أفيقي تجديني حلما .. طائرة ورقية

هربًا من مآلات كثيرة وقعت في فخي الصغير، أعددت كل معاولي ومقاصلي، واختبأت عن أعين الأحبة والحرس متترسًا بكلماتي التي لا يفهم معانيها سواي، أسرق من الأيام ذكريات لا يتذكرها أحد معي مخافة التشويه والعبث والابتذال، لم أكن أبدً في حياتي هازل، أينما أحببت بشرًا حنطتهم، وأنطقت كل الجوامد فرارًا من الوحشة، حيث الجوامد وحدها من يسكت عندما نريد، كان في قلبي دوما ضعف لكل الموجودات ذات الإرادة الناقصة، ومضى عمري – كثيرًا كان أم قليلا- غزيرا وافرا مليئا بالدموع والمطر، بللت وسائدي وقبّلت دفاتري وأحطت نفسي بهالات عيني، كلما اقترب أحدهم نبحته، وربما نهشته لأتأكد من خلو قلبه؛ ذلك أنّ خالي القلب لا يشعر بالوخز ولا الخطيئة.

عاندتهم حاربتهم داهنتهم ووشيت بهم كل الذين لم يأخذوني على محمل الجد، راهنت على كل الأيام الغائمة قبل مغيب شمسها وساومت كل أموالي جزاء بئر معطلة سوف تنفجر ينابيعها مع انفجار عروقي. عندما أردت أن أغالطهم سألتهم واحدا واحدا: “وش ودكم فيه”؟ وكانت الإجابات الصريحة تدغدغني، إلا أن الصامتة كانت ما يخيفني جدًا، كلما شعرت بشجاعة فاجعة رأيت قطر دمي يبلل ممشاي.

لم أكن أكتب جملة واحدة مفيدة، جملي كانت تبدو معكوسة وناقصة بخطٍ صغير خجول عجول، ربما هربًا من المفيد وقعت بالمبكي، وخوفًا من الفضيحة والشفقة تعلقت بالمغالط والثائر والمعاند، المفصح عن تواضع، والهارب من القارئ الرتيب. وكانت هي وحدها جمهوري الذي أخاف ألا يبكيه نزفي، وألا يشعر بارتجافة واحدة وهو يأخذني إلى حتفي، بيننا اختفت كل الضمائر ولاحت كل المصائر، كنت طفلاً تارة ومحاربًا كهلاً أخرى، كانت أميرتي تارة وحارستي أخرى، كنت عبدها تارة وسيدها أخرى، كانت ابنتي تارة وأمي أخرى، كان خيط الأقدار يلاعبنا “شبرا أمرا ذكرا أنثى” وكنا نقفز بخفة.

كلما يئستْ أنرتُ لها شمعة، وكلما غضبتُ احتفلتْ بجمرة خديّ،لا أحسب أيامي معها كنت أسارع دائما بانتشال أشلاء قلبي، جعلت لي المسكن جنة من ذكريات وجعلت لها أحلامها الباقية كلمات، الخوف كان يأمرها بعكس مسيرها ومن أجل عينيها أجريت عقارب ساعتي لليسار، فتاة الشمال استعسرت على نفسها وتسلقتُ لأجلها كل الجبال في طريقي. تهيم فخارًا بي وأهيم بنفسي من أجلها، وهربًا من أسئلتها أطرت لها عمري طائرة ورقية، مادام قد انتهي زمن الرسائل، مادام لا أحد يغفر للتريث لمجففٍ قلبه أو نادب دهره، أحب كائنًا يستعجلني إلى حتفي وأنير له كهفي بسراج التجلّد والوحدة
.

أكلّ هذا البكاء ماء ؟

أيا ربّ أكلّ هذا البكاء ماء ؟
أشعر أنّ أطفالا يولدون من مقلتيّ
أشعر أنّ احتفالات اليتامى تتستر بهما عن أعين الراصدين
أشعر أنّ الأماني المدفونة المتحجرة وجدت خلاصها معصورة
أنّ ألف ألف أسطورة تتناسل تتباسل عندما ترى هذا الصدأ
أسمع عنها رجع الصدى، أمسح عنها عينًا أشعلها الحديد سوادًا
ليلةً ليلة تتصاعد الآهات في تلّ قلبي مخضرة في الخريف
لعلّة بتّ أعرفها، لموت بتّ أعتاده

أيا ربّ أكلّ هذا البكاء ماء ؟
متهورًا برؤية ضبابية، لقد أقبل الشتاء/أقبل الخريف
في ليلة كهذه سوف أُصعد حرّاتٍ بركانًا على كل بريء
منتقمًا من الخراب بخراب
حيلة الفوضى القديمة تتهاطل سيوفًا ومدافع
أحقادي الدفينة تقودني برغبة رمادية للانتقام
كنت جامدًا هامدًا بلا حراك حين كنت أشكّ بأنها تمقتني
لقد تأكدت، بأنّ هذا ليس ماء
سوف أحرق كل المدينة

أيا ربّ أكلّ هذا البكاء ماء ؟
راضيًا بموعد فاتن في ليلة مقمرة
أن أحرق كل دفاتري زهوًا ونكاية
أن تخبرني همسًا كل أسرار الحكاية
لكنها اشترتني محبرة على ورق
لم أكن يومًا فارسها الملثم
كانت تجهز الظلائم تترى واحدة واحدة
كمن يخطط لفتحٍ كبير، كان قلبي ينخرق
لم يكن دمعًا بل دمي ما رأت

أيا ربّ أكلّ هذا البكاء ماء ؟
إنّ قلبها ينتقم من الحياة بي
هل اختلط عليه الأمر
هل كان شأنًا مدبرًا ، لا يهمّ
بعد كل هذا النزيف العذب، حقًا لايهمّ
سوى أنني أدركت الوعد متأخرًا جدًّا
كانت مزحة ثقيلة، أن بخعت للحياة الجميلة
بيد أنني لن أهرب، أركض بكل قوادمي للنهاية
حثيثًا إلى محجر الدموع أنيح الحمام وأنام

أيا ربّ أكلّ هذا البكاء ماء ؟
وجدت قلبًا مدهوسًا على جانب الطريق
مرميًا في قاع بئر
منهوشًا، متزين بقميص أحمر
متّقدًا غيلة
منقادًا بنميمة
مسجونًا ظلما
محروقًا بنار باردة
محبوسًا في غار
لقد وجدني وانتهى الأمر
كان يبكي مثلي، خوفًا من حياة سعيدة

أيا ربّ أكلّ هذا البكاء ماء ؟

الشجرة الطيبة


ياريحة ثوب في الأسفار أحسها بشراييني
أشم الليل وأهل الدار واللي غاب عن عيني
أحسك في كلامي في الهواء في الماي في ترابي
أشوف اللي مضوا عني وبقى حبهم على بابي


أجمع كل شهقاتي أودعها سرّك وأحمد الله على شجاعتك، لولاك، لولا صرامتك، لم أنل سعادتي، لا أجرؤ على سؤالك كيف ومتى، أتأمل آثارك، أحترمك، أحترم كل آلامك، أستميحك أعذار الأقدار، لقد خسرت أكثر مما تتصور لأنني لم ألتق بك، كت أتوق لمحادثتك، لضحكاتنا، أسرح في ترتيب الكلمات، أصفها بغرور الشاب دالهٌ بشبابه، سلامٌ على روحك وقدّس الله سرّك، وقد يخطو غريبٌ مطأطئ رأسه في حماك؛ لأنّ الأحرار يتعارفون ويتآلفون، لقد رأيت في خلدي كل محاولاتك، في عيني حبيبتك، وبقية أسباب بقائك.

محروسٌ هواك، محروسٌ إرثك، محروسٌ غرسك، محروسةٌ أسفارك، محروسٌ ذنبك، محروسةٌ زلاتك، مبجلة إنسانيتك، فضائلك، خسائرك، في هذا الحياة – أبي – لاننال مانريده أو نتوقعه، بل ننال مافعلته بنا فضائلنا و قلوبنا، لا بار غرسك، أشجارك لا تُباع ولا تُشترى، بل تهب نفسها حرّة لهواها، سنارة صيدك بحكمة صبرها قالت لي كل شيء. ولم أكن ممن يُسمع قوله حين يقول، وماكنت أيضًا ممن يسمع تسويل نفسه في الحديث عن مقامك؛ لكنها أمانة نقل أثر من نحب، ونطلب لأنفسنا الذكر والاقتداء ما استطعنا.

لا نستطيع إلا أن نخطئ كما تعلم، لا وجه آخر للحياة نرى من خلاله أنفسنا سوى تجاربنا المريرة، لأنها بذاتها تجاربنا العطرة قبل أن تهبّ عليها رياح الأيام، لا بأس عليك. أما عن النسيان فكلنا نذبل عندما يجف نبعنا وهو لا محالة جاف، وحدهم المنتفعون سيقطعون الشجرة الطيبة عندما ترفض سوى أن تشرب من ماء نبعها، لكن الحياة سوف تصنع من بقاياها غابة ومن رفاتها عوالم لمخلوقات الله المسالمة، حيث الأشجار الطيبة أكثر مخلوقات الله بركة قائمة وهامدة، تظلل كل الضالين القالين المريدين السائرين.

أما عن حزنها ففي مقلتي، وعن وحدتها فهي سلواني، ضحكتها أنسي، وريحها رواحي، عبير لمستها يصلبني هائمًا على بابها، لم تكن قبل أن تنطق حرفًا تسمع سواك، لهذا ولعديد مالا أستطيع ذكره نحتاج بركاتك، صلوات ربي على كل لمحاتك وإشاراتك، مازلنا على العهد نطفئ الشموع التي لا تحب إطفاؤها لم يتغير شيء، مازلنا نوقد قلوبنا لجمر الأيام وندخّن تقلباتها، صدور ماضامها الزمان إلا وانشرحت، على العهد سائرون لأن الحياة واحدة، أمة واحدة يحنكها طيب الغراس، قومٌ يحبهم الله ويحبونه ما اغتالوا ولا غالوا، لا طالت وحشة شهادتك ومغيبك.


مثل الرفيق ويا الرفيق
كنا معاك
وبنظل معاك
في هالطريق نحمل هواك

مذكرة نسيان

يركض عندما يبطئون، ينام حين يستيقظون، يجلس عندما يستعجلون، كان يملك رغبة عمياء خرقاء بأن يعرف أكثر، لحدّ أنه قد أطال الوقوف أمام مالا يُعرّف، كانت لديه نقاط قوة لا تُحصى، ونقطة ضعف واحدة كانت كفيلة بأن تهدم في كل مرّة كل ما بنى.

تأملت خطوط يدي ورأيت أكثر من مسلك للهرب، أخذتني خيالاتي لكل الوجهات التي زرتها ولم أزرها، كنتُ واقفًا في مكاني مهما ركضت، على مقربة من كل ضحكة أجد دمعة مخفية تصارع للبقاء كروح مفرطة القدم فارقت جسدها ومازالت تدور تائهة في الأرجاء.

تطلب الأرواح المقيدة الخلاص، وتطلب الأرواح المتحررة التشكّل، يبدو أنّ هذا الكرنفال كان مقصودًا له أن يكون مأتمًا لكن أحد الحاضرين قد أطلق ضحكته الصاخبة، وأصابت العدوى الجميع.

إنّ هذا العالم يتسع على يديّ التي أحاول من خلالهما الإمساك به، أستمع إلى الهمس برهافة إحساس الأُم ببطنها المتكور حياةً جديدة ولا أعرف كيف حبلتُ بكل الآلام والأحلام دفعة واحدة. أبتسم لأن ليس لي خيار، واُهزم لأنه الخيار الأكثر منطقية.

الفشل حسنة الإنسان الوحيدة، الفضول خطيئته الكبرى، ويستمد تبريراتها من خطيئة إبليس الكبرى: الكبر. قدر الإنسان أن يشعر بأنه قادر لكنه في الحقيقة عاجز عجزًا يثير الشفقة والكبرياء.

أحرّك رؤوس أصابعي لأتحسس نيتها، لم يتغير شيء منذ آخر مرة تحسستها، ترفض أن تخطو خطوة واحدة مجددًا للإمام. لكلّ منا خريطته الخاصة للألم بها يعرف مكانه جيدًا بين الجموع. كنت أكتب لأنّ لي ذاكرة تخذلني ثم قرأتُ هذه العبارة في مذكرة أحدهم: ألّا تنسى شيئًا هو ألاّ تتعلم شيئًا جديدًا.

أصل الحياة واحد لكنّ أحزان المرء فريدة، لذلك قد تفهم هذه الحياة برمتها ولا يسحرك تشابه الأمور وتسحرك فرادة الآدمي. أجمع أحزاني ولا أتاجر بها رغم فرادتها. ولا أنساها لكنني أتناساها، تكبر في الخفاء، تُزهر في الخفاء، تتكاثر في الخفاء، تتشجع في الخفاء، وتختفي عندما تُقال.

أعتقد أنّ أسلوبي يشهبني، كنت أسخر من تشابه ما أقوله ببعضه لكنني أيقنت بأني لا أكون إن لم يكن ما أكونه. يكفيني أن أمسك قلمًا فأراني خالدًا على ورقة فأُصاب بالهلع مما أرى، فأرتاب من وضوحي أمام ذاتي لا أعرف غير ذاتي ومنها أعرف كم يُخدع المرء بتشابهه مع غيره.

محطتنا هي القادمة لا تقلقي، سمعت أحدهم يقول في الشارع المجاور أنّ قائد القطار قد استيقظ من سباته ضميره وأراد أن يكافئ هذه المرة أقدم المنتظرين، عليه اللعنة على أية حال، لقد فاتتنا ألف قصة وانغمسنا في صنوف الخيالات وشتّان بين حرقة المنتظرين ويقين الصابرين.

أحمرُ شفاهٍ لا أراه

أسفع كي أرى ما أنا قادرٌ عليه
لكنني أتراجع قبل أن أفعل
يمنعني الحياء عنه
ولأنني أخجل

ولئن استحثني أحدهم إلى حتفي
سوف أرحمه بإيلامه
وأموت وحدي

لماذا لا يُرى أثر الجروح على ناصيتي
تلك التي لم تختر إلا مقدمة الوجه
وإذا ما غفل أحدهم عنها يوما
فماذا تبقى لي كي أخبره
أنني موت مؤجّل
وطريقٌ وعرة
وروحٌ ضالّة عنه
إلى ذاك الذي يهدي إليّ ذاتي
وأهتدي إليه

مستحيلٌ أن يفعل الوجد فعلته
دون أن ينتقع دمي
وتجري على جسدي أثر الجروح
ويلثم مبسمي
بفمٍ وأحمر شفاهٍ
لا أراه

أحدّ من السكين
ولا يؤذي سوى نفسه
صبيٌ بالغَ في تصديق اللعبة

هذه السكّين قد ملّت من إدماء جدرانها
أصبحت تطمع بالمزيد
ولأنني وحيد
تمدّ يدها لمن أحبهم وتقطّعهم

الحياة أوسع من جرح
هي ركضٌ دائم
هربًا من احتمالين
يتغيران كل مرة

وحين يحلّ الصيف
تصبح الحياة صعبة
يغدو الليل عدوّ
والنهار مقصلة

كل مايستدعيه النسيان
زوجان من الأطباق
ليلٌ ونهار
شمسٌ وقمر
ذكرٌ وأنثى
ذلك أن التذكّر ثقيل
يهرب من أول الصباح

حزني قديمٌ ومألوف
تمامًا كوجهي أمام المرآة
لا أستطيع أن أعرف
ما إذا كان جميلًا أو قبيحًا
لأنه وجهي

الحبّ مسٌّ دائم
تمرّد على العقل
الذي يخبرك بأنّ لا أحد يلمسك
وتكذبه لأنك تحس بغير ذلك
وخيرٌ من ذلك
أن تكون أحمقًا في النهار
وحكيمًا في الليل

تضحك على توجدّي وبكائي
فلهما هذه المرة طعمٌ مختلف
طعم الأذى من جسدٍ آخر

وعندما عرفت أنها تستطيع
لا تنفك عن الطمع وتسأل بشراهة
هل من مزيد

فأنا لا أستطيع أن أقدر حجم الفاجعة
أن أموت بظروف لست بها
وأن أتألم بجسدٍ ليس لي
وأن أُحاسب بأفعالٍ
ليست في مدار تحكمي

“صبحت أحب الحب من بعد عشق الحبيب”

“أضحك مع الفرحان
وأبكي مع الباكيين
وأبات وأنا حيران
وأشكي؟ أشكي لمين”

لا يسلو المحب، وإن سلا؛ فإنه يسلو عن نفسه.
وتجري الأيام وصوارف الأقدار وظلم القريب ولامبالاة البعيد والسنين تعلّق على حيطانها أرقامًا لا تحمل في طياتها من معانٍ سوى أعمارنا، خيباتنا، فشلنا، خوفنا.

وراحة القلب العاشق استراحة محارب، يغفو دهرًا ويصحو لحظة تتحدد فيها وجهته، وأينما يمم فقبلته في شعوره الذي يداريه بين أضلاعه لا تحيد حتى تتكسر ولا ينكسر، ويظلّ يسهر رعايةً لمآرب وصغائر حبيبه التي يقدّسها ويجمعها قلائد ومشاهد وأشعارًا لأنها تذكره دومًا بأسباب بكائه ولوعته.

وللمحب أحوال لا يُعرف إلا بها ويتمنع عنها كي لا يُعرف، ومنها ومنها ومنها، حتى يصبح هو منها وإليها، هذه المحبة التي تظلل جوانحه وترقق عظامه وتؤرق مآقيه وتورق في لحيته أدمعًا وربيعا، ولولاها لمعة ما عُرف، ولولاها كبدٌ متورمة ماعَرف، ولولاها مناسبات حاسمة ما تنبّه، ولولاها معابد ماتحنّث، ولولاها أعياد ما احتفل، ولولاها خمرة ماسكر، ولولاها ترانيم ما تطرّب، ولولاها مضارب مارقّص.

ويا إيقاعًا في القلب ماعرفت من دونه كيف يحيا المرء بين جنبيه اللذين توحشا من لا مبالاة أشباه الأحياء. وربّ منفعة تستوجب شكرًا لسترها عريّ المقصد، وربّ فتنة لولاها ماسرح في معاني الحياة، ولولاها حياة ماعرف أنّ في الحياة مايستوجب الشكر والصبر والتضحية والبذل.

ويطيب الشك في رحاب الحب حيث وقر في القلب مالا يبرح وما يقيم، وتستقيم الذائقة حتى يرى المرء ماكان خافيًا عنه في ظلال السائد والسرديات الغالبة، ويهتدي القلب بعد ماكان طيّارًا في فضاء الله ينشد الخلاص، فالحمد حمد الواهب والود ود الحافظ والذكرى ذكرى المحب، ولا يعرف الحبيب الوفاء مالم يعرف الشقاء، بل يعرف أنّ الحياة متراكبة شأنها شأن الخلائق كلها فلا تكاد تخرج من أحدها إلا وقد دخلت في الآخر، ولا تكاد تستبينها مالم تُسقطه على ذاتك، ومن هنا تتبرعم الأنا والذائقة والثقة، ومن السياحة في وجوه الناس، ومن السياحة في فضاء الله؛ تعرف مالم يكد يعرف إلا بالحب والدعة والترقق والاستكانة والإخبات.

أما السلامة فلا سلامة، ومن هنا تتعضد النفس بالشجاعة وتتبرعم الطمأنينة فتورد في العينين سلامًا أخضرًا وحَورًا مستقيمًا وجمالًا مُهيبًا، لأن الفائت هو ما سيأتي لا ماقد مضى، وعليه فإنّ عليك أن تعي وتتفكّر في المخاطر القادمة كما لو كنت تقلّب صحيفة أطباق الطعام، العبرة فيما تشتهي لا في كونك ستشبع، فإنّك ميت وهم ميتون.

والمحبة شأنّ الراقصين طلبًا للوضوح لا طلبًا للتأكّد، فلا أحد يتأكد حق اليقين لكنه يختار بعينين واسعتين، ومهما استنفذت من جهد فالله أقدر، ومهما استبطنت من معانٍ فالله أعلم، ومهما مكرت من مكر فالله خير الماكرين.

راقصني يا حبيبي علّ علّة في النفس تزول،
ماتعني يا نديمي فالمنى منك هي المأمول
ومالحني فياللضحكة الصرفة على وجهك أبتاع بها متاع الدنيا. وللمحب أسرار لو علمها عن نفسه لزالت نفسه، لكنه يتذوقها ويستمتع ويدع كلفة المعرفة على الصانع، وكم تمنيت أن اكون صانعًا لكنني ذوّاق أكثر

وأحب الكتابة والحب من حبّ الحبيب. تذكري هذا و بلغيه عنّي.

قاموس التبريرات لرغبات محرّمة:الرقص أنموذجًا.

  • الرغبة في الرقص تأتي أولًا ثم من تريد أن تُراقص.
  • الرغبة بأن تتودد لأحدهم، تختار أن ترقص معه، تأتيك رغبة في الرقص.
  • الرغبة بأن تفعل شيئًا جميلًا وفاتنًا من أجل أن يُقال، فقد قيل.
  • الرغبة بإشعال شيئ ما قد انطفأ، تختار الرقص لأنك تجيد قراءة الإيقاع، أي أحد في المكان.
  • الرغبة بعيش الحياة بعد فوات الأوان، وبعد عمر من التضحيات التي لم تُقدر كما توقعت، ترقص لإغاظة الجميع.
  • الرغبة في الثورة على هذا المكان الذي – بادّعاء الانضباط – يتعالى على الرقص والفرح.
  • الرغبة التي لا تنقطع بفعل كل شيء مع أحدهم، الآن رقص، ومعه هو بالتحديد.
  • الرغبة بإشعال نار الغيرة في قلب أحدهم، لفتًا لانتباهه تراقص غيره.
  • الرغبة بإشاعة الحياة متمثلًا بالرقص، نرقص بشكل جماعي وبعفوية تامّة.
  • الرغبة بسريان الحياة في مفاصل هذا الجسد الخائر، تختار الرقص لأنك تحب تأمل شكلك في المرآة.
  • الرغبة بالرقص تقديرًا لهذه الأغنية الرائعة.
  • الرغبة بالهرب من هذا العقل السليط بتحريك الجسد المغلوب، ترقص وحدك.
  • الرغبة بإبهار ثلاث فتيات في الطاولة المجاورة ترقص ولاتخجل من إحراج أصدقائك.
  • الرغبة بالوصول إلى منبع الرغبات، ترقص لتتقرب لواهب الحياة.
  • الرغبة بالرقص لأن موسم الربيع على الأبواب، الرقص يقرّب الخل والرقص يغري على الكمال.
  • أرقص عرضًا فأرغب.
  • أرقص، أشعر بشيء جميل يسري في شراييني، أعاود الرقص استجلابًا له.
  • أرقص برقص صاحبتي، أرغب بالحياة الآن.
  • أرقص، أرغب، لا فرق بينهما.
  • يرقصون أمامي، أرغب بالرقص، أتخيل بأنني أرقص، أكتفي بالخيال.
  • أتتبع الصوت القادم من المنزل المجاور، موسيقى صادحة وأرواح تتراقص، أرقص منتشيًا في الخارج.
  • الرقص يحفّز الدوبامين وأنا أريد السعادة.
  • سمعت من أحدهم أنّ الرقص مفيد فرقصت.
  • رأيت فتاةً ترقص بجسد فاتن، أرقص كما ترقص، أغمض عيناي فأكون هي.
  • رأيت فتاةً ترقص بجسد فاتن، أرقص متتبعة خطواتها الرشيقة.

    يدّعي أنه يرقص دون سبب، يعترف بأنه يرقص دون سبب، يرقص دون أن يكترث بالسبب.
    كاذبٌ من يدّعي أنّه يعرف السبب، واهمٌ من صدّق أنه يعرف السبب.

طاووس متبخترٌ بريشه

انتفخت أوداجه، احمرّت وجنتاه، اتسع بؤبؤ عينه اليسرى بينما ظلّت حدقته اليمنى متصلبة مقاومة متأملة ترى كل الخراب الممكن والفوضى الوشيكة. ومضى بعقله المتعب بحساب عدد مرات نجاته: ثلاثٌ وثلاثون مرة كأحجار مسبحة عليها وقار عناية الإله؛ لكنّ هذه فتنة لا تشبه كل الفتون، هذه دعوة صريحة للغرق.

أجال ببصره في المكان بينما كانت بصيرته خائرة، جدران خضراء معتّقة بالأزرق، المقاعد رمادية لا تعطي أي إيحاء بالانتساب لوجهة، أزهارٌ على الطاولة التي تتوسط المكان، وإناء فخّارٍ منفوخ بماء وبضع قطرات من دمه هرعت للإناء في آخر مرة حاول فيها فتح نهايته الحادة ليرى مابداخله، ولم يكن لديه الوقت الكافي لملئه؛ رغم وفرة الماء.

هذا الطاووس لا يعرف التوقف عن التباهي بجمال خلقته، لا يقاوم رغبة إلا ليوقع نفسه بأكبر منها، لم يكن ليرضى بالمتاح والآني ولا حتى بالمتعارف عليه، لطالما كان يحدوه أملٌ إلى البعيد النائي والمتواري: كمعرفة أصل الفتنة، كفهم كيف يتكون الحب، أو عن مدى شبههما بالرغبة، هذا المسمى المتهتك منهما والداعي إلى إمكانية الشفاء.

يُشفى المرء من الرغبة حالما ينالها، ويتعرض للفتنة وتتعداه فيتعافى، لكنه إن توقف عن الحب فقد أضاع تفرّده، وعندما يدنو موته يتذكر طعم النشوة التي ما إن وصل إليها حتى علم أنها ليست مراده، ثم يتذكر شكل الطمأنينة التي تجاوزها للمعرفة ممتطيًا خوفه والكذب على الذات المتمثل بالمغامرة؛ ثم يتذكر بعدها معنى الحياة: القدرة على المحبة والاتساع المتمثل بالخروج من عمق القاع المليء بالماء إلى أن يصبح المحيط.

عدودي وعدوك قلة الصبر والحرص على نيل الوطر مظنة الشفاء أو الامتلاء، بينما كانت لتكفي نظرة واله، وترقب موعد لن يكون، كانت تكفي ضمة صدر مرتجف، كان يكفي منامة نحلم بها أننا بجانب بعضنا فنستيقظ وإذ بنا بجانب بعضنا، لا تقع الملامة على الهوى بل بالتسليم للشكوك وآثام الظنون.

أعيذك أسماءً ثلاثة: أعوذ بالرؤوف من أن ينالك غمّ اليتم، وأعوذ بالودود من أن يصيبك خوف الغربة، وأعوذ بالقيّوم من أن يكلك لشكوكك وحيرتك ورغبتك.

لم نعرف مكانًا آمنًا للحبّ

لا أتذكر أحدًا بعينه، أتذكرهم كلهم دفعة واحدة.
لم أهتم يومًا بالجرح الذي قد يخلفه نسياني لتفصيلٍ ما، بقدر ما اهتممت بالجرح الذي يخلفه نسيانهم لأنفسهم في منعطف عسير، كم من مرء خسر نفسه وخذلته مرونته، ألا إنّ المروءة هي مرونة التشكّل في تنّور الاحتمالات، ولم أعد أعرف لي وجهًا، كم مرّ عام حتى أصبحت ملامحي تشبه أيامي ولا تشبهني.

النظرة وحدها مالا يتبدّل، تظلّ صارخًة طلبًا للنجدة على الدوام، ودمعتها تاج الروح المثقلة بالخوف من المجهول: الغيب والظنون. كنت حينًا من الزمن دقيق في استخدام مصطلحاتي كي لا أضيع نفسي في منعطف تقلّب النوايا، لكنني ضيعتهم كلهم وبكيتهم كلهم- أولئك الذين يرفضون أن يروا مايوحدنا-.

وحده من يشعر بمعاناتك يراك، معاناتك وحدها هويتك الأصيلة، معاناتك من دون أي تفصيل يبررها أو يجمّلها، معاناتك التي تبدأ بمكابرة وتنتهي بدمعة الاعتراف بالخسارة، الاعتراف بالضعف، والاعتراف بالضياع.

في الأمس القريب كان الصبر وحده زادي، واليوم كلّ الأيام التي صبرتها تتقافز لاهية أمامي كأولادي الذين ربيتهم ورعيتهم وسهرت على شكواهم ونجواهم، وشربت خوفهم وشربوا مرارة إحساسي الحارق بقلّة الحيلة. لم أكتب منذ مدة لنفسي المتوارية، واليوم وحدها أذكاري ذكرياتي، ولا أحد يرثي نسخة الخوف المتصلبة في جوفي عن هذا الذي لا أعرفه وأصبح أنا.

كم من رأى وأشاح بنظره مخافة الالتصاق بحزن جارف، ياليلي الطويل لم أعد أراك طويلا بما يكفي لاحتمال تبريحي، وإن انشغل الناس بعيشهم وعشهم فإنك لا تنفك تعشعش في باب الحقيقة، تفكك معي كل إغماض وكل زلة وكل حيرة، ونستيقظ معًا في الصباح تذهب إلى الجانب الآخر من العالم وتتركني لهمّي.

لكنها لم تيأس وظلّت تراني، تزايلني وتحايلني، أشعر بها وتشعر بي، رغبة تبدد كل المخاوف، رغبة تستجمع كل الأسئلة في ناحيتها، أحسست معها بأنّ الليل ليس أصل بل بدل، وأنّ النهار ليس قدر بل هبة، وبأنني أضعت عمري دون أن أحفظ معها أسماء الزهور وأشكال النجوم ومواسم هجرة الطيور، كنت أحبس دمعتي مخافة تنبيهها لحزني وعلمت أنها تنهمر في خدّي البعيد وترققه.

كنت أسأل نفسي دائمًا هذا السؤال: كيف تعرف أنّ يدك هي يدك لولا سيالات العصب الحيّ ؟ ومن هنا عرفت أنها تنتمي لي وأنتمي لها من ذات المكان الحيّ في داخلي، نبضٌ يؤجج كل أشكال الحياة، و بمعيتها علمت كيف ينحسر البصر وتتقوى البصيرة، وكيف يخسأ العقل وتتعزز الرغبة، وكيف تندلق الحياة من مفرق صخرة، نعم لقد وجدنا غريبين معًا.

عامٌ بأكمله كان منعطفًا أنساني كل فلسفاتي وعرّفني على نفسي جيدًا، ومعرفة كهذه تغضب كلّ من لا يريد للحياة أن تتغير، رأيت أناسًا يلفظون نعمة الله ويشترون تدبيرهم.

قلبي لا ينام لكنه مطمئن يا كل أطفالي، وأنت النظر كل النظر.

خالَ عندما عمّمَ أنّه أفحمْ وخالَ عندما سلّمَ أنّه يسلم

عمّموا ظنّي في كلّ الأرجاء، صدّقوا خيالي كي لا أجعلكم خيالًا، سيكون مخيفًا أن تهملوا خيالكم الحرّ في البداية، لكنه لن يكون أكثر وحشية من أن تخسروا حيواتكم وتحيون في منامات أحبابكم، أو تخسروا حرّيتكم و تحيون في مناماتكم الطلقة داخل زنازيني.

لكننا إن أهملنا خيالنا الحرّ وصدقنا خيالك وحدك ستكون تلك زنزانتنا الكبيرة يحكمها وهمك وظنّك، ربما لو بذلت جهدًا أكبرَ في فهم خيالك وتفنيده لأقنعتنا به وجنبتنا فتنة التخلّي عن حياة الحلم أو حياة الواقع.

لا تهمل خيالك يا حليم ولا تصدّقه وكن بين هذا وذاك كمحلحل الحديد من محبسه ومخلخل الحبّ في مشبكه، إن تصفية الحقيقة من أوهام المتسلطين مهمّة الأنبياء والصالحين، كيف يكون على المرء وزرٌ إن أراد أن يعرف ماهو صائب ولا يكون عليه وزر إن أراد أن يعرف ماهو نافع ؟

وبين النافع والصائب تمتحن كل النوايا مابين راغب في ثمرة عاجلة ويدّخر توبة عمّا يظنّ أنه خاطئ، وبين صابرٍ عنها ظانّا أنها إن ذهبت عنه لن يُمتحن بما هو أكثر إغراءٍ منها. وحسب التوبة أن تكون ديدن ولا تكون غاية وحسب المرء أن يعرف أن الذنب ليس جنحة بل أن الذنب هو الإصرار على الجهل والجهل ليس أصلًا في المرء بل إنما هو طارئ النسيان إذا دانت الرغبة، وكيف يجهل من تعلّم في ذاكرته كل الأسماء، وكيف يجهل من أُخذت ذرّا من ظهر أبيه الأوّل شهادته، وكيف يجهل من كان له رابطة متصّلة بضرورة الخلق وضرورة الحفظ وضرورة الوجود.

لا تهمل خيالك يا سقيم فاليوم تُؤتى من مكامن رغبتك وغدًا تؤتى من مكامن رغبات الآخرين من حولك، لا تهمل خيالك فهو شجاعتك فسوف يأتي عام لا يبقى على الأرض طوّاف ولا مخيال سوى الرواية السائدة أو التطهير بحجّة الصلاحية والإنتاجية، ليتحول الناس من بُؤر للإله إلى مسوخ للطاغوت.

وبين المفيد للفرد والسائغ للجماعة يُمتحن الإيمان من النفاق ، كيف يستخلص المرء نفسه من براثن الهوية المحدودة إلى براح الهوية المطلقة دون أن يكون ضارًّا على دائرته الخاصة، كيف يكون المرء شعلة لا قنبلة، وكيف يقنع بها من حوله حين يشتعل أن ذلك لإضائتهم لا لحرقهم، إن السائغ هو الوعاء الذي يحلل لك ماكان حرامًا لو فعلته بشكلٍ لا يليق، وإن الجماعة من كثرتهم مصابون بعشى الشكل أكثر من المقصد، والفرد مصابٌ وحده بشدّة البصيرة لكن بما يخص شأنه وحده. والناس امتحان القلب الرؤوف وامتحان العقل السليط وامتحان الرحمة الرحمانية.

لا تهمل خيالك ياعليم فإنّ الخيّر وحده من يسمع والبقية مؤدّون، والسماع على قدر فهم المنادى، والوحي قدرتك على التخلّص من خيالات نفسك وقرينك وخيالات الناس من حولك إلى ماهو أعظم منها وأسلم لك وللناس، ومن يطلب الخيرية ينلها ولو على رأس جبل أو في بطن غار، ألا إن لا أحدًا ينال الخيرية إلا من اعتزل في رأس جبل أو في بطن غار، وتبقى شجاعة التبليغ وصعوبة الترجمة وحنو القلب على الأصم والأعمى.

لا تهمله ولا تتسرع في تصديقه فإن الأماني مدخولة والوهم مشروك والروح مزار وعليك بالصبر في تحمّل جنونه وتحمّل نفخه ومجونه وتحمّل حّدته عند شدة يقينه، واحرص على ألا تفقأ الحاوي قبل أن تنال ما أردت نيله فإن الستر إن زال لا يعود أحدٌ يسمعك ولا تعود أنت إن رأيت مكانك الأبدي كي تحسّنه.