من أجل الأقداح التي تتداعى سخريةً بنا

لأجل أن تقرأ ما سيأتي من كلام عليك أولًا أن ترمي همّك الذي يأكل منك، ومن عقلك، ومن صحّة أفكارك، ومن جمالية ماتبقى من يومك أو ربما عمرك.. سخريةً منه أيضًا هو الآخر.

الحياة جميلة ومثيرة ومليئة بالغرابة بما يكفي لتلعنها، ومليئة بالغموض الكافي لأن تنشغل بها كلّ مرة رغم الوعود التي قطعتها على نفسك قبل أن تنام كل ليلة بأن تلهي ملكاتك وعقلك العظيم بما هو أهم.

إنّ الأقدار التي تصيبك أو تصيبها -لايهم مادام أنكما قد تلاقيتما- سوف تحدد ماستكون عليه غدًا؛ لهذا أنا مأخوذ بشعور العدمية الذي يصيب الآدمي -الحالم بالتفرّد- الذي يدرك أنه ضمن عالم مليء بمن هم مثله من البشر، ومحبط تمامًا كما يليق بأنّ إرادتي العظيمة التي بداخلي لا تعني أيًّا من القريبين مني إلا بما يتداخل مع مصالحهم فقط.

هل قلت الأقداح التي تتداعى؟ عذرًا كنت أقصد الأقدار، أعتذر منك عن صورة الأقداح الزجاجية المزخرفة – أو ربما السادة- التي خطرت على بالك.

أنا مثلك تسرقني فكرة عابرة أو تصور مضحك خطر بذهني عن الآخرين، ويريبني جفاف القلم، وتخيفني الصفحات البيضاء، والملابس الأنيقة، والشعر المصفف بدقة، والوجوه البريئة والغرف النظيفة، والحياة الهادئة السعيدة. تدفعني نوتة موسيقية للتمايل طربًا، وتزج بي نظرة واحدة لكتابة نص متهافت كهذا- حتى الآن لا أدري ماذا سأقول في بقيته- لكن أدرك كما تدرك أنّ الكتابة المباشرة الموجّهة لاتنفع أحدًا ولا تجذب سوى أولئك الجامدين من الشعور.

أحاول أن أتلاعب الكلمات لكي أثير فضولك النائم لأن تسمع أغنية جميلة بعد قراءة هذا النص -أو ربما تلعنني وتلوم نفسك على تضييع وقتك على هذه التفاهات التي لا طائل منها- المهم أن أثير فضولك، وأخرجك من حالتك السابقة، وهمّك الذي لايعرف عنه أحد سواك.

من هذه الخاطرة، أحاول أن أعلن إليك رغبتي في أن تكون صديقي الطيب الذي قرأ هذا الكلام ومازال يقرؤه دونما هدف واضح سوى الانشغال في أي شيء يشعره بأنه ليس التائه الوحيد على هذه الحياة.

ولأجل أن أعلن لك نيتي الصريحة بمصادقتك، إليك قائمة الملهيات المقدسة التي تحافظ على صحتي في هذا العالم من المرض والكآبة:
-لا أنام مبكرًا لأنه لم يحدث أبدًا أن شعرت بالملل أو الرغبة في الهروب.
– أستمع للأغاني المكبلهة بشراهة لأن النوتات والأصوات والآهات نعمة تستحق الشكر.
– لا أتابع شيء يعتاد أن يتابعه الآخرون، وإن حدث فسيكون حتمًا باضطرار.
– أقرأ ما استطعت.
– ثرثار في حضرة من يفهمني، وصامت مستمع في حضرة من لا يفهمني، لا داعي لذكر أني بهذه الصفة أدّعي أني أفهم الكثير ممن لا يفهمني.
– عنيد للحد الذي أؤمن به بأني سوف أموت بطريقة هادئة بلا أصدقاء مهتمين.
– أضحك في داخلي كثيرًا لأني قد انتدبت الشخص الظريف لداخلي لأن يكلمني من غير ضجيج.
– وحنون بطريقة تضحكني جدًا.
– ذوق قديم وقناعات متغيرة باستمرار.

شكرًا على وقتك لقد أسعدتني بوصولك إلى هنا، ليلة سعيدة، خذ نسختك قبل الخروج:
https://soundcloud.com/haniita/s1vewnfgfl9v

وإنْ دنتْ ساعة موتي، سأقتلك نصًّا أو أن أموت.. سأقتلك نصًّا قبل أن أموت.

لم يكن الحلم حقيقة، بل كانت الحقيقة وهم.

كنت أعرفُ وأترقب هذه اللحظة منذ الصدمة الأجمل في حياتي، منذ الرعشة الألذ.
أنا لا أكبر على الكتابة ولا أستطيع أن أتجاهل أثرها الطاغي علي، وانعكاسها على شخصيتي، وكان لابدّ لي أن أفقد هذه السعادة كي أتوهج حزنًا، وأستغرق قلمًا، وأتساقط خذلانًا، أو أن أعالج وضعًا تكون فيه السعادة كحقيقة الحزن، وعلو غايته، ولمعان مرارته، وبعد نظره، وهذا بالطبع ضربٌ من المستحيل ، فكان ماكان بعد أن ظننت للحظة أنني استثناء بألّا يفارقني كما فارق الآخرين هذا الهناء.

كنت مستغرقًا فيك، خاشعًا لجمالك، مخبِتًا لأثرك الطاغي على روحي، كنت أؤجل كل عتاب ما استطعت، وأقدّم الأعذار تلو الأعذار، كنتُ أعرف أخطائي وكنت أعرف أنها كثيرة، فكنت أقابل كل خطأ منك بواحدٍ مما عندي، واستطعت أن أقابل كل خطأ إلّا خطيئة الملل؛ أن أقبل أن أحيا كمجرد رجل بعد أن كنت رجلك، وزوج فقط بدلًا من أكون الصديق والحبيب والسند والوتد والمرفأ والمنفى ، وبعده كله الزوج وشقيق الروح.

إنّ المحب إن عاش بسعادة فسوف يخفت بريق قلمه تدريجيًا وبملء إرادته، لكن ياحبيبتي ثمن أن أتوقف عن الكتابة إلى الأبد غالٍ جدًا، أغلى بكثير من هذا الثمن البخس الذي تقدمينه بطريقتك الباردة تلك، وبعد أن استنفذتِ وسعك وصبرك، ولم أمل أو أتخاذل، فليس لدي ما أقدمه سوى أن أخونك معك.

أن أعاقرك، وأسافر فيك،- ليس معك – وسأستبقي ما تبقى لك من محبة وبهاء وجلال كي يكون وقودي وقوتي بعدما أحرقتِ أغلبه بصبيانيتك ومللك وتخاذلك وهزلك وضياعك وضعف قراراتك وبلادتك وهجرك وحرقتي عليك .. أحرقتني.

ليس للمحبّ إلا حبّ واحد وماتبقى تعويضٌ وملء فراغات وأهواء ذات ضرورية لإكمال الحياة.. كنت أتمثل هذه الأبيات لفترة طويلة وكنت قد علمت أنه سيحين وقتها حتمًا:

تريدين أنْ أرضى بكِ اليومَ للهوى … وأعتادُ فيكِ اللهو بعد التعبّدِ

وألقاكِ جسمًا مستباحًا، وطالما … لقيتكِ جمّ الخوف ، جمّ التردّدِ

إذا لم يكنْ بدٌّ من الحانِ والطلى … ففي غيرِ بيتٍ كان بالأمسِ معبدي*

حتمًا في غيره ..
* الأبيات للأستاذ العقاد

على فرض أن أكون أنا

20140507-192408.jpg

نحن أبناء حياة واحدة هذا وصفٌ كلّما طرأ على بالي ارتعدت ، مضى من عمري ثلثه الآن – على فرض أنّي سأعيش معيشة رتيبة وأموت شيخًا – وهذا أيضًا يصيبني بخيبة ، من أنا ؟ هذا السؤال الذي تتعدد إجاباته بتعدد مزاجاتي وأهوائي وطموحاتي وخيباتي ، أنا ابن شعور لم يخب منذ كنت طفلًا وأنا أعرف أنّ بين جنبات هذا الجسد الهزيل روحًا تخاف قبل أن تثب لأنها تحسب العواقب ، وتثب أحيانًا بتهور لأنها تعرف أنّ المعاني خطّ أحمر ، وكم غيرت الحياة في قناعاتي وتشرّبت كؤوسًا كثيرة فلم أعد أعرف هل ذقت كلّ شيء ؟ أم أنّ حاسة الذوق لها حدّ أقصى لا تعود بعده تميّز.

فكرة أن تكون موجودًا الآن في هذه اللحظة تختبر الحياة ، تعيش المغامرة ، تستصحب كلّ حواسك فيها ، ولديك ذاكرة كمزوادة تخبّئ فيها مايعجبك – وكثيرًا مما لا يعجبك – ولديك عقل يرشدك وقلبٌ يزلّك وهوى يضلّك وهداية من الله تنتشلك كلّ مرة ، هذه الفوضى من المشاعر تعيش فيها كأنّك قد اختبرتها قبل هذا.

ثم اسألني بعد هذا عن الحب، عن الطمأنينة حدّ الأبد ، عن كونك تختبر شيئًا تعرفه ، عن كونك ترى عينًا تألفها ، عن تعترف بأنّك تضيع عندما تهتدي ، عندما تنام نومة الخالي من الهموم ، عندما يأكلك الشوق ، عندما تسعد كأنّك بلا قيود ، عندما تحزن كأنّك لعنة.

 

سيكولوجية الألم

بئرٌ قاحلٌ من الأحزان أنت
لا غيم يهطل فيرويك ولا ماءٌ من باطن الأرض يتداركك فيحييك.
أفِق أيها الألم مبكرًا، قبل أن يفوت أوان العلاج
أفِق قبل أن أضطر للتعايش معك مكرهًا
لا تأتني بعد عمر من السعادة الموهومة هذا قاصمٌ للظهر.

من بين كل عشر إصابات تحدث لك:
ثمان جسدية، وواحدة عقلية، وواحدة مشاعرية
يحدث أن المشاعرية وحدها تؤلم أضعاف غيرها، هي من تغير مسار حياتك.
في زمنِ مضى كنت كرمةٌ يتواعد عندها الأحباب، ماذا أصابك؟ مم تشكو؟
يكاد كل ماحولك يحكك كطفح جلدي، كنسخة شرسة معدلة من الجدري فرّ من براثن اللقاح،
ياصاح تبدو أكبر بعشرين سنة، ما فعل بك الألم؟
كنت بالأمس وردة متفتحة مالذي دهم؟
روحك التي كانت تشرق منها سبحات وجهك اسودّت، يارب الألم المباغت
كيف نجا من نجا وأنت له في المرصاد؟
إنك تختبئ في أحداث الغد، على الأرصفة، بين الشرفات، بين الوجوه وفي الممرات، من أحياك بعدما أماتك؟
كل ألم محتمل إلا ألم روحك، لن يهدأ حتى تشغله بقرارت مرعبة لم تكن تظن يومًا أنك ستتخذها، وتتخذها فقط لإلهاء روحك عن الألم والهم.
خوفٌ يطوق ابتسامة الجاهل حتى وإن لم يره أو يشعر به، كل عارفٍ سواه يراه ويشفق على حالك قبل أن تلقاه
هو وحده الألم من يصيبك بالجنون بالفنون بالهرب من كل ماكنت عليه بالأمس
هو القوة الخفية التي تنسل لروحك في قمة سعادتها فيجتاح ربيعك، يجفف وديانك، تذبل معه أغصانك
حيّ ضحكتك القديمة أين انطوت، في أي نكبة خفتت ثم انتهت، تتصنع الإعياء ومابك إعياء، تصانع الحرقة وكلك اضطرام
جنونٌ يعتري صمتك، وضجيج يكتنف حكمتك، انتكست المفردات وتضادت المترادفات، كل شيء حولك هلك، تهالك ثم اندكّ بسرعة جنونية
أبيتَ اللعن أين أهلك ؟ ، أين أمك وأبوك ، أين ذاك الإيمان الذي هذّبك وربّاك، تتسارع الكلمات من فيك، لتشي بكل مافيك
صامدٌ أنت، ومابك من صمود، تبدو واجمًا كجلمود، اهمس لو بكلمة، تخفف من أثقالك، كل من في هذا الحزب من البشر أعوانك، أمثالك يعدون بلا توقف، ملؤهم السأم والتأفف، مرغمين على المسير بلا هوادة، رافضين كل أصناف البلادة، نسوا كل ماحفظوا من عبارات التطمين وتلقنوا مفردات الهلع من الجلادة إلى الجلادة، في لغتك انكشاف وسخرية وكوميديا مبطنة.

يا إلهي ماذا كتبت ، كيف نمت وحلمت بكل هذا الغثاء من الكلام، تبًا لسيكولوجيا الآلام، كم تعرّي، كم تبكّي.

ألا تحبّون أن يغفر الله لكم ؟

أحبّ القرآن لأنه يعلمني آلاف الأشياء في بضع كلمات ، هذه الآية بالذات فيها الكثير من الدروس والآداب والإعجاز الإلهي .

سأتكلم هذه المرة عن معاملات البشر والضيم الذي قد يصيبك جرّاء هذه المعاملات ولا أحد -كَبُر أو صغُر- سيسلم من هذا .
والله عدل ويحب العدل وله العدل الكامل سبحانه ، ومن كمال عدله إيضاح الحقوق الكاملة لك وحدود حريتك ثم بعد ذلك يحسّن لنا الخيار الأكثر خيرية بطريقة تجعلنا نخجل من أنفسنا ونلومها لو اخترنا غيره .

وحقوقك عندما يتعدى عليك أحدهم هي :
أولًا : لك حقّ أن تعاقبه بمثل ماعاقبك به ، وشرط الإتمام المثلية لا زيادة ولا نقصان كما قال ربنا سبحانه [ وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين](النحل:126) ، وانظر للطف الله في آخر الآية بالإشارة على عجل للصبر على الأذى .
ثانيًا : كظم الغيظ وإخفاؤه احتسابًا لله ، وهذا يدخل في باب الصبر على الأذى أيضًا [ .. والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين ] ( آل عمران:134)
ثالثًا : لك أن تعفو وتصفح عنه ، والصفح درجة أعظم من العفو ، فقد أعفو عن عقابك لكني لا أتورع عن المنّ عليك بذالك العفو ، وأذكرك به مرةً بعد مرة حتى تقول ياليته عاقبني ، أما الصفح فهو كفّ اللسان مع العفو كأنّ شيئًا لم يكن وهي درجة عظيمة من الإيمان.

مالحافز على هذه المرتبة العظيمة ؟ ، انظر كيف يقرّب الله الصورة لك ، ويذكرك بضعفك وبنفسك ، وكيف يعلمنا الله الأدب والأخلاق ويربينا بهذه الكلمات المباركة [… وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم](النور:22) ، وأُثر عن الصدّيق- رضي الله عنه – أنه حين سمع بهذه الآية أنه قال: أحبّ يارب، أحبّ يارب ، أحبّ يارب . وألا كلمة عرض وحثّ ، يحفزّنا الله على أن نتأسى به ، ويقول لنا بهدف الإصلاح بيننا لماذا لا تغفر لأخيك الذي أخطأ بحقك ، ألا تحب أن أغفر لك ؟ ألا تحب أن تتأسى بي ؟ ألا تحب أن تأتيني يوم القيامة وقد رأيت سيئاتك حسنات بسبب غفرانك عن فلان.

الغفران ليس ماديًّا أبدًا ، والحسنات ليست مادية معدودة ، الله وحده يعلم وزن الأعمال لأنه وحده العالم بالنوايا ، ولا تعلم كم سيقيك من ذنوب إن غفرت لأخيك المسلم ، فالمسألة ليست مثالية مقيتة ، أو حسن خلق وذبّ ، بل هي ذلك وأكثر ، هي حسن ظنّ بالله أنك إن عفوت وصفحت عن أخيك أن الله لا محالة سيغفر لك لأنه وعدك بهذا الغفران والله لا يخلف الميعاد .

سبحان ربنا ما أجمله وما أكرمه .

لا تحسبوه شرًّا لكم بل هو خير

إذا أردت أن أتكلم عن أكثر السور القرآنية التي يدهشني ويخيفيني بنفس الوقت استهلالها ، لا بد أن تكون من ضمن سور المقدمة ، سورة العنكبوت .
[آلم ، أحسب الناس أن يُتركوا أن يُقولوا آمنّا وهم لا يُفتنون](العنكبوت:1-2) ، الفتنة هنا لطالما أرقتني من وجهين :
الوجه الأول : أنّي من الناس وهذا يعني أنّي من المفتونين لا محالة.
الوجه الثاني : كيف تفتنني يا ألله وقد آمنت ، ومالحكمة من ذلك ؟

وباستحضار هذا المعنى في القرآن وجدت أن الفتنة والابتلاء يرتبطان بالأنبياء ارتباطًا عميقًا ، وفي سورة العنكبوت ذاتها نماذج من تلك الابتلاءات ، قصة أنبياء الله نوح وإبراهيم ولوط وموسى ، والأمثلة من مختلف سور القرآن لا تنتهي ، بل كي يكون النبي نبيًّا و قادرًا على تحمّل تكاليف الرسالة لا بدّ له من أن يُبتلى كما أخبر الله في قوله [وإذِ ابتلى إبراهيمَ ربُّه بكلماتٍ فأتمّهن قال إنّي جاعلك للناس إمامًا .. ] (البقرة:124) ، مالذي يمكن أن يضيفه الابتلاء على النفوس البشرية ؟ وماسرّ ارتباطه الوثيق بنا ؟

للوهلة الأولى يتبادر إلى الذهن البشري الكسول بطبعه والجهول بابتداء خلقته أن هذا الابتلاء والتعرّض للفتنة عبث كان الله قادرًا أن يغنينا عنه ، وتعالى الله عن مثل هذا علوًّا كبيرًا ، كما قال عن نفسه [وماخلقنا السماء والأرض ومابينهما لاعبين ، لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا إن كنا فاعلين ، بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ولكم الويل مما تصفون] (الأنبياء : 16-18 ) إذًا لابدّ من حكمه إلهية نستطيع أن نتصورها كي نفهم طبيعة هذا الابتلاء وأثره على نفوس الأنبياء قبل نفوس باقي البشر.

العقل البشري بطبيعته يدرك وجوده من حوّاسه ومدركاته ، ويكتشف عالمه بهما وماينتج من تفكيره واستنباطاته العقلية بسببهما ، و الإنسان حتى يستيقن تمام اليقين لابدّ له أن يتلمس هذا بواسطة حواسّه ومدركاته مهما بلغ درجةً عليا من الإيمان والتسليم ، هذه طبيعة بشرية لا مناص منها ، وكي لا يكون في داخلي شكّ حول هذا الجبلّة الإنسانية ، حاولت أن أبحث عمّا يعضد هذا الفهم لدي فوجدت من القرآن والسنة أمثلة على هذا كقصة أبينا إبراهيم عليه السلام مع الطير [ وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي قال فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا ثم ادعهن يأتينك سعيا واعلم أن الله عزيز حكيم](البقرة:260) ، مثال عملي على الإحياء بعد الإماتة يحدث أمامك ولأجلك هذا فقط ما سينقلك من مرتبة اليقين العلمي إلى مرتبة اليقين العيني المذكور في سورة التكاثر [ كلّا لو تعلمون علم اليقين لتروّن الجحيم ثمّ لترونها عين اليقين ..](التكاثر:5-7) ، وكما في قصة موسى عليه السلام [ ولمّا جاء موسى لميقاتنا وكلّمه ربه قال ربِّ أرني أنظر إليك قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقرّ مكانه فسوف تراني فلّما تجلى ربه للجبل جعله دكًّا وخرّ موسى صعقًا فلّما أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنّا أوّل المؤمنين] (الأعراف:143) إيمان موسى بعدما أفاق لا يمكن أن تقارنه قبل ذلك ، انتقل من مرتبة إلى مرتبة أعلى لأنه سيحتاج هذا العلم لعظيم ما سيُلاقي به بعد ذلك ، ومن السنة الكريمة حادثةالإسراء والمعراج فقد كان الله قادرًا على أن يفرض الصلاة بأمر مع جبريل وسيمتثل لهذا الحبيب – صلى الله عليه وسلم – إنما لهذا المعراج حكمة إلهية ترتبط بحاجة نبينا إلى مثل هذا اليقين.

إذًا هذا الافتتان لازم من لوازم الإدراك الكامل الذي تحتاجه كإنسان كي ترتفع من مرتبة دنيا إلى مرتبة أعلى منها ، وبقدر افتتانك وتعلمك للدروس الإلهية وتفكرك فيها سوف يرتفع يقينك شيئًا فشيئًا ، لقد ولّى زمن المعجزات والخوارق والآيات الصارخة ، وقد ذكر القرآن هذا أن من سبقنا لم يكن ليزيد إيمانهم بنزول الملائكة أو بشقّ الأراضي ، مايزيد الإيمان هو تقبّلك للفتنة بمعنى الابتلاء ، وطريقتك في التعامل معها والاهتداء بها إلى الله وإلى مراتب أعلى في اليقين ، وصدقني الإنسان لا يمكن أن يتعلم مثقال ذرة بدون فشل ، ولا يمكن أن يتقدم مثقال ذرة بدون اعتراف بهذا الجهل ، ولا يمكن أن يؤمن بدون هذا الابتلاء الكاشف لما وراء المحسوسات من لطف ورحمة إلهية .

لماذا كل هذا التكرار في قصص القرآن ؟

عندما كنت أقرأ القرآن كان السؤال الذي يتبادر إلى ذهني منذ صغري ، لماذا هذا التكرار ؟
مادام الله يعرف كل شيء ومحيطٌ بكل شيء فلماذا لم يخبرنا أكثر عن غير الرسل المذكورين في القرآن ” منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك ” ، وأذكر في هذا الصدد أن قصة موسى-عليه السلام- وفرعون تكررت عشرات المرات بمشاهد مختلفة ومتشابهة ، وقصة عيسى ابن مريم عليهم السلام ، هذا السؤال كان نائمًا في داخلي لسنوات وكنت قد آمنت بأن القصور في عقلي لا شك .

وقبل أقل من أسبوع قرآت في كتاب مهزلة العقل البشري كلامًا جميلًا للدكتور علي الوردي عن هذا المعنى بالذات ، وكيف أننا كنّا نتململ من القرآن ونستمتع بكتب التاريخ والمغازي والملوك والأرقام المهولة من الجيوش وتفاصيل المعارك والمطاحن والدماء وقصص الكيد والمكر والدهاء إلى آخر ماكنا نستلذ به ، وذكر أننا كنا نقرأ القرآن بروح كتب التاريخ ، بروح أدب السلاطين والملوك ، بينما القرآن أعلى شأنًا من أن يكون كتابًا توثيقيًا وإحصائيًا .

وبعد مداولة هذه الفكرة في رأسي – مع مساعدة ماقرأت من كلام الوردي – أيقنت أن القرآن أعظم الكتب ، القرآن يُخاطب أفكار الناس لا أعيانهم ، لا يهم من صاحب القصة ولا يهم مانسبه ومالونه ، من هم أتباعه ، وكيف انتصر ، كم عددهم ، وماهي أعراقهم ، الأهم هو الدرس والعظة والعبرة ، ونوعية الفكرة بأسلوب القصة الشيق والتصوير السينمائي الإلهي – إن صح التعبير- ، من هنا تبدت لي روح جديدة لقراءة القرآن ، ليس المهم موسى أو عيسى أو إبراهيم ، المهم مافعلوه وكيف فكروا به ، وماهي الفكرة من ورائه .

يصح أن نسمي القرآن أعظم كتاب أفكار على مر العصور ، وإعجاز الله للبشر وتحدي لعقولهم ، كمية كثافة الأفكار الموجودة في هذا العدد المنتهي من الصفحات والآيات غير محدود ، وهذا وجه الإعجاز ، إلى جانب الدقة في الوصف والمعلومة ، يذهلني القرآن كثيرًا عندما يفهمه الناس كلّ من وجهة نظره ومرجعيته الخاصة – ورغم اختلاف مشاربهم – قد يصح تفسير هذا وذاك المستنبط من نفس الآية مع اختلافه.

عندما تريد أن تقرأ سورة الأنفال لا تبحث عن أحداث معركة بدر ولا قيمة النفل ولا أعداد الجيشين ومن قُتل ومن سُبي ، بل تفكر في الأفكار المرتبطة بالحدث وماقبلها ومابعدها ، كيف للمعركة أن تكون درسًا للتاريخ ، ثم تفكّر لماذا قال الرسول – عليه الصلاة والسلام – لعمر حينما أراد أن يقتل حاطب بن أبي بلتعة عندما وشى بالرسالة لأهل مكة عند الفتح .. [ وما يدريك يا عمر لعل الله قد اطلع على أهل بدر فقال لهم : اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم ] ، هذا الغفران مع أنه للمكانة والصبر إلا إني أملك تفسيرًا آخر لذلك .. فعندما خاض الصحابة هذه المعركة التي امتحنت قلوبهم وتعلموا الدروس منها ، أخبر الله رسوله بعلمه السابق أنهم قد تعلموا منه فمهما فعلوا لن يستطيعوا بعد هذه العظة أن يفعلوا مايخرجهم من دائرة الغفران من كبار الذنوب ونواقض الدين وهو الأهم لأنهم تعلموا الدرس ، فمتى نتعلم دروس القرآن ؟

جرّب أن تقرأ سورة من سور القرآن وأن تبحث عن المقصد والفكرة دون رمزية الحدث وأطرافه وتفاصيله الشكلية ، وهذا النوع من القراءة يحتاج مجاهدة خصوصًا لو كنت تعيش في مجتمع كمجتمعنا يقدّس اللحية أكثر من العقل ، والثوب القصير أكثر من بعد النظر ، ولكن إنما العلم بالتعلم ، وستجد المتعة في القرآن تلك التي يتكلم عنها الراسخون في العلم – بإذن الله – .

( ذلك الكتاب لا ريب )

( ذلك الكتاب لا ريب )

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربّ العالمين ، والصلاة والسلام على المبعوث رحمةً للعالمين ، حبيبي محمد عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة وأتم التسليم إلى أبد الآبدين ، هم ومن تبعهم بإحسانٍ وإيمانٍ إلى يوم الدين ، ولا تحرمنا من الفضل ولا الاتباع بسوء ماعملنا وبما فرّطنا إنك أنت الرحمن الرحيم .

أما بعد ..

هذا رمضان شهر الفضل والتيسير والأفكار الوقّادة بالخير ، والنفوس المتحفزّة للصلاح والإصلاح
هذا رمضان شهر القرآن ، ولطالما أردت أن تكون لي نسختي الخاصة من تفسير القرآن التي أرجع إليها أنا بنفسي وأقوم على التفكير والتفكر والاستئناس بها ومشاركة الآخرين ومحاورتهم عنها .
وعلمتُ أنّ الكثير من الناس يحب هذا ويتمناه لكنه يقصر عنه لأسباب : أمّا الذين يقصرون عن ذلك من باب كسلٍ منهم فنقطتي القادمة لا تعنيهم ، وأمّا الذين يقصرون عن ذلك من باب التخفف مما هم ليسوا أهلًا له أو أنهم يرون في أنفسهم قلة علم ودراية بأحكامه ، وأنهم ليسوا طلاب علم ولا طالبي حقيقة متحفزين لها طوال الوقت ، ويخافون المساءلة وثبات الحجة عليهم من باب أنهم تعلموه وتأملوه فلم يؤمنوا به .

الصنف الثاني هم من أوجه لهم النقاط التالية التي لطالما أرّقتني: هل أنا كفؤ لأقوم بتفسير القرآن حسب إمكانيات عقلي وقصور علمي ؟ وجواب ذلك – من وجهة نظري – بالنقاط الآتية :
– القرآن من حيث العموم كتاب رحمة وهدى وآخر الرسالات الإلهية للناس أجمعين بل للثقلين ، وآخر بركات الوحي الإلهي العظيم للعالم السفلي التائه بين شهواته وشبهاته ، فهذا دافع للجميع دون استثناء أن يبحثوا فيه وينهلوا من قبسه ، كلّ بحسب قدرته .

– القرآن ميسر ومسّهل كما قال الله [ ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدّكر ؟ ] (القمر:32) ، وهذا التسهيل عام للعوام والخواص ، للعلماء والجهّال ، وقد خبرت الناس أن العالم والأميّ يحفظان القرآن ، كما يحفظه العربي والأعجمي ، ومن جملة هذا التيسير نزوله منجّمًا كي يسهل تجزيئه على العقل بكل مافيه من المواعظ والدروس والأحكام ، قال ربُنا [ وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة كذلك لنثبّت به فؤادك ورتلناه ترتيلا ](الفرقان:32) ، ولو كان مختصًا بجماعة دون أخرى لما لحقه هذا التيسير للناس أجمعين .

– يخلط الناس بين القرآن وتفسيره ، فالقرآن كتاب مقدس محفوظ ، وتفسيره ليس مقدسًا ولا محفوظًا يؤخذ منه ويُرد بحسب موافقته للأصول ، وهكذا جرى تحريف الكتب المقدسة من قبل بتقديس ماليس مقدّس وتعظيم ماليس معظم وبتنجيم الكتاب وتقسيمه وإخفاء بعضه وإظهار آخر لهوى في النفوس [ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ] (الأنعام:91) .. فالقاعدة الأهم من هذا الباب أن القرآن توقيفي وتفسيره متوسع يحق للجميع تفسيره ويحق لنا بعد ذلك الأخذ والرد من هذا التفسير بحسب ما يوافق الكتاب والسنة والإجماع ، ولاننسى شمول الأجر للمجتهد المصيب وللمجتهد المخطئ ، والنية هي الأهم .

– القرآن يسع كل شيء ولا يسعه شيء ، وهذا الباب يريحني جدًا ، فأنا كآدمي أخطئ وأصيب ولم يحملني الله مالا طاقة لي به ، وأقارب الحقيقة وأبتعد عنها بحسب قدراتي وماجعلني الله ملَكًا بحمده وسابقة علمه ، وما أنا من المتكلفين برفع العلماء فوق منزلتهم وجعلهم أربابًا لي من دون الله يعلمونني كيف أفكر وكيف أحاور وكيف أناظر وأتبصر ، فلي فهمي – وإن قصر – من القرآن ، ويحق لي مشاركته مع الآخرين ومحاورتهم حوله .

– لا أطمح أن يشتهر تفسيري وأن يقارع الحجج ويتصدر المجالس ويتحدث به الناس ، فأنا لست أهلًا لهذا في عمري الحالي ، وأنت إن كنت ترى أنك لا زلت صغيرًا فهذه خدعة تُخدع بها ، العالم يبدأ صغيرًا ويخطئ صغيرًا ثم يتعلم ، يكفيني أن أبدأ ولو أخطأت ، هذا أحرى للخاتمة الأحسن مما لو أني انتظرت النضج ، وكان بعض السلف يكتب كل الأفكار التي تدور في رأسه خشية فقدانها وبعضهم كان ينتبه من نومه فيكتبها خشية أن تفر من رأسه ، ولا ينبغي التثبت والتأصيل وإلا لضاع العلم كله ، خشية النقص ومن منّا لم ينقص علمه ؟

– القرآن معترك اختلاف وجهات النظر ، ليس كتاب تلقين وإنما كتاب تحفيز وإنماء الأفكار بداخلك ، لا يقول لك افعل لكنه يشجعك إن فعلت ، يقول لك فكّر لكنه لا يحبسك في نطاق معين ، يقول لك تأوّل لكن بحسن نية ، وهو يشمل كل المذاهب ولا تشمله ، ويحوي كل الفضائل ويجمل كل العلوم ، ومن معجزات القرآن التي لطالما أدهشتني أنه يعطيك بقدر ماتعطيه ، ويعطيك بقدر ماعندك ، ويعطيك بقدر إيمانك ، ويعطيك بقدر تفكّرك ، فالله حين قال [ .. مافرّطنا في الكتاب من شيء .. ](الأنعام:38) ، وحين قال [ لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ] ألحق ذلك بالمستفيد من هذا التفصيل والإجمال [ … فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم وأما الذين كفروا فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلا ] (يوسف:111) وعلمهم هذا ناتج عن تفكرهم وليس محض إيمان وتسليم أجوف ، وقال أيضًا جلّ في علاه [ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُوْلُوا الأَلْبَابِ ] (آل عمران:7).

– ترك التدبر لأي سبب من الأسباب ولو كان بحسن نية هو خذلان من الله للعبد الضال المنغمس في شهواته وملذاته والملائكة حين سألوا أهل النار في قوله [ وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ ](الزمر:71) ، وفي قوله [ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ. قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ](الملك:9) ، خزنة جهنم على جلافتهم وغلظتهم – أبعدنا الله وإياكم عنهم – يستغربون منهم كيف لكم أن تكفروا وتدخلوا النار وعندكم هذا النذير من الله ؟ هذا الكتاب العظيم ؟ هذه الحجة البالغة ؟ هذا التبيان لكل شيء ؟ ، ولاننسى الذم المذكور في سورة الفرقان [ وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا ] (الفرقان:30 )

بعد هذا كله وبعد هذا التأصيل ، سأتكلم تحت هذا التبويب ( تأملات قرآنية ) عن كلّ مالفت انتباهي عن القرآن ومافيه من الحكم والفوائد دون استثناء – بإذن الله – .

كلّ هذا الكون ثائرٌ حولي .. وقلبي ساكن

كلّ هذا الكون ثائرٌ حولي .. وقلبي ساكن

أطلِ السهر ، مادامت الذكرى دهر
والموت سكرةُ ساعةٍ ، وماعاد للودِّ أثر

قلْ للأماكن ياسيدي: مابال هذا الحزن ماكن؟
وعلى أي الدروب تُهرع مسرعًا، والقلب ساكن ؟
وفي أي سوقٍ بعتُ نفسي والدم في العروقِ داكن؟
يا طامعًا في ودّ عمرٍ ها أنا ثملت يومًا وصحوت ، لكن
للحب أحكامٌ وللصبّ أحلامٌ وللوعة العشّاق راكن

خطيئتي العمياء ، يا عذري في ضحكتي ، وسلوتي في محنتي ، يا كلّ الأماكن
أنا لا أرى دون العيون الجميلة فابصري فيني وبصّريني
أنا لا أخال الوقت يمنحني مهجتين ، ولا أظنّ في العمر ضحكتين ، ولا يطال المرء الحبّ مرتين ، فمن لي؟

من لي لو سامت الدنيا جبهتي بعذابات الدهر ، من للضحكة الهائمة في تفاصيل وجهك ؟ لم يبقَ للحب أثر ؟ هل اندثر ؟ ، أم ضاع بين نعم ولا وأصبحت صفحته رمادية ، واجتاحته رياح الملل العادية ؟ ، من للرعشة في حضورك ؟ والصمت لغرورك ؟ ومن يجبر الكسر الذي تكسرينه ؟

لا أسأل طلبًا ، أسأل محتارًا ، فأوّار هذا الصيف ينسى أنني وحدي هنا ، ويتوعدني بقسوة الشتاء ، والدثار في يدك ، والهواء بين خصلات شعرك ، والسماء طلعتك ، والرحب كله ابتسامتك ، فما يضيق معك شيء ولا يتسع بعدك .

للقهوة معي سهرتين ، إذا هجع الجميع ، وإذا مررتِ دون تلويحة يدك .
وللسماء معي قبلتين ، أنتِ ، وأنتِ .
ولي منك السهر والحذر والمعضلات والصبر ، كلّ الصبر .

أنا ابن هذا القلب يامن تسرقين ، هلّا عدتِ كي ينام .. فالكون حولي ثائرٌ والقلبُ ساكن دون حراك ، لا ينام و لا يُلام ، وضاع دليلي دونك مع أنّ كل ماحولي مساكن وأصدقاء وأوطان وأماكن، وكل هذا الكون ثائرٌ إلّا أنّ قلبي ساكن .

بين البهيمية الفردية وثقافة القطيع .. كيف أتّخذ قرارًا يمسّني ؟

نرى الأشياء من حولنا عبر انعكاس الضوء إلى عيوننا ، وهذه الفكرة بحد ذاتها كفيلة لأن تجعلنا نسلّم بالحاجة الإنسانية لاستثمار ماحوله من الموارد حتّى في أبسط القرارات الفردية كالرؤية.

كان أبونا آدم وحيدًا وفي اللحظة نفسها التي احتاج فيها من يشاركه المعيشة والرأي والجدال حول الأشياء ، اختار الله له من يخالفه في الكثير مما يقرّه لنفسه ويرتضيه لها من التفكير والذوق والطبع ، صحيح أنّ حواء خُلقت من صلبه ومن ضلعه إلّا أنها مختلفة عنه ، ولله في هذا حكمة.

نعيش نحن اليوم في موجٍ متلاطم من الأذواق والمشارب والآراء والمرجعيات الدينية والاجتماعية والاقتصادية والفكرية، ويهمني من خلال هذه التدوينة أن أتطرق للاختلافات الاجتماعية من ناحية اتخاذ الآراء .. يقول غاندي في هذا الصدد [ إنّ قطرة الماء تشارك في عظمة المحيط وبهائه وجبروته، وحتى إن لم تعِ ذلك وتشعر به ، لكن بمجرد أن تقرر الانفصال عنه، تختفي تمامًا وتضمحل] .

من ثقافتنا الشعبية المستمد أغلبها من تعاليم الإسلام نحن نرى تمرد الفرد في اتخاذ القرارات كأنانية وعصيان وصورة من صور البهيمية التي لا تأبه بغيرها وتعتبر أنها هي الوحيدة المعنية بما ينتج عنها .

ونرى هذا جليًّا في معاملاتنا ، فالإنسان في بيئتنا ومجتمعنا مُثقل بالكثير من الأعراف والأذواق التي يجب أن يرضيها كي ينال رضا الجماعة والقبيلة والأمة حتى في أصغر شؤون حياته وقراراته الفردية كالنوم أو السهر والتدخين والمواهب واختيار التخصص وحتى الزواج من الفتاة التي يختار.

وبين هذا وذاك بين الفردية الصارخة التي قد تندرج من الأنانية والموسومة بالبهيمية ، إلى طغيان الجماعة وثقافة قطيع الأغنام في اتخاذ أبسط الآراء التي لا يجب أن يُشاور فيها أحد وشرعنتها وتجريم المخالف بالعصيان وربما بالعقوق علينا أن نتبّع فعلًا تعاليم الإسلام وحرّياته التي كفلها في هذا الصدد.

للقرابة حقّ يتمثل بالصلة والمودة والمساعدة والتهنئة والتعزية – بحسب القرب والبعد – دون التدخل في الحريات الذوقية والفردية وكأني أنوب عنهم جميعًا في حياتي.

للوالدين حقّ يتمثل بالبر والطاعة مالم يكن منكرًا وحسن المعشر وحفظ الود والمشاورة دون التدخل في الحريات الذوقية والفردية وكأني امتداد كامل لهم في أذواقهم واختياراتهم.

للأصدقاء حقّ يتمثل بالمساعدة والوفاء والذكر الحسن والتعاضد دون أن يمتد هذا لأن يختاروا لي مستقبلي وأن يحددوا شرعية قناعاتي وأن يجرّموا أفعالي ، وعليهم بتقبلي كما أنا لا كما يريدون.

للزوجة حقّ حسن العشرة والمودة والرحمة والحب والتضحية والوفاء والصدق دون ذوبان الشخصية وسلب الحقوق والمواهب بحجة الغيرة والأحقية والملكية .

وعلى هذا فقس، ففي تراثنا الكثير من الأمثلة الصالحة التي تُضرب لتبين لنا الحد الوهمي الفاصل بين الرأي الفردي ورضا الجماعة ، وكيف لنا – وقد اطّلعنا في زماننا هذا على اختلاف الثقافات – أن نضع أقدامنا في المنتصف مابين البهيمية والقطيع .