النّار والكبد: دربنا الممتدّ إلى الأبد

ياسارقًا باللمس إنّ اللوم فرجةٌ في جدار الزمن لم يعد لها وجودٌ إلاّ في خيالك، فاردمها، واحمد الله على حرية الخيال، إنّ هذا الوقت لي ولك، وإنّي أراك منزلي وساكينه:

الأحلام بيوت الأحرار الهاربين من وحشة الدار إلى فسحة الجار، ذكرتك مرة فانتابني تطريب، هل كان بيتًا سمعته أم كان بيتًا سكنته، أم كان وهمًا رسمته، سوف يقول لي صاحبٌ أدمن النظرَ في خفايا الظواهر: إنّ النار لا تشبه النار في شيء سوى في قدرة التفكيك، وأنّ الاحتراق عرَض التحلل، وكذلك الحزن المقيم لا يشبه الحزن في شيء سوى أنّه نار (تضطرم من شدة الألم)، سوى أنها كبدُ الحقيقة تسمّمت من شدة إدراك التفاصيل. ستقولين لي يانجمة المسرّات الصغيرة: إنّ الحقيقة متعذرة، مادامت التفاصيل نائمة في لطف الإله يحمينا من هولها وطولها ومكرها؛ لكنّ كبدي تجيبك بما أجبتِ به نفسك: مابال روحي تهتزّ كهندباءة في يوم جميل لم يعكّر نسيمَهُ العليل سوى ريحٌ عاصف، اعترضَت مسرّاتنا وعرّتنا من ألبستنا، قطعة قطعة كأزّ الضرس من الألم، لا دفعة واحدة كما نشعر بالحزن الشفيف.

إنّ الحزن لا يشبه الألم في شيء سوى أنّه صورته المجملّة، المكمّلة، المتهدّلة، المنسدلة، التي تشرب حرارة التفاصيل كقطعة هشة من الخبز مرمية في إناء الثريد تشربه وهي منه حتى يجفّ كلّه في جوفها، فنظنّ أنّها في جوفه، فنظنّ أنها إياه.

كبدٌ ونار هما دليل النفس إلى أصول الأشياء، واللغة حرفان مزيدان بثالث، رسمٌ لو رأيته من عالٍ لأعجزك، وإن رآك ما استصغرك، فهو ربّ السرّ أودع في الأشياء هُداها دون أن تعيها أو تراها.

كم استخدمنا المعاني دون أن نعرف كيف وصلت إلينا، بمجرد الشعور وملكة الحسّ أتُرى ماكان يفعل آدم في غربةِ الأوّلِ من كلِّ مسلَك، لم يكن يملك خيار استعطاف الماضي واستنزاف الذاكرة، بل كان يرفل بالكبد والحواس وعوالم الخيال، ماكان يملك وقتًا للحزن، بل للنسيان، وكان شديد الأُنس بالتجربة، كان إنسان، حتى أنّه أوغل بكفر الذاكرة ونسي العهد.

وأنت الآن بالخسارة بعد الكسب لم تعد تطلب الحسّ من شدّة غثاء الذاكرة.

إنّهما النار والكبد: طريقنا الممتدّ إلى الأبد، عن كلّ حزنٍ مضى إنّي أرى كل آلامك وأحصيها وأعدّها عدًّا، هكذا تورق العشقة من جذر بعيد استعصى على حارث النهار أن يقتلعه، فنقل التربة، وارتمت على التربة، واختلطت حتى لتوشك ألّا تعرف الفرق بين التربة والتربة عن طريق العشقة؛ إلّا بغصنٍ وغصين، ومن ورقة ربّما أو ورقتين، ومن عين لا تشبه العين إلا بالنظرة.

من يرانا والقمر ثالثنا، من يرانا وأصل خلقتنا يحملنا، لا دارٌ ولا نسب، ومن يحلف أنّه رآنا معًا ما كذب، ومن يحلف بأنّا لم نكن مع بعضنا من قبل ماكذب، فلا تستعجب، أشعلنا على أحزاننا النيران فافترقنا ثم اجتمعنا كتربة على تربة ، كأصل الخلقة، وكما ينبت العشب بين مفاصل صخرة درويش، وكما جبال مريد الذي تمعّن في جمالها فأدرك أنها “الوقت متخذٌ جسدًا”، وكما نار حسين الأبدية، نشتعل بمقياس ونخبو بمقياس كي نلتحم على مزاج وسكرة الحياة تنسينا عذاباتها، وكالسرّ الذي لن يفيدك شيئًا أن تعرفه؛ لأنّك تعرفه، لكنّك نسيته، وستنساه، حسرتي على الإنسان الساهي من فرط ملل، والناسي من فرط اندهاش، والعازم على ألّا ينسى العهد فيُفتن من شدة الجمال فينسى فيسجد لخالق الجمال.

ربّنا إن هي إلا فتنتك، كما ظنّ داوود فسجد، إن نحن إلا عبادك، لاتهلكنا بما يفعلون، مايفعل الله بعذابنا، واجعلنا من الشاكرين، وأدخلنا إياها بسلامٍ آمنين، مؤمنين، ذاكرين، مطمئنين.

سلّة الخوف

عتيمٌ وقمرٌ وأطفالٌ يلعبون ملء حناجرهم
لأنّ عبراتهم لم تتهذب بعد.
وقف المساء منتظرًا على بابي ومحمّلًا بأهدابك
أهدابك التي كانت تقودني إلى قلبي
وتقود قلبي إلى حتفه
رأيته فلم أرَ إلّا نقاء الدمعة التي لم يُخلق لها سبب بعد
بكيت ببساطة الحسرة التي يحملها من رأى ولم يقدر
وجهك الذي قال كل شيء دون أن تحركي لسانك
وأعطيتني يومها سلّة بها الكثير ممّا أحبّ
والكثير مما تخافين من حدوثه
الورد قال لي أننا رمز خوفك القابع في أعماق اليتامى على أبواب المساجد والصحاف
أستعيد بعضًا مما يفيض به دمعي الذي سار كما تسير الركبان مشتاقةً إلى أوطانها:

أعرفك…..لا أعرفك
أحبـــك…..لا أحبــك
ستقتليني….سأقتلك
ستغدرين….سأنتظرك
سعيــــد…..حزيـــن
فائــــز…..خســـران
حائــــز…..حيـــــران

هذه البتلات مصداق الشك في عقلي المكبّل خلف حريّة الروح
وهذه الروح لا تنتمي ، وأنتمي لها
خوفٌ مجنحٌ كعصافير على السدرة
السدرة التي يحنّك بريحها الموتى
جملي التي تفقد معناها كلّما تقدم بي العمر تخيفني هي الأخرى أيضًا
أتذكرين ماذا قالت لنا الفناجين بعد أن شربناها ؟
لا أتذكر مثلك إلا مالم تقله:
” لا شيء يحدث إلا الذي تخاف من حدوثه، فسمّ معجزتك”.

أستعير منك اسمك فأرتوي
وتستعيرين مني صفتي فتكبرين، بي
والخوف يتضاعف إذا كان منفردًا
ويتضاءل إذا جمعتِ خوفك إلى خوفي
هاتي سلّتك أعرف مابها ويؤلمني
وافصحي عن مكامن سلّتي
كي أعرف من أنـا
إنّي أجدني في ارتجافة أحداقك
وكي تعرفي لماذا أتصرف بكل هذه الغرابة.

إنّ المطر والسحابة
هما الحبّ والصبابة
أجمل مافي السحابة
يهطـل
أجمل مافي الصبابة
يقتـل
فخذيني منجل
اضربي بي عدوك واسبري أغوارك
ودعينا نبتلّ، لا مفـرّ

بدمعتين على مفارق الشفاه
قبّليني حتى يشهد المـاء
على عهـد الدم واللحـم
وليشهد أوّل الشتاء
على ماينتظرنا في آخره
فأجمل الأيام يومٌ لم نخطط له
وخطط لنا لقاءً من شدّة حلاوته
انتهى في الخيال قبل أن يبدأ
أو ليلـة، أو ليــلة.

مواء قطة وحيدة

أصواتٌ نسيت نفسها
تتذكر فقط شعور الحسرة
لا تستطيع أن تثبت أو تنفي تهمة
تنظر إلى الماضي كحلم لا تعلم كيف بدأ
لكنه لم ينتهِ بعد
كلما اقتربت يقظتها
سحرها حلم داخل الحلم ونسيتْ من جديد

هذا العالم ليست له وجهة
ولم يأتِ من مكان
أو ربما أتى من مكان لا يشبه المكان التي تأتي منه تصوراتنا عنه
لا يعطينا الأشياء بصيغة مباشرة
رغم أننا موقنون باستحقاقنا لكل مانملك
الأمر يتضح بجلاء عندما نُسلب ما أُعطينا
ندرك حينها حجم الخديعة
أنّ مدركاتنا تظن الاستحقاق بجريرة تصوراتنا
وتمنع عنّا تساؤل أحقيتنا بالوجود أصلًا
أكنّا نستحق أن نكون عينًا ؟
وجودنا هبة
موتنا هبة
وبينهما ملايين الهبات والسرقات لم نخترها ولكنها اختارتنا

يمضي النهار تستمع إلى أحاديث الآخرين
يأتي الليل تنصتُ لأحاديثهم تصوت من داخلك
وكأنه لم يكن كافيًا أن تصرخ روح واحدة تائهة

في النطق مهارة التخفي
قابلت أحدهم يخفي حزنه بنكتة سخيفة
وآخر تمرّس على إضحاك الآخرين من بئر آلامه
بعضنا يكيد لبعضنا بسرقة آلامه بنكات
وأنا أتبصّر بكل ذلك الضحك المقنّع
وبكبرياء الكائن الذي يدفن دموعه بابتسامة

أعادتني الذاكرة للرضيع ولما يتمرّس بعد على الضحك
وذويه يضحكون فرحًا بمقدمه
أتى مقتسم الحسرة
ناصرنا على الآلام
بضحكة

قطة في الحي تموء كل ليلة
بينما تسرق بقية القطط نصيبها من بقايا الأكل المتراكم في الحاوية
هل تموء القطط ضحكًا أم بكاءً
ربما لو أصغيت جيدًا لفرّقت بين قطة تضحك وأخرى تبكي
ربما لو احتجت منها شيئًا لميّزت بينهما
ربما لو احتاج واهب الضحك والبكاء منّا أمرًا لميّز بينهما عندما نصوت

في الليل تنفتح الجراح
وأسرح في عدّ الأحزان التي لا تنام
ومهارة الكائنات المتمرسة في إخفاء الآلام
ولطف الكائنات في تمييز الأصوات
وعن جدوى الصوت والصمت
الضحك والبكاء
والتمييز بينهما

قوالبَ لصباحٍ راقص

لقد أخذني كل جميل عن رؤية الجمال في داخلي
سرقتني كل التحولات عن معنى التحوّل
عن معنى الحياة
من أن يكون لديك شعوران تامّان متصلان
لا يفصل بينهما لا نوم ولا وهم
ألّا يسرقك الخيال الجميل عن جمال الوجود
ولا يُفقدك هذا الوجود إمكاناتٍ مشابهة
لحدوثه بطرقٍ أكثر جاذبية وسحر

اليوم-فصل الخريف- نداء التحوّل العلني
فرصة تجديد الفرص، تحويل مسار المستحيل إلى ممكن
وترك الحتمي خلف الكواليس
ترطيب الروح بعد جفاف الصيف
أن تحتمل السماء سحبًا
أن تمطر السحب حبًّا
أن تجبر الحياة خاطرك
دون أن تكسر خواطرهم من شدة انشراحك

ألا يتوقف رفيف الأوراق الموشكة على السقوط عن إدهاشك
حتى وإن كانت الأوراق المتناثرة أكثر من الصامدة
وألّا تتوقف الطيور عن أنغامها منذ الصباح الباكر
لأنك لم تنصت للحياة الممكنة خارج عقلك
ألّا تنشغل بأشجانك ومفاصل مقطوعاتك عن التشكل النهائي لإبداع الوجود

كل القصائد هي محاولات فاشلة لحبس اللحظة في كلمات
كل الأغاني هي إيقاعات جاهدة لإدراك التناظر المقدّس
كل الأحزان لم يكن لها من داعٍ لو لم تكن من شخص يتوقع له أن يموت
كل الأفراح هي عزاءات مؤجلة تنهب من الحزن دمعةً ضحوك

فاحتفل بصبح يضحك بك دون نكاية أو معنى
فمن منّا خالٍ من الذنب
ومن منّا خالٍ من السهو
من منّا لا يزينه إمكانية أن يخلد فيموت
ومن منّا عليه أن يحمل أضعاف أحماله كي يدرك معنى الحياة
كي يبدو جميلًا

أفيقي تجديني حلما .. طائرة ورقية

هربًا من مآلات كثيرة وقعت في فخي الصغير، أعددت كل معاولي ومقاصلي، واختبأت عن أعين الأحبة والحرس متترسًا بكلماتي التي لا يفهم معانيها سواي، أسرق من الأيام ذكريات لا يتذكرها أحد معي مخافة التشويه والعبث والابتذال، لم أكن أبدً في حياتي هازل، أينما أحببت بشرًا حنطتهم، وأنطقت كل الجوامد فرارًا من الوحشة، حيث الجوامد وحدها من يسكت عندما نريد، كان في قلبي دوما ضعف لكل الموجودات ذات الإرادة الناقصة، ومضى عمري – كثيرًا كان أم قليلا- غزيرا وافرا مليئا بالدموع والمطر، بللت وسائدي وقبّلت دفاتري وأحطت نفسي بهالات عيني، كلما اقترب أحدهم نبحته، وربما نهشته لأتأكد من خلو قلبه؛ ذلك أنّ خالي القلب لا يشعر بالوخز ولا الخطيئة.

عاندتهم حاربتهم داهنتهم ووشيت بهم كل الذين لم يأخذوني على محمل الجد، راهنت على كل الأيام الغائمة قبل مغيب شمسها وساومت كل أموالي جزاء بئر معطلة سوف تنفجر ينابيعها مع انفجار عروقي. عندما أردت أن أغالطهم سألتهم واحدا واحدا: “وش ودكم فيه”؟ وكانت الإجابات الصريحة تدغدغني، إلا أن الصامتة كانت ما يخيفني جدًا، كلما شعرت بشجاعة فاجعة رأيت قطر دمي يبلل ممشاي.

لم أكن أكتب جملة واحدة مفيدة، جملي كانت تبدو معكوسة وناقصة بخطٍ صغير خجول عجول، ربما هربًا من المفيد وقعت بالمبكي، وخوفًا من الفضيحة والشفقة تعلقت بالمغالط والثائر والمعاند، المفصح عن تواضع، والهارب من القارئ الرتيب. وكانت هي وحدها جمهوري الذي أخاف ألا يبكيه نزفي، وألا يشعر بارتجافة واحدة وهو يأخذني إلى حتفي، بيننا اختفت كل الضمائر ولاحت كل المصائر، كنت طفلاً تارة ومحاربًا كهلاً أخرى، كانت أميرتي تارة وحارستي أخرى، كنت عبدها تارة وسيدها أخرى، كانت ابنتي تارة وأمي أخرى، كان خيط الأقدار يلاعبنا “شبرا أمرا ذكرا أنثى” وكنا نقفز بخفة.

كلما يئستْ أنرتُ لها شمعة، وكلما غضبتُ احتفلتْ بجمرة خديّ،لا أحسب أيامي معها كنت أسارع دائما بانتشال أشلاء قلبي، جعلت لي المسكن جنة من ذكريات وجعلت لها أحلامها الباقية كلمات، الخوف كان يأمرها بعكس مسيرها ومن أجل عينيها أجريت عقارب ساعتي لليسار، فتاة الشمال استعسرت على نفسها وتسلقتُ لأجلها كل الجبال في طريقي. تهيم فخارًا بي وأهيم بنفسي من أجلها، وهربًا من أسئلتها أطرت لها عمري طائرة ورقية، مادام قد انتهي زمن الرسائل، مادام لا أحد يغفر للتريث لمجففٍ قلبه أو نادب دهره، أحب كائنًا يستعجلني إلى حتفي وأنير له كهفي بسراج التجلّد والوحدة
.

أكلّ هذا البكاء ماء ؟

أيا ربّ أكلّ هذا البكاء ماء ؟
أشعر أنّ أطفالا يولدون من مقلتيّ
أشعر أنّ احتفالات اليتامى تتستر بهما عن أعين الراصدين
أشعر أنّ الأماني المدفونة المتحجرة وجدت خلاصها معصورة
أنّ ألف ألف أسطورة تتناسل تتباسل عندما ترى هذا الصدأ
أسمع عنها رجع الصدى، أمسح عنها عينًا أشعلها الحديد سوادًا
ليلةً ليلة تتصاعد الآهات في تلّ قلبي مخضرة في الخريف
لعلّة بتّ أعرفها، لموت بتّ أعتاده

أيا ربّ أكلّ هذا البكاء ماء ؟
متهورًا برؤية ضبابية، لقد أقبل الشتاء/أقبل الخريف
في ليلة كهذه سوف أُصعد حرّاتٍ بركانًا على كل بريء
منتقمًا من الخراب بخراب
حيلة الفوضى القديمة تتهاطل سيوفًا ومدافع
أحقادي الدفينة تقودني برغبة رمادية للانتقام
كنت جامدًا هامدًا بلا حراك حين كنت أشكّ بأنها تمقتني
لقد تأكدت، بأنّ هذا ليس ماء
سوف أحرق كل المدينة

أيا ربّ أكلّ هذا البكاء ماء ؟
راضيًا بموعد فاتن في ليلة مقمرة
أن أحرق كل دفاتري زهوًا ونكاية
أن تخبرني همسًا كل أسرار الحكاية
لكنها اشترتني محبرة على ورق
لم أكن يومًا فارسها الملثم
كانت تجهز الظلائم تترى واحدة واحدة
كمن يخطط لفتحٍ كبير، كان قلبي ينخرق
لم يكن دمعًا بل دمي ما رأت

أيا ربّ أكلّ هذا البكاء ماء ؟
إنّ قلبها ينتقم من الحياة بي
هل اختلط عليه الأمر
هل كان شأنًا مدبرًا ، لا يهمّ
بعد كل هذا النزيف العذب، حقًا لايهمّ
سوى أنني أدركت الوعد متأخرًا جدًّا
كانت مزحة ثقيلة، أن بخعت للحياة الجميلة
بيد أنني لن أهرب، أركض بكل قوادمي للنهاية
حثيثًا إلى محجر الدموع أنيح الحمام وأنام

أيا ربّ أكلّ هذا البكاء ماء ؟
وجدت قلبًا مدهوسًا على جانب الطريق
مرميًا في قاع بئر
منهوشًا، متزين بقميص أحمر
متّقدًا غيلة
منقادًا بنميمة
مسجونًا ظلما
محروقًا بنار باردة
محبوسًا في غار
لقد وجدني وانتهى الأمر
كان يبكي مثلي، خوفًا من حياة سعيدة

أيا ربّ أكلّ هذا البكاء ماء ؟

الشجرة الطيبة


ياريحة ثوب في الأسفار أحسها بشراييني
أشم الليل وأهل الدار واللي غاب عن عيني
أحسك في كلامي في الهواء في الماي في ترابي
أشوف اللي مضوا عني وبقى حبهم على بابي


أجمع كل شهقاتي أودعها سرّك وأحمد الله على شجاعتك، لولاك، لولا صرامتك، لم أنل سعادتي، لا أجرؤ على سؤالك كيف ومتى، أتأمل آثارك، أحترمك، أحترم كل آلامك، أستميحك أعذار الأقدار، لقد خسرت أكثر مما تتصور لأنني لم ألتق بك، كت أتوق لمحادثتك، لضحكاتنا، أسرح في ترتيب الكلمات، أصفها بغرور الشاب دالهٌ بشبابه، سلامٌ على روحك وقدّس الله سرّك، وقد يخطو غريبٌ مطأطئ رأسه في حماك؛ لأنّ الأحرار يتعارفون ويتآلفون، لقد رأيت في خلدي كل محاولاتك، في عيني حبيبتك، وبقية أسباب بقائك.

محروسٌ هواك، محروسٌ إرثك، محروسٌ غرسك، محروسةٌ أسفارك، محروسٌ ذنبك، محروسةٌ زلاتك، مبجلة إنسانيتك، فضائلك، خسائرك، في هذا الحياة – أبي – لاننال مانريده أو نتوقعه، بل ننال مافعلته بنا فضائلنا و قلوبنا، لا بار غرسك، أشجارك لا تُباع ولا تُشترى، بل تهب نفسها حرّة لهواها، سنارة صيدك بحكمة صبرها قالت لي كل شيء. ولم أكن ممن يُسمع قوله حين يقول، وماكنت أيضًا ممن يسمع تسويل نفسه في الحديث عن مقامك؛ لكنها أمانة نقل أثر من نحب، ونطلب لأنفسنا الذكر والاقتداء ما استطعنا.

لا نستطيع إلا أن نخطئ كما تعلم، لا وجه آخر للحياة نرى من خلاله أنفسنا سوى تجاربنا المريرة، لأنها بذاتها تجاربنا العطرة قبل أن تهبّ عليها رياح الأيام، لا بأس عليك. أما عن النسيان فكلنا نذبل عندما يجف نبعنا وهو لا محالة جاف، وحدهم المنتفعون سيقطعون الشجرة الطيبة عندما ترفض سوى أن تشرب من ماء نبعها، لكن الحياة سوف تصنع من بقاياها غابة ومن رفاتها عوالم لمخلوقات الله المسالمة، حيث الأشجار الطيبة أكثر مخلوقات الله بركة قائمة وهامدة، تظلل كل الضالين القالين المريدين السائرين.

أما عن حزنها ففي مقلتي، وعن وحدتها فهي سلواني، ضحكتها أنسي، وريحها رواحي، عبير لمستها يصلبني هائمًا على بابها، لم تكن قبل أن تنطق حرفًا تسمع سواك، لهذا ولعديد مالا أستطيع ذكره نحتاج بركاتك، صلوات ربي على كل لمحاتك وإشاراتك، مازلنا على العهد نطفئ الشموع التي لا تحب إطفاؤها لم يتغير شيء، مازلنا نوقد قلوبنا لجمر الأيام وندخّن تقلباتها، صدور ماضامها الزمان إلا وانشرحت، على العهد سائرون لأن الحياة واحدة، أمة واحدة يحنكها طيب الغراس، قومٌ يحبهم الله ويحبونه ما اغتالوا ولا غالوا، لا طالت وحشة شهادتك ومغيبك.


مثل الرفيق ويا الرفيق
كنا معاك
وبنظل معاك
في هالطريق نحمل هواك

مذكرة نسيان

يركض عندما يبطئون، ينام حين يستيقظون، يجلس عندما يستعجلون، كان يملك رغبة عمياء خرقاء بأن يعرف أكثر، لحدّ أنه قد أطال الوقوف أمام مالا يُعرّف، كانت لديه نقاط قوة لا تُحصى، ونقطة ضعف واحدة كانت كفيلة بأن تهدم في كل مرّة كل ما بنى.

تأملت خطوط يدي ورأيت أكثر من مسلك للهرب، أخذتني خيالاتي لكل الوجهات التي زرتها ولم أزرها، كنتُ واقفًا في مكاني مهما ركضت، على مقربة من كل ضحكة أجد دمعة مخفية تصارع للبقاء كروح مفرطة القدم فارقت جسدها ومازالت تدور تائهة في الأرجاء.

تطلب الأرواح المقيدة الخلاص، وتطلب الأرواح المتحررة التشكّل، يبدو أنّ هذا الكرنفال كان مقصودًا له أن يكون مأتمًا لكن أحد الحاضرين قد أطلق ضحكته الصاخبة، وأصابت العدوى الجميع.

إنّ هذا العالم يتسع على يديّ التي أحاول من خلالهما الإمساك به، أستمع إلى الهمس برهافة إحساس الأُم ببطنها المتكور حياةً جديدة ولا أعرف كيف حبلتُ بكل الآلام والأحلام دفعة واحدة. أبتسم لأن ليس لي خيار، واُهزم لأنه الخيار الأكثر منطقية.

الفشل حسنة الإنسان الوحيدة، الفضول خطيئته الكبرى، ويستمد تبريراتها من خطيئة إبليس الكبرى: الكبر. قدر الإنسان أن يشعر بأنه قادر لكنه في الحقيقة عاجز عجزًا يثير الشفقة والكبرياء.

أحرّك رؤوس أصابعي لأتحسس نيتها، لم يتغير شيء منذ آخر مرة تحسستها، ترفض أن تخطو خطوة واحدة مجددًا للإمام. لكلّ منا خريطته الخاصة للألم بها يعرف مكانه جيدًا بين الجموع. كنت أكتب لأنّ لي ذاكرة تخذلني ثم قرأتُ هذه العبارة في مذكرة أحدهم: ألّا تنسى شيئًا هو ألاّ تتعلم شيئًا جديدًا.

أصل الحياة واحد لكنّ أحزان المرء فريدة، لذلك قد تفهم هذه الحياة برمتها ولا يسحرك تشابه الأمور وتسحرك فرادة الآدمي. أجمع أحزاني ولا أتاجر بها رغم فرادتها. ولا أنساها لكنني أتناساها، تكبر في الخفاء، تُزهر في الخفاء، تتكاثر في الخفاء، تتشجع في الخفاء، وتختفي عندما تُقال.

أعتقد أنّ أسلوبي يشهبني، كنت أسخر من تشابه ما أقوله ببعضه لكنني أيقنت بأني لا أكون إن لم يكن ما أكونه. يكفيني أن أمسك قلمًا فأراني خالدًا على ورقة فأُصاب بالهلع مما أرى، فأرتاب من وضوحي أمام ذاتي لا أعرف غير ذاتي ومنها أعرف كم يُخدع المرء بتشابهه مع غيره.

محطتنا هي القادمة لا تقلقي، سمعت أحدهم يقول في الشارع المجاور أنّ قائد القطار قد استيقظ من سباته ضميره وأراد أن يكافئ هذه المرة أقدم المنتظرين، عليه اللعنة على أية حال، لقد فاتتنا ألف قصة وانغمسنا في صنوف الخيالات وشتّان بين حرقة المنتظرين ويقين الصابرين.

أحمرُ شفاهٍ لا أراه

أسفع كي أرى ما أنا قادرٌ عليه
لكنني أتراجع قبل أن أفعل
يمنعني الحياء عنه
ولأنني أخجل

ولئن استحثني أحدهم إلى حتفي
سوف أرحمه بإيلامه
وأموت وحدي

لماذا لا يُرى أثر الجروح على ناصيتي
تلك التي لم تختر إلا مقدمة الوجه
وإذا ما غفل أحدهم عنها يوما
فماذا تبقى لي كي أخبره
أنني موت مؤجّل
وطريقٌ وعرة
وروحٌ ضالّة عنه
إلى ذاك الذي يهدي إليّ ذاتي
وأهتدي إليه

مستحيلٌ أن يفعل الوجد فعلته
دون أن ينتقع دمي
وتجري على جسدي أثر الجروح
ويلثم مبسمي
بفمٍ وأحمر شفاهٍ
لا أراه

أحدّ من السكين
ولا يؤذي سوى نفسه
صبيٌ بالغَ في تصديق اللعبة

هذه السكّين قد ملّت من إدماء جدرانها
أصبحت تطمع بالمزيد
ولأنني وحيد
تمدّ يدها لمن أحبهم وتقطّعهم

الحياة أوسع من جرح
هي ركضٌ دائم
هربًا من احتمالين
يتغيران كل مرة

وحين يحلّ الصيف
تصبح الحياة صعبة
يغدو الليل عدوّ
والنهار مقصلة

كل مايستدعيه النسيان
زوجان من الأطباق
ليلٌ ونهار
شمسٌ وقمر
ذكرٌ وأنثى
ذلك أن التذكّر ثقيل
يهرب من أول الصباح

حزني قديمٌ ومألوف
تمامًا كوجهي أمام المرآة
لا أستطيع أن أعرف
ما إذا كان جميلًا أو قبيحًا
لأنه وجهي

الحبّ مسٌّ دائم
تمرّد على العقل
الذي يخبرك بأنّ لا أحد يلمسك
وتكذبه لأنك تحس بغير ذلك
وخيرٌ من ذلك
أن تكون أحمقًا في النهار
وحكيمًا في الليل

تضحك على توجدّي وبكائي
فلهما هذه المرة طعمٌ مختلف
طعم الأذى من جسدٍ آخر

وعندما عرفت أنها تستطيع
لا تنفك عن الطمع وتسأل بشراهة
هل من مزيد

فأنا لا أستطيع أن أقدر حجم الفاجعة
أن أموت بظروف لست بها
وأن أتألم بجسدٍ ليس لي
وأن أُحاسب بأفعالٍ
ليست في مدار تحكمي

“صبحت أحب الحب من بعد عشق الحبيب”

“أضحك مع الفرحان
وأبكي مع الباكيين
وأبات وأنا حيران
وأشكي؟ أشكي لمين”

لا يسلو المحب، وإن سلا؛ فإنه يسلو عن نفسه.
وتجري الأيام وصوارف الأقدار وظلم القريب ولامبالاة البعيد والسنين تعلّق على حيطانها أرقامًا لا تحمل في طياتها من معانٍ سوى أعمارنا، خيباتنا، فشلنا، خوفنا.

وراحة القلب العاشق استراحة محارب، يغفو دهرًا ويصحو لحظة تتحدد فيها وجهته، وأينما يمم فقبلته في شعوره الذي يداريه بين أضلاعه لا تحيد حتى تتكسر ولا ينكسر، ويظلّ يسهر رعايةً لمآرب وصغائر حبيبه التي يقدّسها ويجمعها قلائد ومشاهد وأشعارًا لأنها تذكره دومًا بأسباب بكائه ولوعته.

وللمحب أحوال لا يُعرف إلا بها ويتمنع عنها كي لا يُعرف، ومنها ومنها ومنها، حتى يصبح هو منها وإليها، هذه المحبة التي تظلل جوانحه وترقق عظامه وتؤرق مآقيه وتورق في لحيته أدمعًا وربيعا، ولولاها لمعة ما عُرف، ولولاها كبدٌ متورمة ماعَرف، ولولاها مناسبات حاسمة ما تنبّه، ولولاها معابد ماتحنّث، ولولاها أعياد ما احتفل، ولولاها خمرة ماسكر، ولولاها ترانيم ما تطرّب، ولولاها مضارب مارقّص.

ويا إيقاعًا في القلب ماعرفت من دونه كيف يحيا المرء بين جنبيه اللذين توحشا من لا مبالاة أشباه الأحياء. وربّ منفعة تستوجب شكرًا لسترها عريّ المقصد، وربّ فتنة لولاها ماسرح في معاني الحياة، ولولاها حياة ماعرف أنّ في الحياة مايستوجب الشكر والصبر والتضحية والبذل.

ويطيب الشك في رحاب الحب حيث وقر في القلب مالا يبرح وما يقيم، وتستقيم الذائقة حتى يرى المرء ماكان خافيًا عنه في ظلال السائد والسرديات الغالبة، ويهتدي القلب بعد ماكان طيّارًا في فضاء الله ينشد الخلاص، فالحمد حمد الواهب والود ود الحافظ والذكرى ذكرى المحب، ولا يعرف الحبيب الوفاء مالم يعرف الشقاء، بل يعرف أنّ الحياة متراكبة شأنها شأن الخلائق كلها فلا تكاد تخرج من أحدها إلا وقد دخلت في الآخر، ولا تكاد تستبينها مالم تُسقطه على ذاتك، ومن هنا تتبرعم الأنا والذائقة والثقة، ومن السياحة في وجوه الناس، ومن السياحة في فضاء الله؛ تعرف مالم يكد يعرف إلا بالحب والدعة والترقق والاستكانة والإخبات.

أما السلامة فلا سلامة، ومن هنا تتعضد النفس بالشجاعة وتتبرعم الطمأنينة فتورد في العينين سلامًا أخضرًا وحَورًا مستقيمًا وجمالًا مُهيبًا، لأن الفائت هو ما سيأتي لا ماقد مضى، وعليه فإنّ عليك أن تعي وتتفكّر في المخاطر القادمة كما لو كنت تقلّب صحيفة أطباق الطعام، العبرة فيما تشتهي لا في كونك ستشبع، فإنّك ميت وهم ميتون.

والمحبة شأنّ الراقصين طلبًا للوضوح لا طلبًا للتأكّد، فلا أحد يتأكد حق اليقين لكنه يختار بعينين واسعتين، ومهما استنفذت من جهد فالله أقدر، ومهما استبطنت من معانٍ فالله أعلم، ومهما مكرت من مكر فالله خير الماكرين.

راقصني يا حبيبي علّ علّة في النفس تزول،
ماتعني يا نديمي فالمنى منك هي المأمول
ومالحني فياللضحكة الصرفة على وجهك أبتاع بها متاع الدنيا. وللمحب أسرار لو علمها عن نفسه لزالت نفسه، لكنه يتذوقها ويستمتع ويدع كلفة المعرفة على الصانع، وكم تمنيت أن اكون صانعًا لكنني ذوّاق أكثر

وأحب الكتابة والحب من حبّ الحبيب. تذكري هذا و بلغيه عنّي.