في حضرات الأسماء الإلهية المقترنة (٣): الغفور الودود

ألا إنّ الوداد هو الثبـاتُ
على حالٍ يزعزعه الشتاتُ*

الغفر هو الستر، والغفران ستر ما لا يليق ولا يدوم من الأفعال والأقوال والإبقاء على الأصل، والودود من الودّ والودّ هو ثبات المحبة فإذا كان الحب خلوص القلب للمحبوب فالودّ ثباته، وأول حال المحبوب سقوط وهوي في القلب وهو الهوى وآخره العشق من تعريش المحبوب كالعشقة على العنّابة تلتف حول القلب فتعميه عن النظر إلى غير محبوبه. فالودّ حال المحب فإن كان المحبوب محبًّا فقد وعى هذه المحبة وشهدها فكرم المحب على المحبوب أن يعرّض له ويريه حبّه وصدقه فيها والمحبوب إن كان شهيدًا كان محبًّا فقد ردّ الكرم بالوفاء وهذا من قوله:( يحبهم ويحبونه ) أحبهم فأشهدهم محبته فأحبوه، ولم يتجلّ الله لأحد سوى الإنسان من مخلوقاته من هذه الحضرة فهو الجميل، أما بقية المخلوقات فهي تسبح بحمده وماشهدوا من محبته من هذه الحضرة شيء.

والله من وراء مقاصد المحبّين وإن جهلوا ؛ فيُقال: قيسٌ أحبّ ليلى فليلى عين المجلى.

فكل مُجلىً له حجابٌ
يحجـبه عنـد كل راءِ*

وفيه الحب الذي لا يعرف كنهه لإنسان وهو لا يعرف ما اسمه ولا منزلته ولا صفته حتى يلازمه ويبحث عنه في غيبته ويشتاقه ويصله ويتعطف عليه ويغفر له زلاته وما فعله؛ ولم يقوَ على كل ذلك إلا بقوة الحب، والحب فضّاح لا يرتاح إلا بتعريف الاسم والصفة، ومنّا من يصل ومنّا من يُحجب بالصور حتى يُكشف الغطاء، وفي هذا إذا استمكن الحبّ في قلب محب كثرت أسماء محبوبه عنده من عجزه عن إحصاء ما يحبّ فيه، ألا ترى أنّ من أحب شخصًا دلله ودلّى عليه واستلذ بتسميته بشتى الأسماء عجزًا عن تعريف المحبة.

وفي آية البروج إثبات محبة ( وهو الغفور والودود ) واستحقاقها بأنّه الرحمن الرحيم ( ذو العرش المجيد ) وإثبات محبوبيته ( فعالٌ لما يريد ) فالمحبون له يقولون: الحمدلله الذي لا يُحمد على مكروهٍ سواه. فإرادة المحبوب محبوبة مثله حتى وإن أتى بما يُكره.

وذُكر اسم الودود في مناسبتين في القرآن: في البروج وعلى لسان شعيب في هود: ( واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه إنّ ربي رحيم ودود )

وذُكر في سورة مريم بمصدرية المودة حين قال ( إنّ الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودّا ) أي ثباتًا في المحبة ودوامًا على القصد والرغبة، اللهم اجعلنا منهم.

في حضرات الأسماء الإلهية المقترنة (2): الحكيم العليم

الحكمة هي منتهى ما يصل إليه العلم، فإن كان الحقل تنظيميا سمّيت مقاصدًا وإن كان الحقل حقوقيًا أُريد بها العدل التام والقسطاس المستقيم ، وأما إن كان جماليًا قيل الاتزان والتناظر والتفصيل والقصّ والحساب، وكذا بكل باب ومطلب حتى نصل لمبتغى كل شيء وهو علم الترتيب وإعطاء كل شيء حقه وإنزاله منزلته، ولاشكّ أن اختلاف الزمان يبدل الحكم وهذا من الحكمة، (وماخلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) وهذه النون تكررت في أغلب سورة الذاريات فالعبادة عن علم هي مقصد خلق الخلق وإلا فالمخلوقات كلها تسبّح بحمده عاليها وسافلها.

أما العلم فهو القدرة على التجريد، أو النظر إلى كنه الأشياء دون تفاصيلها وأدوات العلم هي الأدوات التي يعرف غيرها بها، وصف الله آدم أنه علّمه الأسماء كلها، أي أعطاه الأسماء المفتاحية التي تمكنه من معرفة كل مافي العالم بها.

ويوصف الله بالعلم ولا يوصف بالمعرفة فيقال عليم وعالم ولا يُقال عريف أو عارف في حقّ الله، والمعرفة تعريب وتعذيب معنى ما للقلب بعد ما كان معجمًا وهو الذوق، فيقال فلان ذوّاق في بحرٍ ما إذا كان يتعرف به على مجمل الأشياء ويستلذّ بها في ذلك البحر ويقال عارف، فالمعرفة لذّة وتمكّن بالقلب وما أراد الله أن يتخذ لهوًا تعالى عن ذلك. وعند المعرفة ترى الشيء و كنت قبل ذلك فقط تبصره ولا تراه. فالتعريف إبصار القلب.

والحكمة علم خاص بطن عن الكثير وهي علم بعدي فإليها يؤول القول والحكم وهي آخر باب يُطرق ومابعده باب سوى الحجاب، تكرر في القرآن مقترنًا بستة أسماء (العزيز ، العليم ، الخبير ، التواب ، الواسع ، الحميد) ، تأخّر عن العزيز والعليم والتواب والواسع وتقدّم على العليم والخبير والحميد.

فالحميد ذُكر في موضع واحد من سورة فصّلت: {لَّا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ ۖ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ}.
والحميد: اسم فاعل ومفعول فهو حامد محمود، والحمد هو الثناء، والحميد هو الذي لا يفتقر لمن يحمده فهو عين الحامد والمحمود، وتأخيره عن الحكيم واضح لا يحتاج لمزيد تفكّر، فالحمد لله على حكمته.

وأما الخبير فهو من الخبر أو الخبرة وهو العلم الذي يحصل بعد الابتلاء، قال الله تعالى في سورة محمد {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّىٰ نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ} ، فهذا مناط الاسم الخبير، وقد تأخّر عن الحكيم لاكتمال العلم الذي يحصل بعد أن يُبتلى العبد فلا تحصل الخبرة إلا بعد صنوف الابتلاء من مقادير الحكمة، وقد ذُكر في أربع مناسبات.

أما عن الاسم العليم الذي تأخّر عنه في 26 مناسبة وتقدّم عليه في 6 مناسبات؛ فلماذا تقدّم عنه ولماذا تأخّر ، وهل العلم يسبق الحكمة أم يتبعها ، وقد لفتتني هذه المناسبة فتتبعت الآيات والسور.

فالاسم العليم الحكيم يفيد العموم والاسم الحكيم العليم يفيد الخصوص، فما كل عليم حكيم ولكن كل حكيم بالضرورة عليم، فالعليم الحكيم الذي يلحق بعلمه فيما بعد حكمته في الأشياء وهي مايُحمد من التدبير بعد معرفة الحكمة، أما الحكيم العليم فهو ما أوقع وأمسك بخلاف السائد حكمة منه فالعارف يقدّم الحكيم على العليم والعامي يقدّم العليم على الحكيم. وهناك فرق شفيف بين العلم والحكمة يتعلّق بأن الحكمة لها الجعل والعلم يقتضي مجرد العلم وليس له الجعل وإنما المشاهدة أو الشهادة. والحكيم هو من ارتضى جريان الحكمة فيه دون مساءلتها فهو الحكيم وهذا في حقّ المخلوق أما الخالق فلا يُسأل عمّا يفعل وهم يُسألون.


والمواضع الستة التي تقدّمت فيها الحكمة على العلم هي:
1-2في موضع الأنعام الأول وفي موضع الزخرف أتت في تقديم إبراهيم و محمد على غيرهما في المقام والرسالة:
{وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَىٰ قَوْمِهِ ۚ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاءُ ۗ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ}(83)
أما في الزخرف فأتى فيها ما احتجّ به المشركون على من نزلت عليه الرسالة فقالوا: {وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَٰذَا الْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ}
فأتى بأواخر آيات السورة بالاسم المناسب: {وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَٰهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَٰهٌ ۚ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ}، ولم يذكر في سورة الزخرف اسم مقترن آخر سوى العزيز العليم.
3- وفي سورة الحجر فالآية التي تسبق ذكر الاسم تفيد معنى التقديم والتأخير ومن له الحق في ذلك وتتناسب مع تقدم الاسم الحكيم على العليم وأنّه حقّ للخالق الحكيم الذي يعلم ويحكم، ويحكم ويعلم {وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ(24) وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ ۚ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ}.
4- أما الموضع الآخر من سورة الأنعام فهو في ذمّ المشركين وقتل أولادهم قربانًا لآلهتهم وتفصيلهم مالله منها ومالشركائهم فقال: {وَقَالُوا هَٰذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَّا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَن نَّشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لَّا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ ۚ سَيَجْزِيهِم بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (138) وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَٰذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَىٰ أَزْوَاجِنَا ۖ وَإِن يَكُن مَّيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ ۚ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ ۚ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (139)}
5-أما الموضع الخامس فهو موضع يتناسب مع الاسم الإلهي الحكيم العليم أيضًا؛ إذ تعجبت زوجة الخليل سارة من توقيت الحمل والولادة وتأخيرهما فأجابتها الملائكة بإنه هو الحكيم العليم. {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ (24) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا ۖ قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ (25) فَرَاغَ إِلَىٰ أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ (26) فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ (27) فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً ۖ قَالُوا لَا تَخَفْ ۖ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ (28) فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ (29) قَالُوا كَذَٰلِكِ قَالَ رَبُّكِ ۖ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (30)}
6- وأما الموضع السادس فاللهم اجعلنا من المتلقّين من لدنه.

في حضرات الأسماء الإلهية المقترنة(1) : العزيز الرحيم

ذُكر الاسم الإلهي المقترن: العزيز الرحيم في القرآن 13 مرة، 9 منها في سورة الشعراء.

حقيقة أنّ الكلام لا يعبّر عن الوجدان إلا لمامًا؛ تجعل من المجاز بوابة الخيال فيما وراء الكلام، والخيال الابن الضال الذي يبني من الوهم على الأمثال أمثال، والوهم قوة محركة روحانية تتقدم العقل في الإدراك فتهجم على كل شيء. ومن وعى أنّ الخيال ضرب أمثال استحلى القصص والأدب والتاريخ والشعر والأشباه والنظائر لأنّها مغذّياته، والمتخيّّل لا وجود له إلّا في ذهن المتخيِّل حتى إذا غفل عنه لحظة تبخّر وطار فينقلب البصر خاسئًا فيحتار الخيال ويجاوز المثل إلى التوقّع والمبالغة والوثنية، فيكون الجزاء من جنس العمل والأوهام تلعب بالعقول كتلاعب الأفعال في الأسماء.

وحين تفنى نار العذاب لايكون لهم من العذاب إلّا توقّع العذاب.


جاريت أحدهم في أوهامه حتى ظننتها أوهامي، فصارت أوهامي، فركضت منيّ إليّ فما وجدتني إلا أركض إليها، وما استسلمت فركضت مني إليه فوجدته أرحم بي مني ومن أمي وأبي، فعلمت سرًّا في الوجود، فما زلت بنفسي حتى سجدت بعد عناء ومازلت ساجدًا.

الخيال ككل موجود ناقص يطمح للكمال، فلو رام الخيال أن يدرك شيئًا غير ذا صورة لم تعط حقيقته ذلك، والخيال يتغذّى بالصور من الحسّ بوجود مفرد ثم يتعزز من الحسّ بإضفاء المعاني إلى المحسوسات فيكوّن وجود ثانٍ، ويزداد بوجود مثل أو صورة في ذهن ثانٍ وما يفتئ يطلب زيادة حتى يكبر ويتجبّر ويغطي الحقيقة ويطغى عليها، فخيال الشاعر في شاعريته طاغٍ على الغواة قاهرٌ لهم والخيال جندٌ من جنود الله أعطاه إبليس من حضرة العزّة حين طلبه قبلًا ؛ إذ قال “فبعزّتك لأغوينّهم” فآتاها الله إياه حين طلب قدرة الإغواء من مظنتها حين عزّ على الخيال الوصول للمثال فليس كمثله شيء، وانظر إلى السحرة إذ قالوا فبعزة فرعون إنّا لنحن الغالبون ، فغُلبوا حين كانت عزة فرعون بإزاء عزة العزيز الرحيم وتلقفتهم عصا موسى الذي ضمنها ربها حقا في ظاهر باطل.

معلوم أنّ الغواية نافذة الشاعر وعزّ سلطانه، فذكّر الله من أي حضرة استمد إبليس و الشعراء والسحرة قدراتهم وغواياتهم في تكرار آية (وإن ربك لهو العزيز الرحيم) فانظر في الأسرار وتعجّب (.. وسيعلم الذين ظلموا أيّ منقلبٍ ينقلبون).

ألا تحبّون أن يغفر الله لكم ؟

أحبّ القرآن لأنه يعلمني آلاف الأشياء في بضع كلمات ، هذه الآية بالذات فيها الكثير من الدروس والآداب والإعجاز الإلهي .

سأتكلم هذه المرة عن معاملات البشر والضيم الذي قد يصيبك جرّاء هذه المعاملات ولا أحد -كَبُر أو صغُر- سيسلم من هذا .
والله عدل ويحب العدل وله العدل الكامل سبحانه ، ومن كمال عدله إيضاح الحقوق الكاملة لك وحدود حريتك ثم بعد ذلك يحسّن لنا الخيار الأكثر خيرية بطريقة تجعلنا نخجل من أنفسنا ونلومها لو اخترنا غيره .

وحقوقك عندما يتعدى عليك أحدهم هي :
أولًا : لك حقّ أن تعاقبه بمثل ماعاقبك به ، وشرط الإتمام المثلية لا زيادة ولا نقصان كما قال ربنا سبحانه [ وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين](النحل:126) ، وانظر للطف الله في آخر الآية بالإشارة على عجل للصبر على الأذى .
ثانيًا : كظم الغيظ وإخفاؤه احتسابًا لله ، وهذا يدخل في باب الصبر على الأذى أيضًا [ .. والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين ] ( آل عمران:134)
ثالثًا : لك أن تعفو وتصفح عنه ، والصفح درجة أعظم من العفو ، فقد أعفو عن عقابك لكني لا أتورع عن المنّ عليك بذالك العفو ، وأذكرك به مرةً بعد مرة حتى تقول ياليته عاقبني ، أما الصفح فهو كفّ اللسان مع العفو كأنّ شيئًا لم يكن وهي درجة عظيمة من الإيمان.

مالحافز على هذه المرتبة العظيمة ؟ ، انظر كيف يقرّب الله الصورة لك ، ويذكرك بضعفك وبنفسك ، وكيف يعلمنا الله الأدب والأخلاق ويربينا بهذه الكلمات المباركة [… وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم](النور:22) ، وأُثر عن الصدّيق- رضي الله عنه – أنه حين سمع بهذه الآية أنه قال: أحبّ يارب، أحبّ يارب ، أحبّ يارب . وألا كلمة عرض وحثّ ، يحفزّنا الله على أن نتأسى به ، ويقول لنا بهدف الإصلاح بيننا لماذا لا تغفر لأخيك الذي أخطأ بحقك ، ألا تحب أن أغفر لك ؟ ألا تحب أن تتأسى بي ؟ ألا تحب أن تأتيني يوم القيامة وقد رأيت سيئاتك حسنات بسبب غفرانك عن فلان.

الغفران ليس ماديًّا أبدًا ، والحسنات ليست مادية معدودة ، الله وحده يعلم وزن الأعمال لأنه وحده العالم بالنوايا ، ولا تعلم كم سيقيك من ذنوب إن غفرت لأخيك المسلم ، فالمسألة ليست مثالية مقيتة ، أو حسن خلق وذبّ ، بل هي ذلك وأكثر ، هي حسن ظنّ بالله أنك إن عفوت وصفحت عن أخيك أن الله لا محالة سيغفر لك لأنه وعدك بهذا الغفران والله لا يخلف الميعاد .

سبحان ربنا ما أجمله وما أكرمه .

لا تحسبوه شرًّا لكم بل هو خير

إذا أردت أن أتكلم عن أكثر السور القرآنية التي يدهشني ويخيفيني بنفس الوقت استهلالها ، لا بد أن تكون من ضمن سور المقدمة ، سورة العنكبوت .
[آلم ، أحسب الناس أن يُتركوا أن يُقولوا آمنّا وهم لا يُفتنون](العنكبوت:1-2) ، الفتنة هنا لطالما أرقتني من وجهين :
الوجه الأول : أنّي من الناس وهذا يعني أنّي من المفتونين لا محالة.
الوجه الثاني : كيف تفتنني يا ألله وقد آمنت ، ومالحكمة من ذلك ؟

وباستحضار هذا المعنى في القرآن وجدت أن الفتنة والابتلاء يرتبطان بالأنبياء ارتباطًا عميقًا ، وفي سورة العنكبوت ذاتها نماذج من تلك الابتلاءات ، قصة أنبياء الله نوح وإبراهيم ولوط وموسى ، والأمثلة من مختلف سور القرآن لا تنتهي ، بل كي يكون النبي نبيًّا و قادرًا على تحمّل تكاليف الرسالة لا بدّ له من أن يُبتلى كما أخبر الله في قوله [وإذِ ابتلى إبراهيمَ ربُّه بكلماتٍ فأتمّهن قال إنّي جاعلك للناس إمامًا .. ] (البقرة:124) ، مالذي يمكن أن يضيفه الابتلاء على النفوس البشرية ؟ وماسرّ ارتباطه الوثيق بنا ؟

للوهلة الأولى يتبادر إلى الذهن البشري الكسول بطبعه والجهول بابتداء خلقته أن هذا الابتلاء والتعرّض للفتنة عبث كان الله قادرًا أن يغنينا عنه ، وتعالى الله عن مثل هذا علوًّا كبيرًا ، كما قال عن نفسه [وماخلقنا السماء والأرض ومابينهما لاعبين ، لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا إن كنا فاعلين ، بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ولكم الويل مما تصفون] (الأنبياء : 16-18 ) إذًا لابدّ من حكمه إلهية نستطيع أن نتصورها كي نفهم طبيعة هذا الابتلاء وأثره على نفوس الأنبياء قبل نفوس باقي البشر.

العقل البشري بطبيعته يدرك وجوده من حوّاسه ومدركاته ، ويكتشف عالمه بهما وماينتج من تفكيره واستنباطاته العقلية بسببهما ، و الإنسان حتى يستيقن تمام اليقين لابدّ له أن يتلمس هذا بواسطة حواسّه ومدركاته مهما بلغ درجةً عليا من الإيمان والتسليم ، هذه طبيعة بشرية لا مناص منها ، وكي لا يكون في داخلي شكّ حول هذا الجبلّة الإنسانية ، حاولت أن أبحث عمّا يعضد هذا الفهم لدي فوجدت من القرآن والسنة أمثلة على هذا كقصة أبينا إبراهيم عليه السلام مع الطير [ وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي قال فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا ثم ادعهن يأتينك سعيا واعلم أن الله عزيز حكيم](البقرة:260) ، مثال عملي على الإحياء بعد الإماتة يحدث أمامك ولأجلك هذا فقط ما سينقلك من مرتبة اليقين العلمي إلى مرتبة اليقين العيني المذكور في سورة التكاثر [ كلّا لو تعلمون علم اليقين لتروّن الجحيم ثمّ لترونها عين اليقين ..](التكاثر:5-7) ، وكما في قصة موسى عليه السلام [ ولمّا جاء موسى لميقاتنا وكلّمه ربه قال ربِّ أرني أنظر إليك قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقرّ مكانه فسوف تراني فلّما تجلى ربه للجبل جعله دكًّا وخرّ موسى صعقًا فلّما أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنّا أوّل المؤمنين] (الأعراف:143) إيمان موسى بعدما أفاق لا يمكن أن تقارنه قبل ذلك ، انتقل من مرتبة إلى مرتبة أعلى لأنه سيحتاج هذا العلم لعظيم ما سيُلاقي به بعد ذلك ، ومن السنة الكريمة حادثةالإسراء والمعراج فقد كان الله قادرًا على أن يفرض الصلاة بأمر مع جبريل وسيمتثل لهذا الحبيب – صلى الله عليه وسلم – إنما لهذا المعراج حكمة إلهية ترتبط بحاجة نبينا إلى مثل هذا اليقين.

إذًا هذا الافتتان لازم من لوازم الإدراك الكامل الذي تحتاجه كإنسان كي ترتفع من مرتبة دنيا إلى مرتبة أعلى منها ، وبقدر افتتانك وتعلمك للدروس الإلهية وتفكرك فيها سوف يرتفع يقينك شيئًا فشيئًا ، لقد ولّى زمن المعجزات والخوارق والآيات الصارخة ، وقد ذكر القرآن هذا أن من سبقنا لم يكن ليزيد إيمانهم بنزول الملائكة أو بشقّ الأراضي ، مايزيد الإيمان هو تقبّلك للفتنة بمعنى الابتلاء ، وطريقتك في التعامل معها والاهتداء بها إلى الله وإلى مراتب أعلى في اليقين ، وصدقني الإنسان لا يمكن أن يتعلم مثقال ذرة بدون فشل ، ولا يمكن أن يتقدم مثقال ذرة بدون اعتراف بهذا الجهل ، ولا يمكن أن يؤمن بدون هذا الابتلاء الكاشف لما وراء المحسوسات من لطف ورحمة إلهية .

لماذا كل هذا التكرار في قصص القرآن ؟

عندما كنت أقرأ القرآن كان السؤال الذي يتبادر إلى ذهني منذ صغري ، لماذا هذا التكرار ؟
مادام الله يعرف كل شيء ومحيطٌ بكل شيء فلماذا لم يخبرنا أكثر عن غير الرسل المذكورين في القرآن ” منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك ” ، وأذكر في هذا الصدد أن قصة موسى-عليه السلام- وفرعون تكررت عشرات المرات بمشاهد مختلفة ومتشابهة ، وقصة عيسى ابن مريم عليهم السلام ، هذا السؤال كان نائمًا في داخلي لسنوات وكنت قد آمنت بأن القصور في عقلي لا شك .

وقبل أقل من أسبوع قرآت في كتاب مهزلة العقل البشري كلامًا جميلًا للدكتور علي الوردي عن هذا المعنى بالذات ، وكيف أننا كنّا نتململ من القرآن ونستمتع بكتب التاريخ والمغازي والملوك والأرقام المهولة من الجيوش وتفاصيل المعارك والمطاحن والدماء وقصص الكيد والمكر والدهاء إلى آخر ماكنا نستلذ به ، وذكر أننا كنا نقرأ القرآن بروح كتب التاريخ ، بروح أدب السلاطين والملوك ، بينما القرآن أعلى شأنًا من أن يكون كتابًا توثيقيًا وإحصائيًا .

وبعد مداولة هذه الفكرة في رأسي – مع مساعدة ماقرأت من كلام الوردي – أيقنت أن القرآن أعظم الكتب ، القرآن يُخاطب أفكار الناس لا أعيانهم ، لا يهم من صاحب القصة ولا يهم مانسبه ومالونه ، من هم أتباعه ، وكيف انتصر ، كم عددهم ، وماهي أعراقهم ، الأهم هو الدرس والعظة والعبرة ، ونوعية الفكرة بأسلوب القصة الشيق والتصوير السينمائي الإلهي – إن صح التعبير- ، من هنا تبدت لي روح جديدة لقراءة القرآن ، ليس المهم موسى أو عيسى أو إبراهيم ، المهم مافعلوه وكيف فكروا به ، وماهي الفكرة من ورائه .

يصح أن نسمي القرآن أعظم كتاب أفكار على مر العصور ، وإعجاز الله للبشر وتحدي لعقولهم ، كمية كثافة الأفكار الموجودة في هذا العدد المنتهي من الصفحات والآيات غير محدود ، وهذا وجه الإعجاز ، إلى جانب الدقة في الوصف والمعلومة ، يذهلني القرآن كثيرًا عندما يفهمه الناس كلّ من وجهة نظره ومرجعيته الخاصة – ورغم اختلاف مشاربهم – قد يصح تفسير هذا وذاك المستنبط من نفس الآية مع اختلافه.

عندما تريد أن تقرأ سورة الأنفال لا تبحث عن أحداث معركة بدر ولا قيمة النفل ولا أعداد الجيشين ومن قُتل ومن سُبي ، بل تفكر في الأفكار المرتبطة بالحدث وماقبلها ومابعدها ، كيف للمعركة أن تكون درسًا للتاريخ ، ثم تفكّر لماذا قال الرسول – عليه الصلاة والسلام – لعمر حينما أراد أن يقتل حاطب بن أبي بلتعة عندما وشى بالرسالة لأهل مكة عند الفتح .. [ وما يدريك يا عمر لعل الله قد اطلع على أهل بدر فقال لهم : اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم ] ، هذا الغفران مع أنه للمكانة والصبر إلا إني أملك تفسيرًا آخر لذلك .. فعندما خاض الصحابة هذه المعركة التي امتحنت قلوبهم وتعلموا الدروس منها ، أخبر الله رسوله بعلمه السابق أنهم قد تعلموا منه فمهما فعلوا لن يستطيعوا بعد هذه العظة أن يفعلوا مايخرجهم من دائرة الغفران من كبار الذنوب ونواقض الدين وهو الأهم لأنهم تعلموا الدرس ، فمتى نتعلم دروس القرآن ؟

جرّب أن تقرأ سورة من سور القرآن وأن تبحث عن المقصد والفكرة دون رمزية الحدث وأطرافه وتفاصيله الشكلية ، وهذا النوع من القراءة يحتاج مجاهدة خصوصًا لو كنت تعيش في مجتمع كمجتمعنا يقدّس اللحية أكثر من العقل ، والثوب القصير أكثر من بعد النظر ، ولكن إنما العلم بالتعلم ، وستجد المتعة في القرآن تلك التي يتكلم عنها الراسخون في العلم – بإذن الله – .

( ذلك الكتاب لا ريب )

( ذلك الكتاب لا ريب )

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربّ العالمين ، والصلاة والسلام على المبعوث رحمةً للعالمين ، حبيبي محمد عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة وأتم التسليم إلى أبد الآبدين ، هم ومن تبعهم بإحسانٍ وإيمانٍ إلى يوم الدين ، ولا تحرمنا من الفضل ولا الاتباع بسوء ماعملنا وبما فرّطنا إنك أنت الرحمن الرحيم .

أما بعد ..

هذا رمضان شهر الفضل والتيسير والأفكار الوقّادة بالخير ، والنفوس المتحفزّة للصلاح والإصلاح
هذا رمضان شهر القرآن ، ولطالما أردت أن تكون لي نسختي الخاصة من تفسير القرآن التي أرجع إليها أنا بنفسي وأقوم على التفكير والتفكر والاستئناس بها ومشاركة الآخرين ومحاورتهم عنها .
وعلمتُ أنّ الكثير من الناس يحب هذا ويتمناه لكنه يقصر عنه لأسباب : أمّا الذين يقصرون عن ذلك من باب كسلٍ منهم فنقطتي القادمة لا تعنيهم ، وأمّا الذين يقصرون عن ذلك من باب التخفف مما هم ليسوا أهلًا له أو أنهم يرون في أنفسهم قلة علم ودراية بأحكامه ، وأنهم ليسوا طلاب علم ولا طالبي حقيقة متحفزين لها طوال الوقت ، ويخافون المساءلة وثبات الحجة عليهم من باب أنهم تعلموه وتأملوه فلم يؤمنوا به .

الصنف الثاني هم من أوجه لهم النقاط التالية التي لطالما أرّقتني: هل أنا كفؤ لأقوم بتفسير القرآن حسب إمكانيات عقلي وقصور علمي ؟ وجواب ذلك – من وجهة نظري – بالنقاط الآتية :
– القرآن من حيث العموم كتاب رحمة وهدى وآخر الرسالات الإلهية للناس أجمعين بل للثقلين ، وآخر بركات الوحي الإلهي العظيم للعالم السفلي التائه بين شهواته وشبهاته ، فهذا دافع للجميع دون استثناء أن يبحثوا فيه وينهلوا من قبسه ، كلّ بحسب قدرته .

– القرآن ميسر ومسّهل كما قال الله [ ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدّكر ؟ ] (القمر:32) ، وهذا التسهيل عام للعوام والخواص ، للعلماء والجهّال ، وقد خبرت الناس أن العالم والأميّ يحفظان القرآن ، كما يحفظه العربي والأعجمي ، ومن جملة هذا التيسير نزوله منجّمًا كي يسهل تجزيئه على العقل بكل مافيه من المواعظ والدروس والأحكام ، قال ربُنا [ وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة كذلك لنثبّت به فؤادك ورتلناه ترتيلا ](الفرقان:32) ، ولو كان مختصًا بجماعة دون أخرى لما لحقه هذا التيسير للناس أجمعين .

– يخلط الناس بين القرآن وتفسيره ، فالقرآن كتاب مقدس محفوظ ، وتفسيره ليس مقدسًا ولا محفوظًا يؤخذ منه ويُرد بحسب موافقته للأصول ، وهكذا جرى تحريف الكتب المقدسة من قبل بتقديس ماليس مقدّس وتعظيم ماليس معظم وبتنجيم الكتاب وتقسيمه وإخفاء بعضه وإظهار آخر لهوى في النفوس [ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ] (الأنعام:91) .. فالقاعدة الأهم من هذا الباب أن القرآن توقيفي وتفسيره متوسع يحق للجميع تفسيره ويحق لنا بعد ذلك الأخذ والرد من هذا التفسير بحسب ما يوافق الكتاب والسنة والإجماع ، ولاننسى شمول الأجر للمجتهد المصيب وللمجتهد المخطئ ، والنية هي الأهم .

– القرآن يسع كل شيء ولا يسعه شيء ، وهذا الباب يريحني جدًا ، فأنا كآدمي أخطئ وأصيب ولم يحملني الله مالا طاقة لي به ، وأقارب الحقيقة وأبتعد عنها بحسب قدراتي وماجعلني الله ملَكًا بحمده وسابقة علمه ، وما أنا من المتكلفين برفع العلماء فوق منزلتهم وجعلهم أربابًا لي من دون الله يعلمونني كيف أفكر وكيف أحاور وكيف أناظر وأتبصر ، فلي فهمي – وإن قصر – من القرآن ، ويحق لي مشاركته مع الآخرين ومحاورتهم حوله .

– لا أطمح أن يشتهر تفسيري وأن يقارع الحجج ويتصدر المجالس ويتحدث به الناس ، فأنا لست أهلًا لهذا في عمري الحالي ، وأنت إن كنت ترى أنك لا زلت صغيرًا فهذه خدعة تُخدع بها ، العالم يبدأ صغيرًا ويخطئ صغيرًا ثم يتعلم ، يكفيني أن أبدأ ولو أخطأت ، هذا أحرى للخاتمة الأحسن مما لو أني انتظرت النضج ، وكان بعض السلف يكتب كل الأفكار التي تدور في رأسه خشية فقدانها وبعضهم كان ينتبه من نومه فيكتبها خشية أن تفر من رأسه ، ولا ينبغي التثبت والتأصيل وإلا لضاع العلم كله ، خشية النقص ومن منّا لم ينقص علمه ؟

– القرآن معترك اختلاف وجهات النظر ، ليس كتاب تلقين وإنما كتاب تحفيز وإنماء الأفكار بداخلك ، لا يقول لك افعل لكنه يشجعك إن فعلت ، يقول لك فكّر لكنه لا يحبسك في نطاق معين ، يقول لك تأوّل لكن بحسن نية ، وهو يشمل كل المذاهب ولا تشمله ، ويحوي كل الفضائل ويجمل كل العلوم ، ومن معجزات القرآن التي لطالما أدهشتني أنه يعطيك بقدر ماتعطيه ، ويعطيك بقدر ماعندك ، ويعطيك بقدر إيمانك ، ويعطيك بقدر تفكّرك ، فالله حين قال [ .. مافرّطنا في الكتاب من شيء .. ](الأنعام:38) ، وحين قال [ لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ] ألحق ذلك بالمستفيد من هذا التفصيل والإجمال [ … فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم وأما الذين كفروا فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلا ] (يوسف:111) وعلمهم هذا ناتج عن تفكرهم وليس محض إيمان وتسليم أجوف ، وقال أيضًا جلّ في علاه [ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُوْلُوا الأَلْبَابِ ] (آل عمران:7).

– ترك التدبر لأي سبب من الأسباب ولو كان بحسن نية هو خذلان من الله للعبد الضال المنغمس في شهواته وملذاته والملائكة حين سألوا أهل النار في قوله [ وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ ](الزمر:71) ، وفي قوله [ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ. قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ](الملك:9) ، خزنة جهنم على جلافتهم وغلظتهم – أبعدنا الله وإياكم عنهم – يستغربون منهم كيف لكم أن تكفروا وتدخلوا النار وعندكم هذا النذير من الله ؟ هذا الكتاب العظيم ؟ هذه الحجة البالغة ؟ هذا التبيان لكل شيء ؟ ، ولاننسى الذم المذكور في سورة الفرقان [ وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا ] (الفرقان:30 )

بعد هذا كله وبعد هذا التأصيل ، سأتكلم تحت هذا التبويب ( تأملات قرآنية ) عن كلّ مالفت انتباهي عن القرآن ومافيه من الحكم والفوائد دون استثناء – بإذن الله – .