أحمالها دون أمن، فتموت قبل أن تموت، يغريها ترف خوفها، تعيش بين الترف والحاجة ترفرف وتحوم في دوامة تنتهي غالبًا بموتها، حين يرعبها صهير الحديد فتعرف أنها مشتهاة، فتشتهي.

مرحبًا أيتها الفاخنة، اشرعي في التغريد
حتى تنشر الجوهرَ عليك السماوات السبع
ولأنّ طوق الوفاء في رقبتك
تُشينك الخيـانة.*

لم يحرك الطير ساكنًا لم يفهم من القصة سوى أنهم أتوا من أجل المال فمال عنهم وغط في نوم عميق، أو ربما موت.

مرحبًا ياعندليبَ بستان العشق
طرّب بلطف من ألم العشق وجواه
نُحْ بلطف من ألم القلب نواحَ داوود
حتى يفدوك في كل لحظة بمئة روح.*

ينبغي للعشق رجلٌ كاملٌ مجرّب
ينبغي للعشق أناس أحرار
ولست أنت بكاملٍ مجرّب، ولا عاشق
إنك ميّت؛ فكيف تليق بالعشق؟
ينبغي في هذا الطريق مئة ألف رجل نيّر الضمير
حتى يضحّي في كل لحظة بمئة روح.*

*منطق الطير

إذا كنت حاسبت البستاني، إيه ذنب الورد؟

قد تكون أقرب حتى أكاد لا أراك وتصيب عيني سبخة المرض
وقد تكون بعيدًا وتتراءى تفاصيلك بعيدًا عن الخطأ والصواب
على مرأى الخيال دون قصة أو سياق بشعور الشيء وضدّه معًا
بإلهام الأسماء الأجلّ وبجهود الشيوخ الأٌوَل:
أتراءى فأرى مرجًا أخضرَ سبحتُ فيه أمامه، كانوا صِبَاحًا متحلقين متخلقين بأسمالٍ بيض كأنهم البراءة
وأمارتهم أن يشجيهم الطرب ويطربهم هبّ النسيم
وكانت مرخيةً غرّتها كالشمس، لؤلؤتي تخرج عن الصدف.

الدمعة إذا وافتها الدمعة أيهما كانت مواسية ؟ وعلى هذا.
كان على أحدنا أن يرقص وصاحبه يصفّق، واخترتُ الإيقاع لمراسٍ طويل
على أنّ الرقص كان يخيفك مآخذه، إنّ التحرر صبر ساعة على اللسعة
التي تصبح وحمةً أو خالة، والعلامة مؤنس، وإشارة تعبر بك إلى الضفّة
لاتكون مؤبدة في الذاكرة إلا إذا كان قبلها عقبة. من هنا أشتري الألم دائمًا
وابتاع النقيض الممقوت ستارًا على السرّ المبخوت

إنني وباختياري السكوت أو الكلام – أغيب عن الأنام – إلّا أنّ حمرة الخد تعلوني عند الكلام
ظاهرٌ وجهي وصبحته قديمة إلّا أنّي لا أشتري مايجتني مادمت مفارقه؛ وتلك كانت حسرتي الأولى
ووقوفًا عند الحديث عن الذات المجروحة؛ وقوفًا على حقّ الواجب على الممكن، وتذكيرًا بأنّي ولدتُ لأكون كلمة ومالبثت
أسرّي عن الجوع بالتواضع، وعن الرغبة بالكبرياء، ومن أجل الكلمة أشتري في وجودي الفناء.

أراك تتباعد كالشمس وأحب الستر والسهر
وأراك تتكامل ثم تتناقص كالقمر وأحبّ التلفت والصبر
وأراك تتقلب كالفصول وأحبّ البرد والحرّ/ والصحو والمطر
وأراك تشبه الحياة وأنا أحبّ، أحاذر، أخايل، أغترّ، أرمز، أسحر، أمتلئ براءة وقهر وحفيظة تُثار عندما تغضب.

أتعمّد أشياءً لا أقوى عليها لأعلم أنّه ظنٌ فقط، أننّي لا أقوى عليها،
تتغمدني رحمة الوجود فأكون كما أكون

أوراق الوردة بتتكلم: كتروا من الحب تلاقوا الحبيب بيجي بوقته ويقسم أنه شاري والله شاري.

فلكان مبتهلان

واقفون على حدود الأسى خائفين من العبور للتأسّي، ومستعدون لهجمة أخرى من المآسي.
توشّحنا السواد على الدوام، رغم أنّ الزي ترف، ورغم أنّ الغفلة مصير.

تسابق الأيام، لا أعرف ماذا تُطارد، كل يوم في مدينة وتشاركها جسدَها جروحٌ تُرى ولا تُرى.
أوقعت كثيرين في حُمى مطاردتها، ومازالوا يفعلون بهدى وبغير هدى، وعندما أحبّت فعلًا أن تُطارد، امتنع الصيّاد وتحجج بقيود أخلاقية.
الأخلاق عندها أمر ثانوي عندما يتعلق الأمر بروحها، حريّتها تدلّها على أن الأخلاق الصلبة ذات الحد الشرس لا تناسب ذوي الأرواح المرتعشة.
وصلت عنده وغلبتها روحُها. أضمرت قائلة لنفسها:
لن يراني ولكنه سيطاردني حتى يظن أنه سيراني،
سأراه حتى أظن أنني سأحبسه بقلبي،
سيرانا الله ويطبطب على قلوبنا قبلًا وبعدًا لأنه عالم نوايانا وخالق قيودنا،
سوف أقترب منه حتى أكاد أتنشّق رائحته، سوف أجعل مدينته التي يتباهى بعزلته بها موحشة،
سوف يتراءى له طيفي ولكن لن يراني، حتى ولو نظر إلى الجبل-أو قناة مائية يمشطها طولًا وعرضًا-فلن يراني،
سوف أرتعد وأمنعه من احتضاني، إنني أعرف أن ضعفه ضعفي،
سوف أضعف أمامه للحد الذي يتقطع قلبه رغم أن من يعرفني يعرف أنني أنا أشجع من في المعمعة.

إنني أنصت له بعد أن ظننت أن لا أحدًا يجيد الكلام سواي، الكلام الذي لايقال هو يقوله كله بتهوّر لا يعرفه من يعرفه،
وكأنه انسلخ من ملابسه وجلدته وضمّني بدمه وقلبه، إنني أكرهه بالحد الكافي لأن أعرف أني أحبه،
وأودّعه كأم موسى أمام البحيرة، وأرحل عنه في عز توجسه من رحيلي كيوسف وأبيه،
وأضمه لحجري كما فعلت عائشة لمحمد على فراش الموت،
وإنني المسيح لو أراد صلبي، لكنه حواريي وأعرف أنه لن يفعل،
حيرتي كحيرة موسى عندما قابل الخضر، لكن الفرق أن كلانا يعرف الجواب دائمًا:
روحانا معجونتان بدقيق واحد وتنور واحد تلهج نيرانه لإنضاجنا، خبزة، هو مصيرنا فإما أن نُؤكل أو نيبس.

أنا المعذّب والمعنّى
أنظم شعرًا وأطرق معنى
وأسبح في ظلام سريرتي
فتفيقني نفسي ومرآتي

على طريق التطهير أن يبدو كأنّه عذاب أكبر.

وبمجرد أن حللتِ مكاني، أحببتك بلهفة، حبًّا لا تشوبه أي شهوة، أحببتك حب الحقيقة، حب الصحبة، حب الخلاص، حب النوافذ والشمس،
أحببتك حب اليابسة للبحار، أحببتك حب الوجهة للمسافر، وإنني على استعداد للسفر مادام السفرحلَّا،
وعلى استعداد للغربة مادامت الغربة وطنًا، أتعرفين أني لا أريد أن أعرف على أي حالة وهيئة تأتين،
تعالي بهيئة بشر أو رمانة ، تعالي بسحرٍ كغزالة، ملاكًا كنتِ أم شيطانة، المهم أن تأتي، فمنذ أمرتني بالقراءة أول مرة، وأنا أتبع طيفك وآثارك في كل مكان.

أنا لا أريد أن أحبك كحب البشر، البشر يحبون لكي يحبسوا، يحبون لكي يشكلوا الآخرين على أمزجتهم،
إنني أحبك حب أن أحررك، إنني أقاوم رغبتي في تشكيلك بعدم الاقتراب إليك أكثر،
حيث إنني لا أريد أن أعرف إلا ماتريدين أن تشاركينه فقط، مسافتك التي تختارينها هي مسافتي:
البقاء على قيد الحياة ونحن نطل على جانبها الآخر بحماس الأطفال، نطل على الحب، نطل على الموت، نطل على بعضنا.

وله أن يمشي بيده عاريًا من الظنون متوشّحًا بالخطيئة يحرس الكلمات من أن يصيبها غول المعاني يرى بعينين ويومئ كأنه لم يرَ يغفر ويغفر.
يغفر لمن يستغفر ويجتبي من يحب؛ حتى وإن عرّش في فؤاده الحقد لا يعوّل على الذاكرة، في كل يوم يرى وجهًا جديدًا لا يعرفه في كل الوجوه التي يعرفها،
فالوحشة لديه أن تعتاد، ليله نهاره لولا كثافة ما تبقى من جسد.
غضبه بعد وقربه حذر يستمع بأذن ساهرة مابين الشك والخطر،
ويعرف حقّا إغماض النوايا اليائسة كم هي مشتهاة ويفتح بابًا للتطهير من شدة اتساعه تحسبه مدينة بأكملها،
ففي بعض المدن التي تعرفها مدن لا تعرفها لو أمعنت النظر وأحسست بالقلب الذي يركض وتركض خلفه
الحياة سوّدت وجهه وقلبه عرف علامتي من عيني وميّزت علامته من صوته،
جروح وحين تمر بجانبها ولا تعود تأثر فيك وتظنّ أنّك شفيت، وهيهات؛ فالمبتلى حيّ، والحيّ لا يطلب الموت قبل الموت، ولا يطلب العذاب لكنّه يستعذبه.
لديّ ألف سكين سننتها يوم الهياج ووضعتها بجانبي في قبّة البيت فعلى هذا الهدوء الداخلي أن يورثني انفعالًا غضًّا لا ينبغي أن يعرفه أيّ مدّعٍ.
الآن فقط على السادر أن يضع أحمال الطريق ويستريح تحت سدرة فقد كان دربًا بعيدًا وهجيرًا أحمرا.
إنّ عليك أن تعيش وتؤمن كما لم تخبر أحدًا قبلك قد فعل، ثمّ تسلم وتسلّم كما فعل كل الذين تعرفهم.
ففي اليوم الذي تنقلب فيه الظواهر والبواطن يصبح كلٌّ في مكانه.

لغزالةَ من أعراضنا ما استحلّتِ

عَتَامٌ وأسبحُ في بحر اللُجج
حُججٌ تحجّ إلى العقل الخصيب
من بعدها حجج
تجادل في غفران الصغائر
وعن ذنْبِه الكبير سَجّ
قلبي المسجّى بالمُهج
يخاطر في حجّه
حجةً بعد حجة
يعاود سفره المقصود
كساعٍ فقيرٍ
يُناوئ ضمّة المرْج
يُسائل ضيفه الحلّاج
أألف مرةٍ يضيق كلّما ابتهج؟
ثمّ يعاود ممسوحًا
غَفَرَتْ هذه الدمعة ذنبي
والمعنى يطير
حمائم في ناظري
فيا أيّها الدهر
مقدسٌ عملك بنا
طيرك الفزِع
يتوق لمهربْ
يشتهي برجًا ومَرْقب
ليحظى بنعمة الرؤية
ويُوهب قلبْ
ليستشهق من صباحك نفَس
طباقٌ ولِبْس
ومسّةٌ تهبُ الأنس
فراقٌ وهجْس
وعصرةٌ تخضّ النفْس
فيا سيدي ووليي
يامنعمًا في عزّة
يا سابقًا في حكمة القِدم
ياعليّا
يامقصود الغربات والقربات
هلّا ألقمتنا كلماتك
خبزًا طريّـًا
لا موكولة إلى حَرَس
ولا مكتوبة على طُرَس
كي يزول هذا الوهس
فأحاججك ولك العتبى
فما منع من خلَقَ
وما تجاوز من تخلّق
عن سرٍّ كمن
في بحر “كُنْ”
وعمّن حوى في ضمنه ضدّه
وفي خلّته لدّه
وفي كلماته تجسّده
وفي حانته مسجده
هل له من وِحدة؟
أم تلك جناية العقل
وضغينة النفس؟
والأيام ماحبكة الأيام:
يوم بأمس
يوم بساعة
يوم بشهر
يوم بسنة
يوم بألف
ويوم بخمسين ألف
وكل أيامك أقدّس
حملتُ مسؤولية العلم
وحمّلتني مسؤولية طلبه
وحملتُ محكمة القلم
وحمّلتني عقلًا يطلبه
فلا على اختلاف أتعجب
بل من وفاق
فبما تقدّم وبما تاخّر
أشهدك بكلّ حقٍّ لا أعرفه
وبكل حقيقة لا أدركها
وبكل غيب أؤمن به
وبحقّ الخوف من الجمال
وبحقّ الهيبة من الجلال
أننا منك وإليك
وأنّه سُلِمَ ولا بواكي له
وأنّ الشكاية لك دون غيرك
وأنّي قد غفرت وأبحتْ.
فأنت الناهي وأنت الآمر.
هنيئًا مريئًا غيرَ داءٍ مخامر

الكلام الذي سأقوله لزجاجة قلبي

استراح المقام، وجاوزت العين أغيارها إلى سؤددٍ لا يُرام. كنتُ واحدًا، فأصبحت قلبًا ولربما اعتاز القلب حاجاتٍ عظام. وحين اتسع؛ خبّأتُ النشيج إلا زفراتٍ ليس لي على كبتها عظام. وتمرغت في الوحل، ودخلت أحراش الخطيئة، ورافقني الشكّ، وأحرقتني الغيرة، ولم يمنعني المقامُ من التأمّل في حال المحبّين فما وجدتهم على حالٍ واحدة، فكما أنّ الله واحد وهذا خلقه، وكما أنّ الماء واحد وثماره المجتناة مشتبهة ومتشابهة؛ فكذلك القلب وقرعه يحسه المحبّ ذاته في كل قلب وآثاره متباينة، ولقد كنت في صباي قد أدمنت القياس والرصد وأخذني غرور الشباب إلى مقاربة الأحوال، لكنّ العمر مفصح والأيام مبينة، وقد حيّرتني.

أين خطفة العين من خطفة القلب، في بارق العين سرقك هذا الطيف، ولو أبحرتَ أبحرتَ في الطيوف ما أوصلتْك، وكنت قد ركضت حينها جلّ عمري وماوصلت، أركض أتبع قلبي أو يتبعني، وربما أبعدته عني لوخزه فأبعدني، وباعدني. دون ذكر محاولات الغوايات سرقة قلبٍ غضٍّ أعزلَ، ودون ذكر المنايا وتغريبها وغرباتها وغرائبها ورغائبها ورغبها، ودون ذكر العيون التي تحبها تطفح بكل مالا تحبه، فتعلم حينها كيف تُصاب القلوب وكيف تُصوّب.

طفلٌ يلعب يراقبه أبواه وحين يعلم بمراقبتهما لا يتعب، مالذي يسحر الأطفال باللعب سوى غياب الجزاء، مالذي يغريهم تحديدًا بلعبة الاختباء، سوى أنّها سوف تنتهي هذه اللعبة حتمًا بإيجادهم.

صفّحت قلبًا عن الصدأ بالآلام، كلّما لهى أدمته عثرة ودمعت عينه توبةً ووجدًا، وخوف الحكيم من مكر الحليم حين يغضب، يبتلي بذنبٍ يُظنّ ألّا جزاء عليه فيخطئ، وللعزم مدى وللخطايا تقية وللذنوب تطهير، وحبيبي مسافرٌ في عالم الجمال أرقبه على طول المدى، يرقص رقصته الجميلة ويحمّلني أطواق الحسابات والظنون وردة وردة.

-ألا تغضب ؟
-لا أغضب حتى أترجم الخيبة إلى معنى، لكني أختار دائمًا رؤيتها تتبختر أمامي دون اسم ودون رمز وبهيئة معتمة تختفي في الحلم ويبعثرها خوفي وقديم صبري وتجلدي، لكني أغضب من محاولة إغضابي، وتلك حال أخرى.

أحسبُ أنني لا أستطيع إشاعة شيء للناس بنفس القدر الذي لا أستطيع به إخفاء شيء عنك، خوفي الغريزي والتلقائي الأول الأقدم المقنّع الواضح المعجم الفاضح والذي تعرفينه بطبيعته قبل الصياغة، يرى ويبكي وتبكينه حين يبكي، ويبكيك، ويسمعك ولا يعرف كيف يفعل بسهولة الوصول أو بالاستجوابات الفجّة لأناس يملّون وحين يملّون يظلمون، وأعرف كيف يراني من يكرهني، بنفس القدر الذي أعرف به أنه مامن فعل سأفعله إلا وستزيد به كراهيته، فأضحك على غشاوة العين سوى عن رغبتها، فإن كانت مسافة الظلم حديث لما تكلمت، وإن كانت نظرة لعشِيت، وإن كانت لقاء لتواريت، وإن كانت صمتًا صرخت، هكذا أرى أو هكذا أُريت.

هزمتُ الخيال نعم، هزمته عن رغبته في امتلاكي، لكني لم أقتله بل خدرته، ويغلبني قلبي، قلبي القليب، الكامن داخل قلبك في زجاجة.