تسجيل غرام

.جاءني حبك مجموعًا بليلة ثمّ تفرّق على أيّام ليطمنّ قلبي ثم ليسحره ليلة بليلة، وحيث يكفل الصمت كل امتنان ، أسجل إيماني بالحب من جديد

ليس أجمل من أن تبدأ بعض القصص برؤيا تتكلل برؤية وشيئًا فشيئًا بروّية تصبح كل شيء لا تظمأ ترتوي من آخرك ، يزداد وزنك ، تأمن وتستأمن الحياة وتسعى كطفل بكل رغبة في التعلم والتحسن والاستزادة لأن لديك حبيبة تخاف أن تسألك عن أتفه الأمور ولا تجد الإجابة المثالية، وتجمع المال بكل حذر ولا تسرف في استخدامه خوفًا من ألا تجد ماتهديه لها أو حتى ألا تملك المبلغ الذي يكون مهرًا لها ، وتتثقف وتجرب وتُصفع من الحياة وتبتسم لأنك ازددت تجربة لتخبر بها أولادكما حين يأتون لهذه الحياة دونما خبرة وبسذاجة الأطفال وبراءتهم، فتكون المرشد والمنقذ وتنال نظرة الإعجاب منها مستبشرًا من عينيها بأنك كنت كل الخيارات الصحيحة التي اضطرت هي لأخذها.

الحب ليس شهوة أو رغبة فقط ، بل هو حبل متين ومشدود بالحياة ، يجعلك متمسكًا بها كجبان ، طامعًا بها كوجوديّ لا يؤمن بحياة أخرى ، وشاعرًا أسهل مايجري على لسانك السجع والإيقاع والمفردات الرنّانة ، تتحسن لغتك ، تتحسن لياقتك ، يدرك الرجل عندما حبّ أنه كان ميتًا بلا هدف وقوة بلا توجيه ورصاصة طائشة قد تصيب القريب قبل البعيد والعدو والصديق، وأنه كان رثّا فتأنق ومنطفئًا فتألّق وصامتًا فتشدّق بكل مايجد من وسائل التعبير لينال إعجابها.

حبيبتي بدموعك أبني حدائقًا من وعود، وبخوفك أشيّد جدرانًا متراصّة من تطمين، ومن عينيك المرتعبتين خلقةّ وهيئةً أستجمع قواي، ومن قوامك الرشيق أنطنط كطفل ألاعب الغيم وأعود إليك وأذهب وأجيء، ومن كلماتك الجميلة أستصغر كلامًا قد قلته غزلًا فيك فأمحوه، ومن صوتك العذب المذهّب وإليه أنام وأغفو وأصحو وألملم شتات السنين وأنسى ألم القلب وعرق الجبين ودمع العينين، ونعومة يدك تخيفني من السنين التي تذهب دون أن ألمسها، وشعرك الطويل المجعّد غزْلٌ إلهي يحبِك قصتنا التي ستكتمل قبل أن أصل لآخره الذي يقف شامخًا كالعلامة على مرتفعين تحت مستوي وتحت هذا كله وفوقه أقبع أنا صامتًا متشبعًا من كل امرأة بامرأة لا تخاف المشاركة لأنها كل الحكايات التي أحتاجها لأمضي عمري سالمًا مسالمًا.

ولو لم تكوني أنت في حياتي .. كنت اخترعت امرأةً مثلك يا حبيبتي*.

تمامًا بعد شهر، اتضح كل شيء

كل أحلامي بأبي بعد وفاته كانت تُظهر بصراحة أنّ أبي حيّ موجود معنا رغم حقيقة موته، لا أعرف مادلالة هذه الأحلام، هل يعني هذا أنه حاضر بصفاته التي أورثنا إياها ، أم بروحه التي تملأ جنبات المنزل، أم هو فعلًا قد استحوذ على كل حضور في المكان بغيابه الذي كان بغتة، أكاد أجنّ وأكتئب مرات ومرات عندما أتذكر ذلك اليوم الغريب.. طريقة ذهابه هكذا بكل خفّة وبساطة عن العالم كانت مفزعة بقدر ماكانت مبهرة .. كما كان يجب لها أن تكون يومًا، كما كان يحب دومًا أن يجلس بلا إزعاج ، بدون أصوات ، أو صخب وضوضاء ، غادر وحيدًا مستلقيًا على سريره بطريقته وثنية قدمه وبأدويته المتناثرة في المكان حوله كالمقاتل العتيق المضرّج بجراحاته التي قتلته بعد أن سئم أغلبها منه ومن صموده.

مازلتُ يا أبي طفلًا رغم تظاهري المغرور والمعتد بذاته أمامك بأني أجيد كلّ شيء – خصوصًا كل تلك الأشياء الحديثة التي لا تعرفها – وبتظاهري بالسيطرة بكل مايجري حولي لئلا يُستثار قلقك وخوفك المعتادين عليّ، وفاتني من تظاهري هذا أن آخذ منك المهم والعميق والباقي في النفس بعد غياب المظاهر والقشور. أتعطش لمعلومة أخرى منك خالية من كل أطماع الآخرين ومقاصدهم ونواياهم ، أحتاج لكلمات حنونة رغم قسوة ظاهرها، صافية جدًا من أي شائبة ابتذال أو تباهٍ، مليئة بحكمة السنين من أبٍ ترك العالم خلفه ومظاهره ومناصبه وتمسك بالأصول، مليئة بالخوف على أبنائه كأعظم مايكون الأب، والقلق عليهم كأصدق مايكون الأب، والصبر على الصعوبات والمصائب وقلة الحيلة والحال كأحلم مايكون الأب، هذا ما أعرفه الآن بعد أن كبرت بعد رحيلك سنواتٍ وسنواتٍ.

أنا ضائق بكل ماتحاول الحياة أن تدفعني إليه ، أقاوم بشراسة الأطفال وعنادي الموروث منك، أريد دفعها عني بكل ما أستطيع من قوة، ماقتًا كل المظاهر مثلك، كارهًا تهافت الناس على الحياة مثلك، قانعًا بكل مالدي بل قلقٌ به مثلك، صادقًا بأفعالي دون حاجة للكلام عنها مثلك، وحتمًا سيعرف الآخرون ماقيمة هذا بعد رحيلي عنهم بخفة مثلك.
عرفت أنا جدًا دلالة رحيلك الهادئ ذاك في اللحظة نفسها التي رأيتك فيها ممددًا، عرفت أنّ أقل الأشياء إحداثًا للضوضاء عندما ترحل ، أعظمها أثرًا في القلب، والخفة التي غادرتنا فيها توازي الثقل الذي أحسه بداخلي الآن، وتظاهرنا جميعًا بسهولة الحياة بعدك هو مكابرة على شعور الخسارة القابع كموت بدواخلنا لك.

أحبك بأنفة وعزّة الذي ترك الحياة ولم يرتجِ أحدًا، ولم يطمع بمالِ أحدًا، ولم يسرق أحدًا ، وكان أعظم شكواه لأولاده وكان كل نحيبه إليهم وكان كل خوفه عليهم كأنه يقاسم روحه شكواها ومصابها ونحن كلنا بضعة منك ، أفتقدك أبي ما أعظم فقدي لك وما أعجلني وأجهلني إذ تصوّرت قدرتي على تحمله.

بُعثتُ لأكتب

لست منظرًا عن الفن ولا عالمًا بالنفس البشرية ولا أعرف من الأدب إلا قشورًا أحتمي بها عندما تصرعني رغبة الكتابة، إلا أن جانبًا مني يؤمن بأنه أعظم أديب وأرق فنان وأعلم من كل طبيب وحكيم بتقلبات البشر، ذلك الجزء وحده هو بشكل أو بآخر مايحركني لأن أدفع نفسي لأتعلم أكثر، لأتظاهر بأني أعلم.

أفتقد تواضع الطالب المجد لكني لا أنفك أتصنعه كل ما احتجت إليه، أنا مخلوق جاحد لنعم كثيرة، وذات نُفخت فيها روحًا وظنّت نفسها تملأ العالم.
بشريتي تخيفني كلمّا رأيت الآخرين وتريحني كلما اختليت بنفسي، أستطيع أن أسامح نفسي إذا أخطأت بحقها في خلوتي، لكني أشد من يعنفها إذا كان الخطأ أمام الملأ، لهذا فضّلت أن أضع حاجزًا بيني وبين الآخرين  كي أرتاح من ثقل مسؤولية أن أكون قدوة لهم – بالرغم من أن أحدًا منهم لم يصرح لي بذلك أو حتى يلمح به تلميحًا- أما فكرة أن أكون أبًا فهي هاجسي الذي يرعبني عندما يأتي فعلًا من يعتبرني قدوة له.

أعتقد أن آلام البشر من ظنونهم تنشأ لا من واقعهم، وأكبر كوارثهم هي أنهم على أنفسهم يكذبون أكثر من أي أحد.

إنّ أول مادفعني بشدة للكتابة في المقام الأول رغم اعترافي بأني لا أكتب إلا الترّهات -وهذا أيضًا من قبيل التواضع المصطنع لأن جزءًا مني يرى أني أعظم من كتب- هو أنني أفقد ممانعتي للكذب على نفسي لحظة الكتابة وأعريها بصدق مهيب ومريب، أنا مثلًا على قائمة الخطّائين الدائمين في سجل الذنوب وأفقد قدرتي على التحكم بحياتي ومسارها كثيرًا بسبب من أحب وما أحب، وأميل إلى الغيرة من كل جميل لم أكن سببًا في جماله، وأفتقد طفولتي و بداياتي في الحياة وأحن إلى دهشتي التي شوهها ادّعاء الثقل والرزانة والحكمة، اسمي من الأشياء التي أثقلت كاهلي ، وأخفي من التعليقات المضحكة التي تتزاحم في رأسي الكثير خوفًا من أن لا تضحك أحدًا سواي أو أن تجرحه، وأتنازل بتخفف مخيف عن أعظم مالدي لإثبات أني مستقل عن كل أحد.

لدي عقدة من الأطباء وفي قلبي عقدة لأحدهن، ولدي خوف من الخطأ رغم أني لا أجيد سواه، وتأتيني لحظات من التجلي الإلهي أخشى بعدها من العودة للحياة إلا أني أعود لأفاتح نفسي وأفاوضها بأن الطريق إليه يبدأ من معاركة الحياة وهزيمتها بعد أن أٓخبرٓها.  لقد وهب الله لكل منّا عمرًا يتناسب مع إدراكه لجوهر الحياة حتى إذا أخذه تكون حجة الانكشاف قد ثبتت عليه، فأوائل من يموت منا هم أكثرنا عبقرية في سرعة معرفة الحياة، ولا يطول عمر أحدنا إلا لإثبات حجةٍ ما عليه، ولا يبقى بعد موت العارفين إلا الجهلاء، والأتقياء إلا الأوغاد.

أعلم يقينًا أن الله يبعث الموتى من مراقدهم ليحاسبوا، لأن الله يبعثني من مرقدي لأكتب، كتابةً تخيفني قبل أي أحد ولا انفكاك منها إلا إليها، هذه قصتي مع الكتابة: فضيحة أداريها عن الناس لكي أكتبها إليهم، ورسالة بُعثت بها حجةً لي على نفسي، ودواءً أستطب به من ضياعي وغفلتي، وحاجةً في نفسي قضاها ربي رغم أني ذو جهل لا علم.

كلمات

حبي لها معراج نحو الكمال، هذا السمو في قربها يشابه شعور الاستيقاظ من حلم جميل دون أن تنام، سعادة من غير سبب منطقي، وانشراح لا تعرف عنه شيئًا يكدّر صفوك به، سعادات بعضها فوق بعض.

اتحدنا قبل أن يُشاع الخبر، و ارتكبنا حبنا قبل أن يؤذن لنا به، واستمتعنا بالحياة كوحيدين عرفا لأول مرة شعور الأنس بالبشر،غرقنا في التفاصيل الجميلة حد الثمل، تنفسنا الصباح كأن العمر ليلٌ مقيم قبلها، وتلحفنا ببعضنا كأن الشتاء لايزول، وعشقنا الليل كأننا ركضنا ألف ميل دون وقوف حتى تلاقينا في منتهى الطرق وملتقى المفارق لنحضن بعضنا، كحلاوة الراحة بعد التعب، وكسعادة النجاح بعد الكدّ، ولذة النوم بعد السهر، وخطورة الغضب واليأس والجفاء، وسعادة المطر، أنت الرواء والليلة المقمرة، مفرداتي تصطف منتشيةً لوصفك وأجد صعوبة في الاختيار، أحاول جمع الأضداد وأسرد الحقائق وأشبّه وأجانس ولا تخلو كتاباتي من الطباق، أصب فنوني لأجل فتوني في قالبٍ واحد، هو الامتنان والكفاء والتسامح مع كل ماضٍ مؤلم، والتجاوب مع كل آتٍ ملهم.

الله خلق المسيح بكلمة منه، وخلق الكون بكلمة منه، وخلقني وإياك بكلمة منه، وعبثًا أحاول أن أجسّد شعور الفرح بك والهيام بعينينك وجمال نطقك ورقتّك بكلماتٍ مني، وما استطعت أن ألامس شعوري أو أدنو منه، أنت خرق القوانين وعبث الأولويات واستثناء العمر وسلاسة دخول الليل على النهار وهدية الأقدار وتحية السلام لي وتفاؤل الطير في الأبكار والورد في الأشجار، والغوث لجدبي، أقف مستسلمًا لك متعبًا من صعوبة وصفك كالعادة، أنا بكل لهثي الآن أحبك.

اكتب دون أن تنوي أن تصبح كاتبًا

كنت أعرف قبلًا أن الكتابة تهدينا الخلود ، لكني عرفت مؤخرًأ أنها لا تهدينا الخلود فحسب.

إنها من حيث الاسترسال أداة لتشييء المعاني إلى مادة لها حيّزها وحدودها وعالمها ومحدوديتها؛ إننا من حيث نكتب نسلب المعنى كماله وشموليته وإطلاقه الذي يتباهى به، وهذا الفعل لايعجب غطرسة المعاني فتستعصي غالبًا علينا – باستثناء أولئك الذين عاشروها كثيرًا وناموا واستيقظوا وهم يخطبون ودها ويستسقون حكمتها – ، أكنت تظن أن الكتاب بوحدته وتفرده وجرأة الكاتب على كتابة مقدمة وخاتمة سيغفر لأولئك الذين استهانوا بقيمته؟

إنّ الشهرة لكاتب يتناقل الناس كتابه فيستدل الناس على حماقة ماكتب أو سطحيته هو أعظم جزاء لكاتب لم يحترم قدر وحدة الحروف والمعاني المنظومة والمرتبة في كتاب.

خذ قلمًا وصارع ورقة لمدة كافية لتعرف أن هذا الإرهاق الذي يصيبك – ثم الإحباط بعده – ناتج عن مقاومة المعاني لعملية تشييئها \ تعليبها.

إنّ الذين لم يجربوا الكتابة قط، يفوتهم من فهم هذا العالم الشيء الكثير : وأعني بالكتابة تلك التي تتناول موضوعًا ما فتصارع المفردات لتفرزها في قوالب، ثم تصارع الجمل لتنتقي السياقات المناسبة،ثم تصارع السياقات لتحافظ على فكرتك الأساسية من خطر الاسترسال والأفكار الثانوية الطارئة – فكل الأفكار طمّاعة بما فيه الكفاية لأن تحتل المرتبة الأولى دائمًا – .

إنّ من أسرار الكتابة -التي تعيد التفكير في المسلمات وتقيم التأثير في الوجدان- هو إحساسك الحارس عندما تكتب لتخطب ودّ المعاني وتغويها وتقنعها بأن تجعلها مجرد شيء على ورقتك.

مثلًا كيف تقنع مفردة واسعة جدًا بمقام ” الحرية ” على أن تتنازل عن عرش اتساعها اللامتناهي لتقبع مكبلة وشديدة التهذيب والوضوح ومفهومة المناسبة في دفترك، وكيف يتناسب فعل مقدس وأبدي كالـ”حب” مع فناء ورقتك ويشكلان ثنائيًا متناغمًا من التحرر من الزمن والرضوخ له، ثم كيف تستجلب سحر المجاز ولعنة التشبيهات والأمثلة، كيف تسكن كلماتك قلب أحدهم دون أن يحيط بالمعنى، حقًا هذه المهمة لابد وأنها أصعب وأعمق من أي اختراع أو ابتكار.

وأخيرًا للناجي من هذه الملحمة حق الخلود من الكتّاب الذين أثروا فينا ونعرفهم جيدًا.
وأشعر كما يشعر نيتشة عندما قال: لن أقرأ ثانية لكاتب أشعر بأنه يريد أن يكتب كتابًأ ، لكنني سأقرأ بالطبع لهؤلاء الذين كونت أفكارهم كتابًا دون قصد

اللذة الكامنة في التخفّف من البشر

من وجهة نظر عدمية:
أنت لا تحتاج عددًا من البشر كي يهونوا عليك حتمية موتك المنتظر ولا بؤس حياتك الرتيبة، لأنهما واقع لا مهرب منه.

ومن وجهة نظر دينية:
قليلون جدًا هم البشر الذين يساعدونك في الدنيا للحد الذي لا يستحق فيه المجازفة بإعطاء أحد ما أكثر مما يستحق، ويكاد ينعدم نفعهم في الآخرة، يكفيك من ذلك خيبة الحقيقة في أن يهرب المرء من أقرب الناس إليه.

ومن وجهة نظر ذوقية:
لا شيء يعجبني، أنا المليء بالأفكار المتشككة، شديدة التوجس والحذر من الناس ومعتقداتهم -خصوصًا الواثقين منهم- ، كما أني لا أكاد أعد حسنات قليلة في مخالطة الكثير منهم بعكس استغراقي في سرد السيئات جرّاء ذلك.

ومن وجهة نظر صوفية:
يلذ لي أن أتقمص شخصية المسافر المتخفف، خفيف النفس والظل، لطيف المعشر، غير الآبه بم أخذ وعلى من تعرّف؛ لا من كثرة – لأنه سيموت قبل أن ينتفع به- ، ولا لأهمية – لأن معه كل مايهمه -، عقله الذي يفكر به، وجسده الذي يحمله، وقليلٌ من مال يكفي حاجته ويسدّ مسألته للناس.

ومن وجهة نظر تصويرية:
لطالما شعرت بشعور الغريب الذي لاينتمي إلى هنا، كالذي تواطأ الناس على حضور مأدبة من دونه، وصُعقوا عندما وجدوه هناك قد سبقهم: حملقات العيون، الدهشة المغلفة بابتسامة صفراء، الاستغراب الذي أبديه، التذاكي السخيف، شعوري الطافح بالغثيان من هذا النفاق وادعاء اللباقة في تعاملهم، والتقزز من استغراقهم المخجل في الملذات وكأنهم خالدون في هذا المكان.

ومن وجهة نظر تجريدية:
لم أهتم يومًا بالأشخاص لكونهم فقط أناس، بل كان كل مايشدني إليهم وعنهم؛ هي الأفكار التي يثيرها وجودهم، و وجودهم الذي يجسّد معاني الأفكار التي أقرؤها؛ ولهذا احرص على أن أتعامل مع الحد الأدنى الكافي منهم لأداء هذا الغرض وحده.

ومن وجهة نظر شعرية:
لمّا عفوتُ ولم أحقد على أحدٍ … أرحتُ نفسي من همّ العداواتِ
إنّي أُحيّي عدوي عند رؤيته … لأدفع الشرّ عنّي بالتحياتِ
وأُظْهرُ البِشْرَ للإنسانِ أُبغضهُ … كما إنْ قد حشى قلبي محبّاتِ
الناسُ داءٌ ودواءُ الناسِ قربهمُ … وفي اعتزالهمُ قطعُ الموداتِ*

* الشافعي

من أجل الأقداح التي تتداعى سخريةً بنا

لأجل أن تقرأ ما سيأتي من كلام عليك أولًا أن ترمي همّك الذي يأكل منك، ومن عقلك، ومن صحّة أفكارك، ومن جمالية ماتبقى من يومك أو ربما عمرك.. سخريةً منه أيضًا هو الآخر.

الحياة جميلة ومثيرة ومليئة بالغرابة بما يكفي لتلعنها، ومليئة بالغموض الكافي لأن تنشغل بها كلّ مرة رغم الوعود التي قطعتها على نفسك قبل أن تنام كل ليلة بأن تلهي ملكاتك وعقلك العظيم بما هو أهم.

إنّ الأقدار التي تصيبك أو تصيبها -لايهم مادام أنكما قد تلاقيتما- سوف تحدد ماستكون عليه غدًا؛ لهذا أنا مأخوذ بشعور العدمية الذي يصيب الآدمي -الحالم بالتفرّد- الذي يدرك أنه ضمن عالم مليء بمن هم مثله من البشر، ومحبط تمامًا كما يليق بأنّ إرادتي العظيمة التي بداخلي لا تعني أيًّا من القريبين مني إلا بما يتداخل مع مصالحهم فقط.

هل قلت الأقداح التي تتداعى؟ عذرًا كنت أقصد الأقدار، أعتذر منك عن صورة الأقداح الزجاجية المزخرفة – أو ربما السادة- التي خطرت على بالك.

أنا مثلك تسرقني فكرة عابرة أو تصور مضحك خطر بذهني عن الآخرين، ويريبني جفاف القلم، وتخيفني الصفحات البيضاء، والملابس الأنيقة، والشعر المصفف بدقة، والوجوه البريئة والغرف النظيفة، والحياة الهادئة السعيدة. تدفعني نوتة موسيقية للتمايل طربًا، وتزج بي نظرة واحدة لكتابة نص متهافت كهذا- حتى الآن لا أدري ماذا سأقول في بقيته- لكن أدرك كما تدرك أنّ الكتابة المباشرة الموجّهة لاتنفع أحدًا ولا تجذب سوى أولئك الجامدين من الشعور.

أحاول أن أتلاعب الكلمات لكي أثير فضولك النائم لأن تسمع أغنية جميلة بعد قراءة هذا النص -أو ربما تلعنني وتلوم نفسك على تضييع وقتك على هذه التفاهات التي لا طائل منها- المهم أن أثير فضولك، وأخرجك من حالتك السابقة، وهمّك الذي لايعرف عنه أحد سواك.

من هذه الخاطرة، أحاول أن أعلن إليك رغبتي في أن تكون صديقي الطيب الذي قرأ هذا الكلام ومازال يقرؤه دونما هدف واضح سوى الانشغال في أي شيء يشعره بأنه ليس التائه الوحيد على هذه الحياة.

ولأجل أن أعلن لك نيتي الصريحة بمصادقتك، إليك قائمة الملهيات المقدسة التي تحافظ على صحتي في هذا العالم من المرض والكآبة:
-لا أنام مبكرًا لأنه لم يحدث أبدًا أن شعرت بالملل أو الرغبة في الهروب.
– أستمع للأغاني المكبلهة بشراهة لأن النوتات والأصوات والآهات نعمة تستحق الشكر.
– لا أتابع شيء يعتاد أن يتابعه الآخرون، وإن حدث فسيكون حتمًا باضطرار.
– أقرأ ما استطعت.
– ثرثار في حضرة من يفهمني، وصامت مستمع في حضرة من لا يفهمني، لا داعي لذكر أني بهذه الصفة أدّعي أني أفهم الكثير ممن لا يفهمني.
– عنيد للحد الذي أؤمن به بأني سوف أموت بطريقة هادئة بلا أصدقاء مهتمين.
– أضحك في داخلي كثيرًا لأني قد انتدبت الشخص الظريف لداخلي لأن يكلمني من غير ضجيج.
– وحنون بطريقة تضحكني جدًا.
– ذوق قديم وقناعات متغيرة باستمرار.

شكرًا على وقتك لقد أسعدتني بوصولك إلى هنا، ليلة سعيدة، خذ نسختك قبل الخروج:
https://soundcloud.com/haniita/s1vewnfgfl9v

وإنْ دنتْ ساعة موتي، سأقتلك نصًّا أو أن أموت.. سأقتلك نصًّا قبل أن أموت.

لم يكن الحلم حقيقة، بل كانت الحقيقة وهم.

كنت أعرفُ وأترقب هذه اللحظة منذ الصدمة الأجمل في حياتي، منذ الرعشة الألذ.
أنا لا أكبر على الكتابة ولا أستطيع أن أتجاهل أثرها الطاغي علي، وانعكاسها على شخصيتي، وكان لابدّ لي أن أفقد هذه السعادة كي أتوهج حزنًا، وأستغرق قلمًا، وأتساقط خذلانًا، أو أن أعالج وضعًا تكون فيه السعادة كحقيقة الحزن، وعلو غايته، ولمعان مرارته، وبعد نظره، وهذا بالطبع ضربٌ من المستحيل ، فكان ماكان بعد أن ظننت للحظة أنني استثناء بألّا يفارقني كما فارق الآخرين هذا الهناء.

كنت مستغرقًا فيك، خاشعًا لجمالك، مخبِتًا لأثرك الطاغي على روحي، كنت أؤجل كل عتاب ما استطعت، وأقدّم الأعذار تلو الأعذار، كنتُ أعرف أخطائي وكنت أعرف أنها كثيرة، فكنت أقابل كل خطأ منك بواحدٍ مما عندي، واستطعت أن أقابل كل خطأ إلّا خطيئة الملل؛ أن أقبل أن أحيا كمجرد رجل بعد أن كنت رجلك، وزوج فقط بدلًا من أكون الصديق والحبيب والسند والوتد والمرفأ والمنفى ، وبعده كله الزوج وشقيق الروح.

إنّ المحب إن عاش بسعادة فسوف يخفت بريق قلمه تدريجيًا وبملء إرادته، لكن ياحبيبتي ثمن أن أتوقف عن الكتابة إلى الأبد غالٍ جدًا، أغلى بكثير من هذا الثمن البخس الذي تقدمينه بطريقتك الباردة تلك، وبعد أن استنفذتِ وسعك وصبرك، ولم أمل أو أتخاذل، فليس لدي ما أقدمه سوى أن أخونك معك.

أن أعاقرك، وأسافر فيك،- ليس معك – وسأستبقي ما تبقى لك من محبة وبهاء وجلال كي يكون وقودي وقوتي بعدما أحرقتِ أغلبه بصبيانيتك ومللك وتخاذلك وهزلك وضياعك وضعف قراراتك وبلادتك وهجرك وحرقتي عليك .. أحرقتني.

ليس للمحبّ إلا حبّ واحد وماتبقى تعويضٌ وملء فراغات وأهواء ذات ضرورية لإكمال الحياة.. كنت أتمثل هذه الأبيات لفترة طويلة وكنت قد علمت أنه سيحين وقتها حتمًا:

تريدين أنْ أرضى بكِ اليومَ للهوى … وأعتادُ فيكِ اللهو بعد التعبّدِ

وألقاكِ جسمًا مستباحًا، وطالما … لقيتكِ جمّ الخوف ، جمّ التردّدِ

إذا لم يكنْ بدٌّ من الحانِ والطلى … ففي غيرِ بيتٍ كان بالأمسِ معبدي*

حتمًا في غيره ..
* الأبيات للأستاذ العقاد

على فرض أن أكون أنا

20140507-192408.jpg

نحن أبناء حياة واحدة هذا وصفٌ كلّما طرأ على بالي ارتعدت ، مضى من عمري ثلثه الآن – على فرض أنّي سأعيش معيشة رتيبة وأموت شيخًا – وهذا أيضًا يصيبني بخيبة ، من أنا ؟ هذا السؤال الذي تتعدد إجاباته بتعدد مزاجاتي وأهوائي وطموحاتي وخيباتي ، أنا ابن شعور لم يخب منذ كنت طفلًا وأنا أعرف أنّ بين جنبات هذا الجسد الهزيل روحًا تخاف قبل أن تثب لأنها تحسب العواقب ، وتثب أحيانًا بتهور لأنها تعرف أنّ المعاني خطّ أحمر ، وكم غيرت الحياة في قناعاتي وتشرّبت كؤوسًا كثيرة فلم أعد أعرف هل ذقت كلّ شيء ؟ أم أنّ حاسة الذوق لها حدّ أقصى لا تعود بعده تميّز.

فكرة أن تكون موجودًا الآن في هذه اللحظة تختبر الحياة ، تعيش المغامرة ، تستصحب كلّ حواسك فيها ، ولديك ذاكرة كمزوادة تخبّئ فيها مايعجبك – وكثيرًا مما لا يعجبك – ولديك عقل يرشدك وقلبٌ يزلّك وهوى يضلّك وهداية من الله تنتشلك كلّ مرة ، هذه الفوضى من المشاعر تعيش فيها كأنّك قد اختبرتها قبل هذا.

ثم اسألني بعد هذا عن الحب، عن الطمأنينة حدّ الأبد ، عن كونك تختبر شيئًا تعرفه ، عن كونك ترى عينًا تألفها ، عن تعترف بأنّك تضيع عندما تهتدي ، عندما تنام نومة الخالي من الهموم ، عندما يأكلك الشوق ، عندما تسعد كأنّك بلا قيود ، عندما تحزن كأنّك لعنة.

 

سيكولوجية الألم

بئرٌ قاحلٌ من الأحزان أنت
لا غيم يهطل فيرويك ولا ماءٌ من باطن الأرض يتداركك فيحييك.
أفِق أيها الألم مبكرًا، قبل أن يفوت أوان العلاج
أفِق قبل أن أضطر للتعايش معك مكرهًا
لا تأتني بعد عمر من السعادة الموهومة هذا قاصمٌ للظهر.

من بين كل عشر إصابات تحدث لك:
ثمان جسدية، وواحدة عقلية، وواحدة مشاعرية
يحدث أن المشاعرية وحدها تؤلم أضعاف غيرها، هي من تغير مسار حياتك.
في زمنِ مضى كنت كرمةٌ يتواعد عندها الأحباب، ماذا أصابك؟ مم تشكو؟
يكاد كل ماحولك يحكك كطفح جلدي، كنسخة شرسة معدلة من الجدري فرّ من براثن اللقاح،
ياصاح تبدو أكبر بعشرين سنة، ما فعل بك الألم؟
كنت بالأمس وردة متفتحة مالذي دهم؟
روحك التي كانت تشرق منها سبحات وجهك اسودّت، يارب الألم المباغت
كيف نجا من نجا وأنت له في المرصاد؟
إنك تختبئ في أحداث الغد، على الأرصفة، بين الشرفات، بين الوجوه وفي الممرات، من أحياك بعدما أماتك؟
كل ألم محتمل إلا ألم روحك، لن يهدأ حتى تشغله بقرارت مرعبة لم تكن تظن يومًا أنك ستتخذها، وتتخذها فقط لإلهاء روحك عن الألم والهم.
خوفٌ يطوق ابتسامة الجاهل حتى وإن لم يره أو يشعر به، كل عارفٍ سواه يراه ويشفق على حالك قبل أن تلقاه
هو وحده الألم من يصيبك بالجنون بالفنون بالهرب من كل ماكنت عليه بالأمس
هو القوة الخفية التي تنسل لروحك في قمة سعادتها فيجتاح ربيعك، يجفف وديانك، تذبل معه أغصانك
حيّ ضحكتك القديمة أين انطوت، في أي نكبة خفتت ثم انتهت، تتصنع الإعياء ومابك إعياء، تصانع الحرقة وكلك اضطرام
جنونٌ يعتري صمتك، وضجيج يكتنف حكمتك، انتكست المفردات وتضادت المترادفات، كل شيء حولك هلك، تهالك ثم اندكّ بسرعة جنونية
أبيتَ اللعن أين أهلك ؟ ، أين أمك وأبوك ، أين ذاك الإيمان الذي هذّبك وربّاك، تتسارع الكلمات من فيك، لتشي بكل مافيك
صامدٌ أنت، ومابك من صمود، تبدو واجمًا كجلمود، اهمس لو بكلمة، تخفف من أثقالك، كل من في هذا الحزب من البشر أعوانك، أمثالك يعدون بلا توقف، ملؤهم السأم والتأفف، مرغمين على المسير بلا هوادة، رافضين كل أصناف البلادة، نسوا كل ماحفظوا من عبارات التطمين وتلقنوا مفردات الهلع من الجلادة إلى الجلادة، في لغتك انكشاف وسخرية وكوميديا مبطنة.

يا إلهي ماذا كتبت ، كيف نمت وحلمت بكل هذا الغثاء من الكلام، تبًا لسيكولوجيا الآلام، كم تعرّي، كم تبكّي.