الأسئلة: طريقةٌ مضمونة وفريدة لغربلة المسلّمات.

يسألني حبيبي دائمًا: ماهو الحب؟.
وتكون إجابتي كل مرة مختلفة، وغالبًا ماتكون في الصمت.

لذيذٌ هو الإدراك للحد الذي لا تريد بعده للعالم أن يتحرك، ولكنّه يتحرك وتختلف الأشياء حين يتحرك وتختلف قناعاتك حول ما أدركته ولعلك تنسى ماكنت قد أدركته، ويظلّ أثر لذّة الإدراك باقيًا في خلدك، وتتمنى لو يعود.

الجبان هو شخصٌ يقدّر بشدة السلامة، عوضًا عن الفهم – أي التعرض للمتاعب- وقد كنت أعتقد قبلُ أنّ الجبان هو من ينسحب من العراك لمجرد أنه حول شيء لا يستحق، وقد يقول قائل أنك تناقض نفسك في تبرير مايستحق ومالا يستحق حيث أنها هي السلامة، لكنّ الفهم يستحق وأستطيع تبرئة نفسي من التهمة حيث أنني لا أتذكر آخر مرة لم ألعب بها كرة القدم دون أن أخرج نازفًا.

لكن من هو القوي؟ أدرك الآن أن القوي هو كل من هو أقوى منك وليس أنت، فبالتأكيد أنت قوي جدًا في نظر أحدهم لكنك لست كذلك في نظر نفسك، حيث أنّ القوة هي طلب الزيادة في شيء لن تصل غايته أبدًا، وكنت أعتقد قبلُ أنّ القوة هي أبي.

والذكي لو سألتني عنه فسأقول لك هو الذي يتذكر الأشياء التي تنساها على الدوام، النبيه الذي ينصب انتباهه دومًا للأشياء التي لا تراها، فإن كان يراك كذلك فقد رأى فيك مارأيته فيه، وإن كان يراك عكس ذلك فلأنه لا يستهويه الجانب الذي يسترعي انتباهك.

الحكم بإزاء الحال، وشجاعة السؤال، نافذة الأنا، كم كنت مذنبًا في نظر الآخرين وتحسب أنك محسنًا، وكم كنت مذنبًا في نظر ذاتك ويراك الآخرون ملاكًا، من يزكي من وهل تكون التزكية بعد الإنجاز أم قبله؟ أم ليس من الضروري أن يكون الإنسان مفيدًا كي يكون مستحقًا لأن يحيا؟ ربما الحياة ذاتها دلالة الضرورة.

السياحة في السؤال أورثتني بعدًا مثقلًا ولكنه كاشف:
عندما ترغب لا تستطيع أن تحكم بوضوح، وعندما تحكم بوضوح هذا يعني أنك لا ترغب في شيء.

فإذا كنتُ يا إلهي الميزان، فكيف أكون أيضًا الإنسان؟
وإذا كنت مذنبًا ورقيبًا، فلماذا أشعر أيضًا بأني عارفٌ وجهول؟
وإذا كنت أشتهي وأموت، فكيف أحبّ وأتوق إلى المعنى؟

ولي حكمٌ يدحضه الزمن، ولي كبرٌ يتعبني تحطيمه كل صباح، ولي إلفٌ لبعض الأرواح دون أن أعرف ماهو المفتاح، ولي نفورٌ من بعضها وإن كنت أعرف سبب نفوري عندما أنفر. ويحسبني الناس على شيء وحسبي أنّي تائه في الملكوت، وأحسب أنهم على شيء فإذا هم يلهثون خلف السراب.

وأتذكر مرّة حجم مسؤولية الوجود عندما تأملتُ بابًا أريد أن أرى ماخلفه، ولا أريد أن أنسى الإنسان الذي كان يريد قبل أن تتفتح الأبواب. ولي في كل ليلة نظرة نحو السماء لنجمتين متقابلتين – على الأقل هما نجمتان في نظري- تلمعان بتناغم مريح يجعلني أعرف كل ليلة من أنا بعد ضياع اليوم.

بداخلي محكمة قديمة قانونها لا يشبه أي قانونٍ معاصر، وبداخلي طفل بقلب متوحش لا يألف اللطف لكنه يألف الصدق، وبداخلي ماجنٌ يحصي لي كل ليلة مافاتني من المتع، وبداخلي ألف قصة لم تروَ بانتظار إشارةٍ ما، إشارةٌ تجعل لرواية القصة لذة تشبه لذة الإدراك التي تظل باقية في خلدك بعد أن تتغير إجابة السؤال كل مرة، فتنسى الإجابة ويبقى السؤال، ويظلّ أثر اللذة باقيًا بداخلك وتتمنى دائمًا أن يعود.

لتقف الأرض على قدمٍ واحدة

لتمت لحظة الخوف الأولى في داخلك ثم ابتلع ريقًا لحنجرة لا تكف عن السعال حيرةً بين الموت والحياة
لتقف ياحارس الفرح حائطًا منيعًا يقف فوقه التائهون لا يعرفون أين يميلون بوجوههم
وليفزع الكاذب من حلمه الذي يحيكه ومن شدة حرصه عليه لا ينام كي لا ينساه

لتقفوا جميعًا صفًّا واحدًا أمام الموت ، لينتقي منكم حملًا وديعًا ولتزفروا مؤقتًا لأنكم تعلمون أنّه قد انتهب زفرات من سبقكم من الصفوف ولم يبقِ منهم أحدًا، ليحملكم نسيانكم الوديع إلى غفلة تضحكون ببلاهة على فرصة الحياة المؤقتة وتتملقوه كي يبقيكم لحظة أخرى، أما أنا سأشتمه ببذاءة كي يأخذني أولًا لأنني لا  أحب الانتظار.

لو أنّ لونًا وحدًا في الحياة لكان يحمل كل الأسماء أو لكان بلا تسمية، لأن التعدد يستدعي التسمية الواحدة، والوحدة تستدعي تعدد الأسماء، أما الأشياء التي تلعب لاهية في الظل ليس لها اسم، لا أحد يتذكرها وإن سطعت عليها شمس سوف تكون سرابًا لا يراه إلا الظمآن، أما الظامئ فإنه سيبحث عن الظل وليس الماء أولًا، ولا يخدعه السراب لأنه عطشٌ مقنّع، ومن يملك أن يغيّب الشمس كي لا تظهر في صباح الغد؟

في الصباح تقف الأرض على قدمين تركض ونحن على ظهرها مستركبين ونميل حيثما مالت، وفي الليل يبدو أنها تركبنا وأقدامنا النحيلة، ويغدو ثقلها متراكمًا على صدر يخشى من الوحدة وكتف ناعم لم يعتد على الحمل، تتغشّانا وننسى بين حاملٍ ومحمول ويبدو أن النهاية أزفت لأنها قادمة.

لتقف الأرض على قدمٍ واحدة
ولتلهثوا خلف رغبات لا تشبع
ولتسعوا في خرابها حتى تضيق بكم
ولتتحاذقوا طلبًا لمصالح فردية
فلن تبكي عليكم السماء
ولن تشتاق إليكم أطلالكم
وكل مابوسعكم أن تفعلوه
هو أن تحاولوا تضييق خرم إبرة
فربّ مجتهدٍ ليس له من اجتهاده إلّا الخيبة
وربّ مستصرخ وبيده سعّر الحريق
وربّ وحيد ينثر آلامه على الطريق
فيؤلمه أنّ لا أحدًا يأبه بها
أكثر من ألمه على أنه لا يفهمها
اختر مكانك بنفسك فكتف الأرض ثقل بها
وسوف ترمي ببعضكم من على ظهرها
كن أولًا عندما يدعون للموت في سبيل الحياة
وكن آخرًا عندما يدعون للموت في سبيل حياة أحدهم
وكن الداعي إذا خرست الأفواه تتحسس أعناقها
وكن الصامت عندما يبحثون عن كبش فداء لفظائعهم

أخبرني كم روحًا حملت على ظهرك وأنت تقف على قدمٍ واحدة؟

عندما يقتلني السرد، أتلحّف بنغمة

الأسئلة القديمة مازالت تحاصرني في نفس الزاوية من رأسي، وكلّما أقنعتها بأن الإجابة ستكتمل عندما تُجمع شظاياي المتناثرة أتشظّى أكثر. أنظري إليّ أنا كسرة صغيرة من ذاك الذي ماعاد جبلًا لكنه مازال يحمل في داخله همّ الجبل وإحساس الضخامة. ولكِ أيتها الأسئلة أنت تنفخي نفخة واحدة فتطير هذه الذرة من بقايا الجبل في الريح إلى الفناء، فلن يلومك أحد، وأنا سأبقى منافحًا كذرة لم تزل تحمل ضمير الجبل.

يصرخ الناس بأسماء مقاتليهم بعد كل حرب في ساحة المعركة، لعلّهم لم يموتوا بعد.
رغم أنه ليس على هذه الأرض سوى جثث، لكنهم لا يزالون يصرخون، كما يصرخ المعذّب بألم لا بهدف دفع العذاب بل لتخدير الألم، ورغم أنه مازال هناك جريحٌ واحد ملقى لم يبقَّ منه سوى رمق لا أحد يصرخ باسمه، وبداخله كل الأسماء المناداة، بل هو كلّ الموتى في المعركة، قد رأى أرواحهم تصعد إلى السماء وحمّلوه أمانة أداء الوصايا، وظلّ محافظًا على هذا الرمق – رغم جرحه الأكثر غورًا- لكي يؤدّي هذه الأمانة؛ إنمّا لا أحد يعرفه، لا أحد ينادي باسمه، الكل مشغولٌ في البحث عن بقايا حبيب أو ابنٍ أو صديق في الجهة الخاطئة.

الروح ليست هي المادة التي تبدو أمام ناظريك، فتّش قليلًا في داخلك وابذل جهدًا أكبر في قمع الصورة، في الداخل ماقد يسحبك بشدّة جاذبية الخلود نحو الفناء، وتذكّر يا منادي أنّ المنادى ليس صوتًا يضيع في الهواء ولا شكلًا ينحت به الوقت ما يشاء، ولا رغبة تستعر منها الجوانب، بل إنّ المنادى ألطف من هذا كله وأكثر إصرارًا، هذا الذي ينسلّ في داخلك يفزعه صوت الحنين، وانتهازية النوايا، ويذهب كما جاء بزفرة واحدة.

لا قلبٌ ينوء بالعصبة أولي القوة، لا أحزان، لا همّ، لا غمّ، لا طوفان
لا جروحٌ تغادر كل ليلة إلى الأحلام لتعاود في الليلة الأخرى متوشحة بالبياض كعروسة يغريني صباها وسذاجتها وتتزين بالحمرة والفستان.
لا متعلقات تقف على عتبة بابي، لا ذكريات تزاحم الوجدان
لا فوضى عارمة تحجب عني كل وضوح، لا عواصف، لا سفنية تمخر، ولا حاجة إلى قبطان
كل شيء على مايرام.
“فقط لا تهزني كثيرًا فإنني كائنٌ مليء بالدموع”
فقط احجب عني النسيم الذي يشعل الحنين وابعدني عن مواطن الذكريات.

لا أقف على حافة الهاوية ثم أصرخ ، بل أصرخ عندما أخطو خطوتي الأولى خارج المنزل.
وكلّ مافي الأمر أنني إنسانٌ سأحتفل وأشرب الأنخاب وأحاول أن أتناسى وربما سأنسى، لكنّ شيئًا ثقيلًا جدًا يجثم على صدري كجبل ولا يبارحه، لا أقوى على إزاحته لكنني أزحزحه إلى اليمين تارة لترتاح شمالي وإلى الشمال تارة لترتاح يميني.
وإن خارت قواي يومًا فعلى الذين أحب أن يتأكدّوا بأنني قاومت بشراسة المحارب القديم، والمناضل الشريف حتى النهاية.

من قال يومًا أنني أكثر من ورقة متسخة بخط قلم؟

أبصر ولا أبصر إلّا النهايات، قل لي يا لائمي ماهي هذه الحياة التي يبدو كل مافيها مصائد يجب الاحتراس منها، والحذر لو كان ناعم الحافّة، فقد حكّني حتى اختفت معالم العالم.
نداءات الداخل أقوى من كل ماهو خارج هذا الجسد النحيل، مليئة بالمخاطر والغضب، إن اقتربت من مستئنس خاف وإن اقترب خائفٌ إليّ استأنس، ويخّيل لي يومًا أنني أعرف كل الناس ولا حاجة لي بالبقاء هنا ليومٍ إضافي، ثم أستقيظ في اليوم التالي لا أعرف فيه نفسي وماذا أفعل هنا.

ربما لم يكن يومًا أي شيء بحمال الفكرة التي في ذهن الكاتب قبل أن يكتبها، حيث تبدأ خيبته في اللحظة التي يبادر بكتابتها؛ ولأنّ لا أحد يبرع بقول أي شيء إلّا إذا لم يقله، أجدني أتوسد الصمت وأنام بفمٍ مليء بالكلمات، وإن سوّلت لك نفسك يومًا أن تفزع أحدهم لا تختر يائسًا يعرف كيف يفرغ الحياة منك قطرة قطرة، وإذا رأيت ذلك الذي يبلع الحزن ويشرب الدموع فلا تلوح له بيدك، لأنه لا يجيد سوى الابتسام، وربما تسحرك ابتسامة المحزون.

ودائمًا عندما يقتلني السرد أتلحّف بنغمة.

الشجرة الملعونة

تحت الشجرة التي لم يعد ينم عندها أحد، أشعلت نار شكوكي وحيدًا ولم أخف من الاحتراق في سبيل الدفء، فإنّ شدّة الحرّ هي شدّة البرد، كلها لاتُحتمل.

قالت لي:
(أجمل في الطلب فالحياة كلها عطاء وإن كان لا يُرى عطاؤك، فالجزاء مرئي، وإن استمال قلبك أمر، كن كمن ناله قبل أن يناله، ذلك أن صوم القلب إفطارُه، والنفس طامعة دائمًا في المزيد).

وفي نية إمضاء ليلتي آنسًا بالدفء والوحدة، لم أكن أدرك أنني أفتح جبهةً لكل الحيارى والمخذولين، فأصبح أنسي وحشة بهم كلهم، فالخوف لا يرحم ولا يُحتمل خصوصًا عند من جرّب منه كل أصنافه.

(احتمِ بالفاضل ولا ترضَ إلا بالأصل، وتذكّر دائمًا تذكّر، فمالإنسان إلا شاهد وذاكرة، وإنهم يحاولون بكل ما استطاعوا أن يشوهوا ذاكرتك ويقطعوا أثرك، ليكتبوا قصتك عنك، ويكونوا هم أبطالها، كن عنيدًا واكتب قصتك بنفسك).

أستطيع اختصار الحكاية كلها في سطر واحد، وأستطيع أن أؤلف منه كتابًا، لم يكن يثقلني يومًا سرد التفاصيل، بل كان دائمًا هاجسي أن أستطيع كتابة هذا السطر الذي يختصر كل الحكاية دون أن تفقد شيئًا من كمالها. وعندما عرفت أنني أستطيع كتابته ، أضأت من ناري لكل من أراد أن يشعر بهذا الدفء.

(لا تنم إلا جسدًا واحذر على قلبك من أن ينام، فنومات القلب طويلة ومهلكة، كن حرزًا لمن استطعت أن تكون حرزًا له، كي تجد فقط واحدًا يقف حرزًا لك، فالحرز كنز، والصديق ظهر، والحبيب بيتٌ وآل، والعائلة ستجدك عندما تضيّع نفسك).

أنا من أمضى عمره يرتعد قلبه وترتجف شفتاه، وتجف عيناه من كبرياء أن ينكسر.
زاد عدد المستظلّين والناعمين بالدفء حتى صارت الوفود تحجّ لهذا المكان إمّا طلبًا لدفء، أو لاستذكار خوفهم الذي أودعوه هنا يومًا، ذلك أنهم أدركوا بالتجربة والخبرة أنّ من ينسى خوفه يدهمه مرة أخرى، فالخوف نزق لا يرضى أن يُهمل.

( الاستغلال ديدن الإنسان – خصوصًا الغافل منهم – لا ترضخ لمستغل وأنت تعي استغلاله، لا تكن ضعيفًا فتُسحق إلا عند من يعرف أن في ضعفك قوتك وهويتك، وابحث عنه في كل المفارق، ففيه نصرك عندما تستحكم عليك الظروف).

ثم طال العهد وذهب الجيل الذي كان يشعر بالخوف أو حتى يتذكّره، لكن الناس مازالوا يفدون حجيجًا لهذا المكان، الآمنون من أبناء من خاف والغافلون من أبناء من كان يستذكر خوفه هنا، وجيلًا فجيلًا، صار الناس يحجوا ليرموا الشجرة بالأحجار ويطوفوا حولها لاعبين، رامين للأوساخ وضاحكين من طرافة المغامرة، غير آبهين بقيمتها، سوى أنها ذلك المكان الذي أوصاهم آباؤهم أن يزوروه حتى لا تصيبهم لعنة الخوف الذي لم يشعروا به يومًا.

(اذكر في قصتك كل أسرارها وأودعها في مكمن عند أمين لينشرها بعد موتك، لا طلبًا لمجد مسلوب، ولا نصيحة لمخذول، بل رغبة في إرساء عدلك الذي رأيته بأم عينك عندي هنا ولم يره أحدٌ غيرك).

العادة دون معرفة القصد أخطر ذنوب الآدمي، العادة دون معرفة القصد هي أول شرك في هذه الأرض.

(قاوم ثم قاوم، ولا تهادن، ولا تقف إلا عندما يتوقف قلبك عن المقاومة).

عندها قررت أن أقطع تلك الشجرة الملعونة التي أصبحت إلهًا ولم تكن قبلًا سوى حزنًا يلمّ شعثي، حتى في التقديس المصطنع يشوه هؤلاء المعاتيه كل جميل، الإنسان الجاهلي عابد الصورة كاره الارتقاء إلى مقصدها، ناقل النصيحة من جيلٍ إلى جيل دون أن يقترف ذنب عصيانها، هؤلاء هم حطب جهنم، أولئك الذين سيحرقهم لهيب هذه الشجرة المرماة على الأرض بعد أن أحرّقهم منها وهم حولها.

(وما منعنا أن نرسل بالآيات إلّا أن كذّب بها الأولون وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها ومانرسل بالآيات إلا تخويفًا() وإذْ قلنا لك إنّ ربك أحاط بالناس وماجعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس والشجرةَ الملعونةَ في القرآن ونخوّفهم فما يزيدهم إلا طُغيانا كبيرًا).

الرجل الحرّ أخلاقيًّا

ألقى اللوم على ظلّه الذي يتبعه حتى غابت الشمس ، فأحسّ بالوحدة.
كان يحمل هذا الحنق الشديد على كل شيء يتغيّر، خصوصًا تلك الأشياء التي تعاود صورتها من جديد وكأنّ شيئًا لم يكن. تلك الأشياء التي لا تسمح لنا بلومها على تغيّر صورتها إلى الأبد حتى تعاود الحضور. إنه يتصالح مع الموت أكثر من كل مظاهر الحياة؛ لأنّ الموت يأتي مرّة ولا يعود، يأخذ كل شيء ويمضي إلى الأبد. ما أشدّ رحمة الموت.

يفتح باب منزله يحمّله بأثقال الوحدة ويرتاح، يعلن بدء الليلة بنبيذٍ رخيص، يأكل بنيّة النجاة لا الشبع، يلملم خياله حتى لا يجنّ، يشاهد فيلمًا ليسنن مالان من رغبته، يرهق نفسه كي ينام دون عناء الأسئلة بالأسئلة. يسخّن طعامًا بائتًا، الملعقة تبكي اتساخ بقايا الأمس، من يبكي صدأ داخله إذًا؟، يتوقف عن السرحان حتى لا تتواطأ الشرفة وتبكي فهي براحه، المنظر كئيب من الشرفة لكنه اعتاده.

الخدعة التي كانت تلهيه بطول الأمل أصبحت مستهلكة فالعمر يجري، وبكل مافيه من تغيرات تلهي إلّا أنّ الهوّة تتسع بين العالم الذي يراه في داخله والواقع الماثل أمامه، عوضًا عن ذلك يصفف حججه المفحمة بأناقة، وعنف، تمامًا كما يشعر بأنّ حتى رغبة الإبهار والتصفيق المنتظر لم تعد مغرية كما كانت في السابق. يلتمس عذرًا لهذه العزلة حيث أنه بها لا يخيب ظنّ أحدّ سوى نفسه.

يتساءل المصاب:
لو فتحت لك بابي من يغلقه عند مغادرتك؟
بل كيف لي أن أفتح حوارًا مع أحدهم وفوق رأسي طائرٌ يتكلم على الدوام؟
لو أسهبت في شرح جرح أحزاني هل تقوى ذراعاك الواهنتان على تقطيبه؟
لو نمت على صدرك، هل ترضى عزلتي الغيورة؟
لو ابتسمت ملء قلبي، هل سأموت؟
لو حاولت الفرار من الرتابة، هل يقوى الخيال على مجاراة جموحي؟
ولو أحببتك، هل سأتحمل ألم السقوط الحرّ ؟

هذا اللسان الأداة الأشد فتكًا على الدوام.

إنّ من يريد أن يمشي بكلام الاثنين للثلاثة لا يريد للخير أن يعم، وإن كان خسيسًا في طلبه فهو بالتأكيد أحمق في تصرفه وأحمق منه من صدّقه؛ ذلك أن كلام الاثنين لا يشبه كلام الثلاثة، وكلام العشرة لا يشبه كلام الجماعة، وكلام الجماعة لا يشبه كلام الحشد، كلما زدت في العدد زدت في الظنون، كلّما لم يعد لكلامك جدوى سوى أن يهلل له ويُصفق علنًا، وتصيبك نظرات الشزر والضغينة والأطماع الدفينة سرًا.

إن الكلام بطبيعته فضفاض وعائم ولا يشبه حتى قائله، هو محاولات دائمة ومستمرة لاختيار بين اثنين ماكان له من داعٍ لو صمت الإنسان، وإن الصمت أفسح لو كان يرى الآدمي نتائج أقواله. وأسوأ من الكلام هو إرادة السمع، حيث أن المستمع لا يسمع غالبًا إلا مايعجبه ومايريد هو أن يفهمه، ولو كان بمقدور الناس أن يعرفوا الفرق فعلًا بين هذا وذاك ماتكلّم أحدٌ منهم أبدًا إلا رمزًا.

أحدنا لا يعلم كيف تنتهي حياته التي يعرفها وتبدأ الحياة التي لا يعرف عنها إلا ماتقوله له الأساطير والأديان والجدّات. تلك الحياة التي تكون فيها إرادة القول وإرادة الفعل واعيتان، وكيفما كان إيمانك بأن وراء الإرادة سبب فيزيقي أو ميتافيزيقي، فإن وجودك دليل على وجودها ووجودها دليل على وجودك، وكلنا نعرف أنّ هذين الوجودين مرهونين بزمن سينتهي. وأيًّا ماكانت الطريقة التي تبرر بها أفعالك أمام ذاتك فإن الغصة التي أحسست بها وقت أن هممت بفعل لا يشبهك هي برهانك الذي تتغافل عنه، وأنّ الإنسان لا يتغير حين يهم بفعل الفعل أو حتى حين يزينه له خياله، وإنما يتغير في ذات اللحظة التي يفعلها فيه، وبالضبط في هذه الطريقة تُمتحن النوايا من وراء الأفعال، حين تجرح الجارحة.

في أول الأمر وجودٌ لازم ثم كلمة ثم وجود ممكن ثم فكرة ثم خلق ثم تشكّل ثم قول ثم فعل ثم قول ثم تشكّل ثم خلق ثم فكرة ثم وجود ممكن. في هذا الدور الفعل هو الحلقة الأضعف، هو حجر الزاوية، وهو أيضًا مناط الحكم، وأهم صفاته أنه لا يتكرر وهو ارتكاز هذا الدور، عندما تفعله لا تستطيع استرداده ولا حتى إزالته بعد وقوعه، ولا تستطيع استرجاع ذاتك.

إدراك حجم الفرصة لا يكون إلا بإدراك ثقل المسؤولية، والقاصر عن هذا سوف تسحقه تفاهة الشرّ إدلاءً وغرورًا، وغاية هذا الإدراك هو تقديس الحرية الأخلاقية لكل إنسان، حرّية أن يختار مكانه بين الجموع ثانيًا، وأمام رغبات ذاته أولًا. هذه السنة سوف تُطوى بهذا:

“إنّ الرجل حرّ أخلاقيًا إذا كان يحكم على العالم وعلى الآخرين بصراحة لا تقبل المساومة”.-
جورج سانتيانا

تشاكل الأسماء وياء النداء

(وعلّم آدمَ الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين، قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ماعلمتنا … )

ياعالم الحد يامعلّم الأسماء كلها أوجد لي من لدنك قاطعةً لا تقطع إلا بالفصل والحكمة ثم اجعل لي قضاءً لا
يفارقهما لهوى أو غاية نفس.

في حين أن كل التشبيهات ذات طبيعة واحدة إلا أن بعضها يقتلك مباشرة عندما تقرأه كرصاصة رحمة، الحياة كلها تخدير مستمر بالمتشابهات حتى تصحو في نهار ما، وتعتقد أنه كأي نهار آخر، رتيب وكسول، أو مثير ومليء بالحيوية، إلا أنك لا تعلم أنّ فيه موتك.

حتى البشر يتشاكلون في عينك كلهم، حتى تزهد من كثيرهم بقليلهم، وتعتقد أن الحياة ماضية بتلك القواعد الرصينة التي استشفيتها بالتجربة أو المقاربة، ثم تحدث الكارثة. تجد الإنسان.

ولو كنت محظوظا محروسًا فسوف تعثر بالإنسان الذي يشاكلك وأعني به تلك الروح التي تخصك والتي تتخفى في جسد، تلك التي تعرف كل مايربكك، وتُلهم كل ثغراتك ونقاط ضعفك، مايولعك ويطفئك، والتي عندما تراها، سوف تفقد صوابك، وتختل موازينك، وتتجه بوصلتك إليها عوضًا عن الشمال، لأن قانونًا للجاذبية قد استُحدث في اللحظة التي وقعت عينك في عينها.

وأنت ياسلطان التبغدد والتمنع والصبر الحارق المرّ، والتقادم والتراكم، لن تقوى على المقاومة، وقد عشت عمرك كله تتقنها، حتى أنّ أحدًا لم يكن يدرك – حتى نفسك – مقدار المشاكلة لأنك لم تكن ترى وسوف ترى لكن بعينيها.

وكقديمٍ حاول مرةً أن يتجدد فتكسر تفاهةً أودّ لو أنّ لي مرونة التافهين في تقبّل ذواتهم، أحاول أن أرمي لك نفسي، لكنّني لا أستطيع جمعها.

إنني السارق الحاذق الذي يسرق لكنه يبدو دائمًا كمسروق، سعيد جدًا من شدة الحزن، ونقيّ جدًا من شدّة التوغّل في ملامح الآخرين وأزوالهم.

ظبيي الذي يعرف الأشياء بحقيقتها عندما يهرب هلعًا منها اغفر لي همجيتي ووحشيتي فهربك يحيي فيني شجاعة المطاردة وبربرية الافتراس الذي يحرر من كل شك، أنا الوحش الذي قضى عمره يفزع الآخرين بثقة مفرطة، يريد حقيقةً أن يموت مسكنةً وتحنانًا وصبابةً على بابك، واعذري حسّي فإني قد طرقت حدسًا وغريزة كل المسالك وكلها كانت تؤدّي إلى بابك.

هنا وعلى هذا الكرسي تستطيل أعناق الحروف لترقص وتضيء ليله المتوشح بسكون الأنبياء وعزلتهم، نخرج من خدر الحياء المبذول، لتواجه زوابع الخيارات العمياء، شحذ مليًّا كل شجاعته المخزونة منذ آجال ليكتب مايلي:

الموت يسطع في خيال الكاتب، على شكل حبّ مجهول، كل شعور قد تغلّف بقناع ما – حفظًا للسببية وحفاظًا على العقل – لكن مايجري لو أشاح اللثام وأردنا تفكيكه هو دعوة عارمة للاحتفال، لقرع الكؤوس وتعديد الأنخاب. هنا وعلى هذه الأرض البعيدة تحدث معجزة الحياة من جديد، يولد فتى من رحم الكتمان ليودع مالا يعرف واعتاده، إلى مايعرف ولم يعتد عليه، هنا قد أودع سرّه المكتوم على لحى شجرة مجهولة، بصبغٍ تجاري رخيص، ومن صميم وجدانه المستعر، قد أعلن بلا خوف أنه قد ودّع فكرته الرثة واستقبل أفعاله المتهورة، سأموت كتابةً وسأحيا شعورًا حلوًا.

إنني أعرفك تمامًا بل إنني قد بُعثت بولادتك: أنت النجاة من البراح إلى الهاوية، أنت بناء القلوع وإزهار الأشجار في الخريف، أنت الكرمة التي كان يتقرب إليها القدماء، أنت المعنى المخبأ، أنت فاكهة المعرفة، أنت شرارة الفناء، أنت نكهة الأبد، يا سرّي الذي أراه يلوّح لي في كل الوجوه، ويا حياة الأشياء التي تأبى أن تموت.

ثمّة دماء غير مرئية

 الشتاء الذي أقبل يسفع النواصي بالحنين، لا يحب الصمت ويمجّد البكاء

لقد تخطيت الإشارة لأستعيض عن الدال بالمدلول، ولأهرب من كل ما ينبغي إلى كل ما ينبغي له أن يكون.

القلوب أوعية وأنا الآن أقف على عتبة سور حديقتكم أمشطها تارة وأمشط قلبي تارة أخرى.

الصيد بالسنارة وارد لو كانت الأفخاخ مشتهيات، ماذا لو كنت أنت المتدلي من على حبل وتريد أن تنقذ ذاتك؟، الجمل القصيرة بليغة في إيصال المعنى بطرق غير معتادة، لكني أريد أن أعقّد المتاهة ولا أريد لهذا الطريق أن ينتهي، فإن نهايته تخافني وأنا أخاف من المجهول، ولهذا أسعى إليه فضولًا وحريّة.

أسمع كل الأصوات من كل غرفة قصيّة ولا يعجبني كم أصبح الأمر نمطيًا ومكشوفا، لكنّ هذا هين عند من لا يريد لك إلا أن تسمع صوته ويصرخ بأعلى صوته حتى تجرحت حنجرته، والأذن المرهفة قد صُمّت عن الصراخ لو كان يعلم.

في السماء على علوٍ مرئي، غيمة يعبر من تحتها طيرٌ شريد، أحبه لأنه يأبى أن يحصر نفسه في غرفة أو قفص، ولو قُدّر له أن يراني لوجد أن تلويحتي جناحي ورئتيّ سمائي، وعقلي حدودي وروحي آفاقي.

ولقد وجدت بعد طول مراس وكثرة احتراس أنّ الحدود ليست أمرًا سيئًا إلى هذا الحد عندما يكون الحد مدى عينين ليس لهما أمد، قد حُيّزتا لي منذ الأزل، والمعنى الموغل في الشعور لا سلطان عليه بل هو المتسلط على كل شيء.

الآلام بوابات لأماكن لا نريد زيارتها، وقد دخلت بيوت الناس حتى لم أعد أعرف أين بيتي.

واسمعني أيها السادر في ظلمات لا تجد من يعربك، ولقد جرّحك طول عجمتك وسقوط همتك، عليك بالدخول إلى أعمق نقطة، تلك التي تجد بعدها أنّ الخطّ الفاصل بين العقل والجنون هو خط وهمي من الخارج، وأنّ كل مابداخلك معقول وكل ماتريد فعله صواب وكل ما تكتمه يكتم على أنفاسك حتى تطلقه فتستريح، وإن الهرب إلى الداخل هربٌ إلى البراح، وإن كان أمر يجب أن تستعجل به قبل فوات الأوان، فهو أن تسترد ذاتك قبل أن تصل إلى مكان تصبح الكرة في ملعب ذوات الآخرين، عندها سوف تستحلي حتى أن تُركل. لا بأس بأن تكون كرة إن أردت أن تكون كذلك، ولا تمتعض عندها.

ثمّة أفراح صامتة بجمود العين التي تخشى أن تفصح للقدر عن فرحتها لئلا يدهمها بالنقيض العادل.

ثمّة دماء غير مرئية، فالويل لمن يرى بعينيه وحدهما، الويل لمن لا يحترس من المشي على الركام، الجمر لا يزال حارقًا دون نار، وثمة أنوارًا في ليلٍ شديد العتمة، في صوت من تحب، وفي كل مايفاجئك كقبلة كهدية غير متوقعة من لا أحد.

لا أريد أن أمهّد لمنطقة وسطى، لفهم مشترك، لمصطلحات موحدة، أنا سعيد بهذه المسافة وسعيد لأن السعادة عادة تكون في الخارج لاهية تلهب قلوب الحزانى، لكنها الآن قانعة بي وتستلطفني، وأنا لازلت أقاوم أن أترامى في أحضانها لأنني قد أبرمت موعدًا قديمًا وأبديًا مع الألم والأسى والتأسّي.

ويكفي أن أشعل طرف الفتيل. ثمّة نيران تستعر في القلب المريض لكن الفتيل ناره لمصباحي ونيرانهم من أنفسهم. والقبض بالرباعية على الشفة السفلى هو الجمرة التي تدفئ ليلي الشاتي.

هذه هي الحياة

إن حزنًا يصيبك مرة واحدة في حياتك ليس كافيًا على استشعار هدفها، لكن حزنين كافيين للغاية لمعرفة أننا وُجدنا هنا لكي نتحضر فقط لموتنا، ونتدرب على استقباله بالشكل اللائق رغم كل فزعنا الوجودي من ذكره.

هذا هو شكل المفارقة: روحٌ حرّة مسجونة داخل جسد محكوم بقوانين الطبيعة، بهذا الاختزال الذي يختصر الحياة، كل هذا التناقض الذي تتحسسه وتتذوقه وتجسّه، ماهو إلا نكهة المصارعة التي تجري باستمرار داخلك، ولولا أن تكون منهك منها لما نمت يوميًا تاركًا لروحك فسحة الهرب ولو قليلًا بعيدًا عنك لتهدأ وتستكن وهي عائدة إليك في الصباح الباكر، ثم تعتقد أيها المخبول أن تجديد خلايا جسدك المادية هو المسؤول عن كل هذا.

إنّ ذاتك المفكرة المفارقة والرائية عن مسافة ليست هي ذاتك الجارحة وليست تلك المادية التي تستهلك مستحساتها الخمسة بحثًا عن أجوبة للوجود عن طريق العلم التجريبي.  إنك فقط تستهلك جهدك وتستنفذ عقلك وتتخبط عشوائيًا باحثًا عن أجوبة للأسئلة الكبرى في الناحية الخاطئة.

ليس لذاتك شكل وهيئة ولذلك لا تراها ولا تلمسها ولا تكاد تؤمن بوجودها، وهي في أغلب أوقات حياتك نائمة بعمق، ودور وجودك أن توقظها برفق وتنتظرها عمرًا وتدربها على الاستيقاظ وتقبل هيأتك الحالية مشروطة برهن الموت الذي سيحررها، ثم بعد مهمة إيقاظها عليك أن تعرفها على جسدك الفاني وتجعلهما يحترمان بعضهما ويتوقفان عن النزاع على كل شيء ماداما على هذه الأرض، وتطمئن كليهما إذا تنازعا وسئما من بعضهما أن البقاء مؤقت لأجل.

إنّ ما يعطي هذه الدلالة الصارخة على أن جسدك ليس هويتك ولا ذاتك، هو أن جسدك ذاته يتغير في كل لحظة فعليًا، خلاياك لحظيًا تتجدد، ملامحك كل مدة زمنية تختلف جذريًا حتى يصعب عليك نفسك تمييز جسدك في مرحلة ما أحيانًا؛ ورغم هذا لا تزال تتذكر أنك أنت وتتذكر أحزانك وأفراحك، جروحك ومخاوفك، فزعك وانشراحك، وهذه المشاعر ليس لها هيئة ولا شكل بل لها أثر تحسه فتعتقد أنه هو المسبب، وهذا من صميم التصميم المُراد لك أن تقاومه وتفككه وتتدرب على وجوده وتعي حبسه لك، ثم إنه ليس من العدل الذي قامت عليه السماوات والأرض أن تُحاسب على الشكل والهيئة فقط، بل إننا نحاسب على هبات أُعطينا إياها بالتساوي، لكل واحدٍ منّا روحًا يدربها وتدربه فترة حياته.

كلامي هذا ذاته سوف يستقبله الأحياء بتفاوت، فالمتذكر للموت يعرف أن فيه وجهًا من الحقيقة وإن لم يُصغ بالطريقة اللائقة نظرًا لقصور اللغة، والغافل عنه سيعتقد أنها على أفضل الأحوال هرطقة منمقة بكلمات تحمل معاني مفردة ولكن وحدةً في الشكل مفقودة، والمؤمن سوف يرى فيه روحًا ما، والمشكك المادي الجامد سوف يتعوذ من شرّ التخبط والهذيان، وهذا بذاته عجيب جدًا، كيف أنك لا تستطيع أن تنقل هذا الوعي مهما حاولت وأفنيت عمرك.

معرفةً كهذه تستوجب غفرانًا كهذا، وتفزع من حقدٍ كذاك، وتخاف على الغافلين المارّين وأعينهم مغمضة من التعثر فتبعد كل الأشياء من طريقهم كي لا يتعثروا بعد أن فقدت كل الأمل في أن يفتحوها ولو لمرة.

معرفةً كهذه تعرف أن التوقع – أو الظنّ إن كان في الأمر تقليب نيّة – ماهو إلا جنحة وحرص، وأنّ الغيرة حظ نفس يجب أن يُهذب، وأنّ الأطماع كلها زائلة وزائل ما طمعت به مالم يكن طمع بنيل المعرفة والخبر الذي يُسكن روحك الفزعة.

معرفةً كهذه تنسيك اللذة، وتنسيك المصطلحات والحدود، تجعلك حريص على ألا تسمي الأشياء كما يسميها الآخرين خصوصًا تلك المصطلحات المنتقاة بعناية والتي تُردد على رأسك صباح  مساء، فتلك أشرسها في إيهامك، عليك أن تنال تجربتك بنفسك، على مصلطحاتك أن تكون فريدة ومميزة وتخصّك وحدك، وعليها ألا تُختزل على هيئة لغة وكلمات، قد تأتي على صيغة موسيقية، شكلية، مائية، أي شكل من أشكال التعبير والمجاز يُناسبك، المهم أن تكون أنت بكامل قاموسك الخاص.

وهذه هي الحياة كما أعرفها، كما خبرتها، وكما سيتسنن هذا المصطلح ويدقّ ويتحدد مع مضي التجارب لا الوقت.

عن تواطؤ التفاهة والبلاهة بالتنكر بزيّ السعادة

تبدو السعادة سمة الغافل بينما الوصف الأمثل لحالته هي البلاهة أو التفاهة أو ربما الالتهاء، والقرآن-الكتاب الكامل في انتقاء الألفاظ التي تناسب الحال- لم ينعت بالسعادة إلا الذين علموا مصيرهم، وماقبل ذلك إما لعب أو لهو أو تفكّه.

السعادة لا تأت إلا بعد المعرفة والمعرفة دائمًا مصحوبة بالألم، والألم على قدر الروح، ولا يجتمع الألم والسعادة إلا في لحظات نادرة في الحياة تساوي كل الحياة، فهما لا يجتمعان أبدًا إلا مع معرفة وعبر لحظة تجلٍّ وانكشاف لحظة نجد فيها لأنفسنا معنى وغاية وجودية.

سيدهمه الألم أولًا وستسعده التفاهة هروبًا منه وسيمضي حياته محاولًا تقزيم الألم بالهرع نحو التفاهة والبلاهة، لكن ضميره يعلم بفداحة خطئه ويعيده للطريق الصحيح نحو لحظة المعرفة المؤلمة المتبوعة بالسعادة الفعلية.

أغلبنا يخدر ضميره لاهثًا خلف التفاهة معتقدًا أن فيها السعادة هاربًا من الألم ظانًّا أنه مناط كل سوء وحسرة، محاربًا إياه بضراوة، ولا يعلم أنه بهذا يحارب أسعد لحظات حياته وهو أن يشعر بهما معًا في سنحة انكشاف.

الغارقون في الذكريات، الحالمون دائمًا هم الذي تبدت لهم في حياتهم لحظات انكشاف وأصبحوا بعدها أسيرين لعودتها متلهفين ومترصدين لمكامن وقوعها على كل المفارق وتحت كل السراديب.

خطأ شائع يتكرر عند حدوث لحظة انكشاف وهو اعتقاد أنها مستبقاة ومستدامة إذا ثبتت الظروف، فيلتزمون بواجبات ويثقلون كاهلهم بوعود، ويموتون حسرة في انتظار مافات ولن يعود.

ارتبطت عندي الكتابة عند لحظة مثل هذه فيها ألم وفيها معرفة و من ثم سعادة تدهم عند ترجمة الشعور إلى معنى، دائمًا أحاول قبض أكبر قدر من البهاء والسحر واللذة في لحظة تجلي، لكن الترجمة تٌفقد جلّ الشعور وهذه معضلة اللغة وضريبة النقل.

يموت الإنسان ولا يجد طريقة مضمونة لذلك الشعور، ولكنه وهو يكبر يتعلم أن تركيبة الظروف المشابهة أدت إلى لحظة تجلي، وإن احتمالية هذا الشعور أكبر في مكان ما وفي وقت ما ومع أحدهم،وهو يحاول ما استطاع ما حيا بعث لحظة مثل هذه ومن ثم استنطاقها.