ثمّة دماء غير مرئية

 الشتاء الذي أقبل يسفع النواصي بالحنين، لا يحب الصمت ويمجّد البكاء

لقد تخطيت الإشارة لأستعيض عن الدال بالمدلول، ولأهرب من كل ما ينبغي إلى كل ما ينبغي له أن يكون.

القلوب أوعية وأنا الآن أقف على عتبة سور حديقتكم أمشطها تارة وأمشط قلبي تارة أخرى.

الصيد بالسنارة وارد لو كانت الأفخاخ مشتهيات، ماذا لو كنت أنت المتدلي من على حبل وتريد أن تنقذ ذاتك؟، الجمل القصيرة بليغة في إيصال المعنى بطرق غير معتادة، لكني أريد أن أعقّد المتاهة ولا أريد لهذا الطريق أن ينتهي، فإن نهايته تخافني وأنا أخاف من المجهول، ولهذا أسعى إليه فضولًا وحريّة.

أسمع كل الأصوات من كل غرفة قصيّة ولا يعجبني كم أصبح الأمر نمطيًا ومكشوفا، لكنّ هذا هين عند من لا يريد لك إلا أن تسمع صوته ويصرخ بأعلى صوته حتى تجرحت حنجرته، والأذن المرهفة قد صُمّت عن الصراخ لو كان يعلم.

في السماء على علوٍ مرئي، غيمة يعبر من تحتها طيرٌ شريد، أحبه لأنه يأبى أن يحصر نفسه في غرفة أو قفص، ولو قُدّر له أن يراني لوجد أن تلويحتي جناحي ورئتيّ سمائي، وعقلي حدودي وروحي آفاقي.

ولقد وجدت بعد طول مراس وكثرة احتراس أنّ الحدود ليست أمرًا سيئًا إلى هذا الحد عندما يكون الحد مدى عينين ليس لهما أمد، قد حُيّزتا لي منذ الأزل، والمعنى الموغل في الشعور لا سلطان عليه بل هو المتسلط على كل شيء.

الآلام بوابات لأماكن لا نريد زيارتها، وقد دخلت بيوت الناس حتى لم أعد أعرف أين بيتي.

واسمعني أيها السادر في ظلمات لا تجد من يعربك، ولقد جرّحك طول عجمتك وسقوط همتك، عليك بالدخول إلى أعمق نقطة، تلك التي تجد بعدها أنّ الخطّ الفاصل بين العقل والجنون هو خط وهمي من الخارج، وأنّ كل مابداخلك معقول وكل ماتريد فعله صواب وكل ما تكتمه يكتم على أنفاسك حتى تطلقه فتستريح، وإن الهرب إلى الداخل هربٌ إلى البراح، وإن كان أمر يجب أن تستعجل به قبل فوات الأوان، فهو أن تسترد ذاتك قبل أن تصل إلى مكان تصبح الكرة في ملعب ذوات الآخرين، عندها سوف تستحلي حتى أن تُركل. لا بأس بأن تكون كرة إن أردت أن تكون كذلك، ولا تمتعض عندها.

ثمّة أفراح صامتة بجمود العين التي تخشى أن تفصح للقدر عن فرحتها لئلا يدهمها بالنقيض العادل.

ثمّة دماء غير مرئية، فالويل لمن يرى بعينيه وحدهما، الويل لمن لا يحترس من المشي على الركام، الجمر لا يزال حارقًا دون نار، وثمة أنوارًا في ليلٍ شديد العتمة، في صوت من تحب، وفي كل مايفاجئك كقبلة كهدية غير متوقعة من لا أحد.

لا أريد أن أمهّد لمنطقة وسطى، لفهم مشترك، لمصطلحات موحدة، أنا سعيد بهذه المسافة وسعيد لأن السعادة عادة تكون في الخارج لاهية تلهب قلوب الحزانى، لكنها الآن قانعة بي وتستلطفني، وأنا لازلت أقاوم أن أترامى في أحضانها لأنني قد أبرمت موعدًا قديمًا وأبديًا مع الألم والأسى والتأسّي.

ويكفي أن أشعل طرف الفتيل. ثمّة نيران تستعر في القلب المريض لكن الفتيل ناره لمصباحي ونيرانهم من أنفسهم. والقبض بالرباعية على الشفة السفلى هو الجمرة التي تدفئ ليلي الشاتي.

هذه هي الحياة

إن حزنًا يصيبك مرة واحدة في حياتك ليس كافيًا على استشعار هدفها، لكن حزنين كافيين للغاية لمعرفة أننا وُجدنا هنا لكي نتحضر فقط لموتنا، ونتدرب على استقباله بالشكل اللائق رغم كل فزعنا الوجودي من ذكره.

هذا هو شكل المفارقة: روحٌ حرّة مسجونة داخل جسد محكوم بقوانين الطبيعة، بهذا الاختزال الذي يختصر الحياة، كل هذا التناقض الذي تتحسسه وتتذوقه وتجسّه، ماهو إلا نكهة المصارعة التي تجري باستمرار داخلك، ولولا أن تكون منهك منها لما نمت يوميًا تاركًا لروحك فسحة الهرب ولو قليلًا بعيدًا عنك لتهدأ وتستكن وهي عائدة إليك في الصباح الباكر، ثم تعتقد أيها المخبول أن تجديد خلايا جسدك المادية هو المسؤول عن كل هذا.

إنّ ذاتك المفكرة المفارقة والرائية عن مسافة ليست هي ذاتك الجارحة وليست تلك المادية التي تستهلك مستحساتها الخمسة بحثًا عن أجوبة للوجود عن طريق العلم التجريبي.  إنك فقط تستهلك جهدك وتستنفذ عقلك وتتخبط عشوائيًا باحثًا عن أجوبة للأسئلة الكبرى في الناحية الخاطئة.

ليس لذاتك شكل وهيئة ولذلك لا تراها ولا تلمسها ولا تكاد تؤمن بوجودها، وهي في أغلب أوقات حياتك نائمة بعمق، ودور وجودك أن توقظها برفق وتنتظرها عمرًا وتدربها على الاستيقاظ وتقبل هيأتك الحالية مشروطة برهن الموت الذي سيحررها، ثم بعد مهمة إيقاظها عليك أن تعرفها على جسدك الفاني وتجعلهما يحترمان بعضهما ويتوقفان عن النزاع على كل شيء ماداما على هذه الأرض، وتطمئن كليهما إذا تنازعا وسئما من بعضهما أن البقاء مؤقت لأجل.

إنّ ما يعطي هذه الدلالة الصارخة على أن جسدك ليس هويتك ولا ذاتك، هو أن جسدك ذاته يتغير في كل لحظة فعليًا، خلاياك لحظيًا تتجدد، ملامحك كل مدة زمنية تختلف جذريًا حتى يصعب عليك نفسك تمييز جسدك في مرحلة ما أحيانًا؛ ورغم هذا لا تزال تتذكر أنك أنت وتتذكر أحزانك وأفراحك، جروحك ومخاوفك، فزعك وانشراحك، وهذه المشاعر ليس لها هيئة ولا شكل بل لها أثر تحسه فتعتقد أنه هو المسبب، وهذا من صميم التصميم المُراد لك أن تقاومه وتفككه وتتدرب على وجوده وتعي حبسه لك، ثم إنه ليس من العدل الذي قامت عليه السماوات والأرض أن تُحاسب على الشكل والهيئة فقط، بل إننا نحاسب على هبات أُعطينا إياها بالتساوي، لكل واحدٍ منّا روحًا يدربها وتدربه فترة حياته.

كلامي هذا ذاته سوف يستقبله الأحياء بتفاوت، فالمتذكر للموت يعرف أن فيه وجهًا من الحقيقة وإن لم يُصغ بالطريقة اللائقة نظرًا لقصور اللغة، والغافل عنه سيعتقد أنها على أفضل الأحوال هرطقة منمقة بكلمات تحمل معاني مفردة ولكن وحدةً في الشكل مفقودة، والمؤمن سوف يرى فيه روحًا ما، والمشكك المادي الجامد سوف يتعوذ من شرّ التخبط والهذيان، وهذا بذاته عجيب جدًا، كيف أنك لا تستطيع أن تنقل هذا الوعي مهما حاولت وأفنيت عمرك.

معرفةً كهذه تستوجب غفرانًا كهذا، وتفزع من حقدٍ كذاك، وتخاف على الغافلين المارّين وأعينهم مغمضة من التعثر فتبعد كل الأشياء من طريقهم كي لا يتعثروا بعد أن فقدت كل الأمل في أن يفتحوها ولو لمرة.

معرفةً كهذه تعرف أن التوقع – أو الظنّ إن كان في الأمر تقليب نيّة – ماهو إلا جنحة وحرص، وأنّ الغيرة حظ نفس يجب أن يُهذب، وأنّ الأطماع كلها زائلة وزائل ما طمعت به مالم يكن طمع بنيل المعرفة والخبر الذي يُسكن روحك الفزعة.

معرفةً كهذه تنسيك اللذة، وتنسيك المصطلحات والحدود، تجعلك حريص على ألا تسمي الأشياء كما يسميها الآخرين خصوصًا تلك المصطلحات المنتقاة بعناية والتي تُردد على رأسك صباح  مساء، فتلك أشرسها في إيهامك، عليك أن تنال تجربتك بنفسك، على مصلطحاتك أن تكون فريدة ومميزة وتخصّك وحدك، وعليها ألا تُختزل على هيئة لغة وكلمات، قد تأتي على صيغة موسيقية، شكلية، مائية، أي شكل من أشكال التعبير والمجاز يُناسبك، المهم أن تكون أنت بكامل قاموسك الخاص.

وهذه هي الحياة كما أعرفها، كما خبرتها، وكما سيتسنن هذا المصطلح ويدقّ ويتحدد مع مضي التجارب لا الوقت.

عن تواطؤ التفاهة والبلاهة بالتنكر بزيّ السعادة

تبدو السعادة سمة الغافل بينما الوصف الأمثل لحالته هي البلاهة أو التفاهة أو ربما الالتهاء، والقرآن-الكتاب الكامل في انتقاء الألفاظ التي تناسب الحال- لم ينعت بالسعادة إلا الذين علموا مصيرهم، وماقبل ذلك إما لعب أو لهو أو تفكّه.

السعادة لا تأت إلا بعد المعرفة والمعرفة دائمًا مصحوبة بالألم، والألم على قدر الروح، ولا يجتمع الألم والسعادة إلا في لحظات نادرة في الحياة تساوي كل الحياة، فهما لا يجتمعان أبدًا إلا مع معرفة وعبر لحظة تجلٍّ وانكشاف لحظة نجد فيها لأنفسنا معنى وغاية وجودية.

سيدهمه الألم أولًا وستسعده التفاهة هروبًا منه وسيمضي حياته محاولًا تقزيم الألم بالهرع نحو التفاهة والبلاهة، لكن ضميره يعلم بفداحة خطئه ويعيده للطريق الصحيح نحو لحظة المعرفة المؤلمة المتبوعة بالسعادة الفعلية.

أغلبنا يخدر ضميره لاهثًا خلف التفاهة معتقدًا أن فيها السعادة هاربًا من الألم ظانًّا أنه مناط كل سوء وحسرة، محاربًا إياه بضراوة، ولا يعلم أنه بهذا يحارب أسعد لحظات حياته وهو أن يشعر بهما معًا في سنحة انكشاف.

الغارقون في الذكريات، الحالمون دائمًا هم الذي تبدت لهم في حياتهم لحظات انكشاف وأصبحوا بعدها أسيرين لعودتها متلهفين ومترصدين لمكامن وقوعها على كل المفارق وتحت كل السراديب.

خطأ شائع يتكرر عند حدوث لحظة انكشاف وهو اعتقاد أنها مستبقاة ومستدامة إذا ثبتت الظروف، فيلتزمون بواجبات ويثقلون كاهلهم بوعود، ويموتون حسرة في انتظار مافات ولن يعود.

ارتبطت عندي الكتابة عند لحظة مثل هذه فيها ألم وفيها معرفة و من ثم سعادة تدهم عند ترجمة الشعور إلى معنى، دائمًا أحاول قبض أكبر قدر من البهاء والسحر واللذة في لحظة تجلي، لكن الترجمة تٌفقد جلّ الشعور وهذه معضلة اللغة وضريبة النقل.

يموت الإنسان ولا يجد طريقة مضمونة لذلك الشعور، ولكنه وهو يكبر يتعلم أن تركيبة الظروف المشابهة أدت إلى لحظة تجلي، وإن احتمالية هذا الشعور أكبر في مكان ما وفي وقت ما ومع أحدهم،وهو يحاول ما استطاع ما حيا بعث لحظة مثل هذه ومن ثم استنطاقها.

معادلة

ملامحك تعكس جينات أسلافك بنيما تغيرها مع الزمن يعكس خياراتك في الحياة.
صفاتك الغضة مسجلة أيضا في شريطك الجيني ولكن حدتها أو نعومتها خيارك الذي تختاره لنفسك مع الأيام.

لكل معادلة هنالك معطيات تكونها، منها الثابت ومنها المتغير ومهمتك اللعب بالمتغيرات لينعكس هذا على النتيجة النهائية للمعادلة؛ لذلك لا معنى للاستسلام والتسليم بأن المعادلة مكتوبة سلفًا، إنما المكتوب سلفًا هو الثوابت الموجودة في المعادلة فقط، وبوجود المتغيرات تصبح فكرة تغيير الناتج النهائي متاحة دائمًا.

لكي تتعرف على هذه المعطيات يجب ألّا تغفل أبدًا حاملًا داخل رأسك مدونة صغيرة لاختبار نفسك ومعرفة مالثابت ومالمتغير، وإلا سوف تنتهي يومًا إلى شخص لم ترغب بوجوده ولا يعجبك ولا تعرف كيف قادتك حياتك إليه.

صفتان في طريقك أهم من غيرهما للتعرف على مكونات معادلتك: اليقظة والتكيف.
اليقظة صفة ضرورية أمام الحركة والتغيير الجنونيين الذين بُني منهما هذا العالم.
والتكيف صفة أصيلة فيك وعليك الحذر منها لأنها توهمك بالسيطرة والثبات الجزئي بينما أنت تسقط من قاعٍ إلى آخر ولأنك تتكيف كل مرة تظن أنك وصلت باختيارك .

الحرية – أي مشيئة الفعل من عدمه – هي البصمة المميزة للإنسان عن كل ما عداه من المخلوقات، ومنطقيًا يأتي بعد حرية الاختيار كفل المسؤولية، مسؤول لأنك اخترت ومُساءل لأن هناك من وهبك هذه الصفة.

المسيرة الإنسانية بالمجمل متطورة بطبيعتها بمباركة الجين الناقل للقيم والطبائع ومباركة المجتمع الناقل للأعراف والعادات، عندما يولد طفل فهو لا يبدأ من الصفر حرفيًا، بل هو يبدأ من الثوابت في المعادلة على أمل أن يتعلم كيف يسيطر عليها ويهذبها بالمتغيرات التي سيكتشفها خلال رحلته. وبالتالي نحن الآن كمجتمع أرقى نسخة إنسانية والأجيال التي ستخلفنا أرقى منّا بالضرورة وأكثر ذكاءًا وتخلقًا بالجملة. ومن الغباء إثقال كاهل الأولاد بقيم وعادات الجيل السابق كما هي واستنساخها تمامًا، فهم لم يولدوا ليكرروا أسلافهم.

لأننا نعيش فترة زمنية قصيرة ومحدودة يستوجب علينا تضخيم منفعتها بالاطّلاع الأفقي والعمودي للتاريخ؛ كي نفهم فعلًا دورة الحياة وطبيعتها دون تأثير من ثقافة مهيمنة أو دين توريثي جامد. أفقيًا يكون الاطّلاع بالنظر في تجارب الأمم المعاصرة وكيف يتعاملون مع سنة التغيير الحاكمة على الكون، وعموديًا بقراءة التجارب السابقة لنا كجنس بشري.

لأن الأمر كله معادلة ولكل منّا معادلته الخاصة، فكّر بعقلك أولًا وأخيرًا وسيتلاشى سخطك من النتائج غير المتوقعة وستنبهر بمدى تحكمك بالنتيجة، و في نهاية المطاف سيتحول هذا السخط إلى دهشة وانبهار.

عشرون سؤال لإجابة واحدة.

(1)

كيف تكون صادقًا دون أن تَجرح؟

(2)

كيف تكون حيَّا دون أن تلهو؟

(3)

كيف تكون وفيًّا دون أن تمل؟

(4)

كيف تكون حنونًا دون أن تُستغل؟

(5)

كيف تكون كريمًا دون أن تفقر؟

(6)

كيف تكون سعيدًا دون أن تخاف من التغير؟

(7)

كيف تنام مبكرًا دون هموم؟

(8)

كيف تحلم دون أن تكون كتومًا؟

(9)

كيف تأكل دون أن تتأذى معدتك؟

(10)

كيف تستوعب دون أن تُخدش براءتك؟

(11)

كيف تفارق دون أن تشتاق؟

(12)

كيف تواعد دون أن تخاف ألّا تفي؟

(13)

كيف تصادق دون أن تقلق عن شخصين؟

(14)

كيف تكتب دون أن يُسرق شيء منك؟

(15)

كيف تعبث بشعرها دون أن تحبها؟

(16)

كيف تصمد والعالم يدور باستمرار؟

(17)

كيف تضحك دون أن تُرى لمعة الحزن في عينيك؟

(18)

كيف تفارق روحك بعدما التقيتما للتو؟

(19)

كيف تستحضر ذكاءك عندما فقط تريد؟

(20)

كيف تكون حبيبًا دون أن تتغرب؟

ضعف الإنسان هويته

لدي شغفٌ قديم بالشخصيات وكيفية تشكلها وكيف تخدع نفسها، كيف تخدّر آلامها وكيف تحاول أن تملأ خواء الجزء الناقص منها بكمية زائدة مما تجيده أو تمتلكه؛ فتنعكس الأمور من محاولة سد ثغره إلى نداءٍ متهورٍ يلفت الانتباه ويدعو إلى الشفقة.

كل الذين راقبت تصرفاتهم – ولا أبرّئ نفسي – يربط بينهم رابط مشترك يكاد يوحّد الإنسانية؛ إنه الضعف الذي يتخفّى بلطفٍ تحت طبقات من ادّعاء القوة والاعتزاز بالذات، إنه الضعف الذي هزّني في أكثر المواقف رتابة وأنا أراه يتكشف في أبهى صورة في كل مرة.

هذا الضعف يبدو ويتجلّى وضوحًا في صورٍ نمطية: في تعامل الأب مع ابنته مثلًا عندما لا يعرف كيف يتواصل معها فيسرف في الحرص عليها والتضييق من باب الخوف، أو في خوف الأم على ابنها حين تكاد تطمس شخصيته صغيرًا في سبيل حمايته، أو في انكسار الحبيب أمام حبيبه عندما تتساوى أمامه الأقدار فيختار أكثر الخيارات حماقة رغم حدّة تفكيره، ورغم ذلك لقد رأيت حالاتٍ أخرى أكثر تخفّيًا واستتارًا تكاد تبكيني لولا تجلدّي لم يكن قط ليخطر على بالي أنّي أمتلئ شفقة من جرّائها.

أنا حتى لا أستطيع الجزم بتسميته ضعفًا، يكاد يناسبه المصطلح الذي اشتهر به كونديرا ” الخفّة ” أو ربما تكون الرقّة أو الحساسية أنسب من الضعف لوصفه؛ لكني أعرف تمام المعرفة أن الإنسان يفقد إنسانيته بدونه ويتحول إلى مسخ.

أمرّ في حياتي على بعض هذه المواقف وأتخيل أحيانًا بعضها وسأحاول أن أخلق حالة تحاكي هذا الجانب الذي استلذّ به – رغم مأساويته -حول الشخصيات والأنماط البشرية تحت القسم: ضعف الإنسان هويته.

سنة جديدة سعيدة؟ بل هذا موسم الخوف

أنا النطفة التي دفقت في رحَمِ أمّي ذاتَ ليلةٍ، لحظةَ شهوةٍ، وسَطَ اضطرابٍ، حينَ ارتجافٍ سرى في كل أعضاء جسدِ أبي، ومفردة الارتجاف هذه ستلازمني طويلًا فبها استقريت آمنًا عدةَ شهورٍ في بطنِ أمي، ومن خلالها سأمضي حياتي عدد سنينَ في هذا العالم.

الخوف سلاحي وموطني، أما الأمن فحالةٌ طارئةٌ تزورني بين خوفين، أخاف من كل شيء وأنعم في ظلّ هذا الخوف بالسعادة العابرة حينما لا يحصل ما أخاف منه، بينما أستمدّ من هذا الخوف حذري الذي يجعلني مستعدًا لكل خيبات الحياة “المتوقعة”.

عندما ينام الناس هانئين ليلًا أظلّ مستيقظًا أحصي للعالم أرقامه وأعدّد خيباته، أزاول مهنة الوصي عليه رغم قلّة ما أملك منه.
لم تزرني لحظة دهشة منذ زمنٍ بعيد: عند سماعي للأخبار المفجعة؛ أصمت أو أدّعِ الدهشة والأسى، وعند سماعي للأخبار المبهجة؛ أصمت أو أدّعِ الدهشة والاستبشار، وفي كلتا الحالتين حفظت مفردات تُقال كي أتجنب الحرج ولا أفقد اللباقة.

وبحسب خبرتي الطويلة مع الخوف أقول للآمنين من الجهلة والمخدوعين بتداول الليل والنهار وطول الأمل: هذا هو وقت الخوف والحرص، الآن تزداد حاجتكم للالتفات والتوجّس، لقد أمضيتم أعمارًا تُرتبون الرغبات ونسيتم كيف يُكسب الأصدقاء كحرز، وطفقتم جمعًا للأموال وماعلمتم أنكم سوف تُهرعون لدفعها دفعًا لخوف يجتثّ الأحشاء ويجثم في الصدور.

هذا هو موسم الخوف، العالم يرتعد والحروب تتنزّه في أعمار الأبرياء، الحناجر تلهج بالاستغفار، الدعاء ينطلق من الألسن ويجانب الفؤاد كطلقةٍ طائشة، والطمأنينة ستغدو السلعة التي لن يطيق ثمنها أحد.

هذا هو موسم الخوف، مغبوطٌ أنا بخوفي فلا نامت أعين الآمنين، مغرورٌ أنا بأرقي فلا استيقظت أعين الغافلين، سعيدٌ أنا بيقيني فلا ابتهجت قلوب السادرين. عليكم بترتيب حاجياتكم فقد رهنت راحلتي ومافيها منذ زمن بعيد، وعليكم بلملمة أمانيّكم فقد غدا الإنسان أرخص الموارد.

رتّبوا موعدًا مع الخوف حتى لا يصادفكم في أحد الدهاليز حاملًا لكم الرعب في يد والرجفة في اليد الأخرى.
فـ”من لم يخف، لم يسعد، وليس بالعالم الذي لاخوف فيه حاجة إلى السعادة.” *

  • .العبارة للأستاذ عباس العقاد من كتاب يسألونك

قلقٌ على قلقٍ

o-tense-man-570

أنني أهدأ من أن أغضب الآن أو أثور على شيء ، أنا مثقلٌ بالسكينة مغموسٌ بالرقّة واللطف، وأطلب من الله أن يستمر هذا الشعور دون منغصات.

وطالما أنا كذلك، سأستغل لحظة السلام العابرة لأكتب عن القلق- لأنه جديًّا لايمكن الكتابة عن شيء وأنت مغمورٌ به أو تملكه – ورحلتي مع القلق تعود إلى أزمنة قديمة من النفس اللوامة التي ربما ورثتها من أبي – رحمة الله عليه –  أو طوّرتها مع الأيام جرّاء كبريائي الذي يعاتبني لأصبح ما أريد دائمًا أن أكون.

القلق بجميع تفريعاته: القلق مما مضى، والقلق مما سيأتي، والقلق من المستقبل القريب ، البعيد ، التصرفات ، الأقوال، القلق من كون الأمور لا تسير حسب ما كنت أتوقع … إلى آخر هذا الهراء كله بجميع تفريعاته بوابتي نحو الآخرين. أكاد لا أجيد أي تصرّف من دون أن أقلق من تبعاته؛  ولأنني من القلق وإليه أورثني مرضًا مزمنًا بمثابة الصورة الرمزية له : القولون العصبي/الهضمي أو باسمه الطبي (IBS).

القلق مرتبط ارتباطًا شديدًا بالوعي بالذات، فالأمور تسير على هذا المنوال: في الطفولة أنت موجود لكنك لا تعي أنك موجود وبالتالي لاتقلق. تكبر قليلًا تحتاج إلى أشياء لم تكن تحتاج إليها سابقًا فتُدرك جزئيًا أنك موجود وأنك كيان حرّ، فتُصعق جرّاء هذه المعلومة الصادمة : أنت موجود ! ، منذ متى ؟ ولماذا لم تشعر بهذا الهلع من قبل؟ ، من هنا تبدأ فعلًا بالقلق ، لماذا فوّتّ كل هذه السنوات دون عمل أي شيء حيال وجودك؟ ، تهدأ بعد الصدمة تحاول التخطيط ، لتُفاجأ أنّ ليس بيدك حيلة مازلت صغيرًا على المسؤولية حول اختياراتك، أنت بالكاد تختار شيئًا مازلت مراهقًا. تحاول بعد ذلك بجدية أن تجمّع المعلومات حول خطتك الوجودية، وكيف تستطيع أن تستفيد من هذه الفرصة قدر الإمكان، فرصة الإرادة والحرية والوجود والتغيير وما إلى ذلك من تلك المعاني التجريدية المرعبة التي اطّلعت عليها للتو وأفزعتك، ثم تستنتج أنك تحتاج وقتًا أطول في البحث لأن أ) مازال هناك متّسع من الوقت. ب) لا تريد أن تبدأ بشيء لا تريده حقًا ولا يتماشى مع خطتك الوجودية.

يزداد القلق مع العمر في كل مرحلة عمرية: بداية العشرين: ترى الناس يتفرعون من حولك كلّ تخصص في مجاله الذي يجيده ويستمتع به – أو على الأقل يعتقد أنه كذلك،  منتصف العشرين: يداهمك الناس بالأسئلة حول خططك وماذا فعلت وكيف لم تخطط جيدًا ويلزمونك بأمور من واجبك أن تقوم بها لأن الحياة تسير هكذا، .. الثلاثين .. الأربعين .. الخمسين ، ومما يزيد القلق كل هذه القصص الملعونة من حولك حول النجاح وكيف نجح الناجحون وكيف يتبهرجون بكل هذه النجاحات وأنت قابع تنتظر فرصتك التي لم تأتِ وإلهامك الذي لم يحن وقته بعد. تحاول استكشاف لماذا نجح من نجح فلا تجد أي ترابط بين قصصهم وبين نجاحهم؛ بل يتوهمون الأسباب لكي يرتاحوا من معرفة ماهية السبب الفعلي الذي لا أحد يدركه. أنا أعلم أنهم لا يعلمون كيف نجحوا بل يتبجحون بذلك أمام الملأ ، وأكثر المتبجحين منهم هو أقلهم معرفة ودراية بالأسباب الموصلة للنجاح .. أعرف هذا لأنه لطالما أرّقني حتى وجدت الإجابة الشافية كبلسم في أحد الآيات الكاشفة لطبيعة البشر، عندما قالت الآية :{فإذا مس الإنسان ضر دعانا ثم إذا خولناه نعمة منا قال إنما أوتيته على علم بل هي فتنة ولكن أكثرهم لا يعلمون} ثم أدركت أن هذا النجاح المزعوم لا يُسمى نجاحًا من غير إدراك فعلي بالسبب الدافع من ورائه، لأن الآدمي بعدها يصبح كالآلة التي تعمل دون أن تدرك لماذا تعمل؛ بل إنه أسوأ من الآلة حتى في محاولة الاستمرار على هذا النجاح المزعوم بارتكاب أشنع الأخطاء والهفوات؛ لأنها فتنة ولأنه لا يرضى بأقل من مكانة النجاح – رغم أنه لا يعرف لماذا نجح حتى .. ويستمر الترس بالدوران دون أي وقود محرّك سوى الصورة النمطية التي تأتيه من الخارج والتي يخاف عليها من الزوال.

وهكذا تمضي بقية أيامك تحاول أن تجد خطتك بإثبات أن خطط الآخرين لم تكن ناجحة إلى هذا الحد وأنك تريد شيئًا أفضل من هذا كله، شيء يخلب لبّك ، يشعرك بأن ليس للوقت وجود، وبأن كل ماعداه من الموجودات بلا قيمة، شيء يوصف الناس بسببه بالجنون والعته واختلال التفكير، شيء يجعل الآخرين حقًّا يتساءلون مالذي يجبرك على هذه الإهانة باستمرارك بفعله.

ماحفزّني لكتابة هذه التدوينة عن القلق هو مقال* قرأته ربط بين القلق المفرط بالذكاء، حسب دراسة كانت في جامعة ما في أونتاريو بكندا ، وأنا أضحك من باب التسلية عند سماعي لمثل هذه المقالات، إلّا أني لا أؤمن بأنّ الشخص القلق فعلًا سوف يستكين لمثل هذه الدراسة ويعتقد بأنّه ذكي ، بل سوف تزيده هذه الدراسة قلقّا كونه لم ينل من الذكاء إلا القلق وحده دون النجاح، وبالتالي يستعد للخطوة التالية بعد التأكد من كونه ذكي .. والتي سوف تزيده قلقًا بالضرورة .. ويدخل فيما أسميه بالدَور العظيم: القلق من القلق، والقلق محاولًا تخفيف القلق، والقلق من القلق الذي أحاول به تخفيف القلق .. فكم قافًا في ذلك.

مقاربة لفهم الشوق

الشوق يسرق الوقت، والنوم غفلةٌ عن الزمن، سرق شوقي إليك نومي.
أنا غصنٌ انتُزع من شجرته في مثل هذه الساعة، قولي لي إن لهذا الانتزاع ثمرة ما، قولي لي إنّ هذا التأخير مقصود لغايةٍ ما وليس عبثًا قدريًا يسخر من أمانينا.

سأكتب عن الشوق لكل المحبين لكي يحترسوا من تضخمه وسطوته على الوقت.
الشوق دائمًا مايسبقنا للاعتذار لمن نحب، ويغنينا عن طول الأعذار ووحشة الزمن الذي مضي في الغياب، وعن الإجابات المريبة الناقصة حول سببه.
إنه أسبق من حبك لقلبك وأصدق من كل شعور قد يساورك، الشوق سكرةٌ تُغلق على عقلك كل منطق، غريزة عمياء عندما يتملكك تنتفض منه جوارحك، تُصاب بالعمى المؤقت، الشوق انتفاضة تائه نزلت من قلبك وحلّت ببطنك، نغمٌ تتراقص على إيقاعه معدتك، غيبوبة عن الوعي، تأجيل لكل لوازم القدر حتَى إشعارٍ آخر.

الشوق يشبه حلول الكون في داخلك، تشعربأنك جرمٌ لاتجد مايجذبك وتجذبه، تسبح بغير هدى إلى لامكان، الشوق خدعة عقلية وخفّة من يد ساحرٍ يُقال له “ترقّب”.
هو أشبه مايكون باحتياج، فالاضطراب الذي يحدث بداخلك عندما تشتاق يعني أن منظومتك المعتادة التي كانت حياتك تعتمد عليها قد أصابها عطب.

وأصدق الشوق يكون أمضى مايكون عندما تقترب لحظة اللقاء، قبيل لحظة اللقاء.. بالضبط عندما يحتضر الشوق.
تعتقد حينها أنك عدّاء لتوه أنهى ماراثونًا منذ الأزل، تشعر بوعكة واعتلال وارتفاع ملحوظ بدرجة حرارة جسدك- مشكلة الشوق أن عرضٌ لا مرض ، لا تعرف له دورة حياة بل تُجهّز له ليالٍ من سهر، يحلّ المرض ثم يزول ويبقى الشوق حاضرًا أثقل من مرضٍ مزمن وأخفّ من نسيان- عراكٌ بين كريات دمك – كأنّ مكونًا جديدًا يحتاج إلى نقلٍ عاجل من قلبك لكل خلية داخل جسدك المتفاجئ- أنت على بعد عدة أقدام من لحظة ولادة تاريخية، تعتقد حينها أنك لأول مرة صانعٌ لقدرك وفاعلٌ في حياتك وأنّ على هذه الحياة فعلًا مايستحق الوجود والنهوض كل صباح لاستقباله.

وعندما يموت الشوق ساعة اللقاء، تسعى لتأبينه جيدًا وكما يليق بأوفى صديق، أنت تصنع كل مايجعل ولادته مجددًا حتمًا مقضيًا: تصنع الذكريات، تهدي القبلات تلو القبلات، تحرص على أن تهبه ولادة تليق بعذاباته التي أهداك إياها. أنت في الحقيقة تخاف من فقده وتريده أن يحضر بذات البهاء مجددًا وعلى الرغم من قسوته أنت تحتاجه لكي تشعر بكل جميل في هذه الحياة. أنت تشتاق إليه، ليولد الشوق مجددًا بمجرد موته.

– أقسانا من ينام أولًا، يحمّل الآخر أحمال الشوق.
-أكرمنا من ينام أولًا، يدع للآخر حرية التأمل والاستمتاع به.

ويالهف قلبي عليك إن كان هذا الشوق يفزعك مثلما يفزعني الآن.

تسجيل غرام

.جاءني حبك مجموعًا بليلة ثمّ تفرّق على أيّام ليطمنّ قلبي ثم ليسحره ليلة بليلة، وحيث يكفل الصمت كل امتنان ، أسجل إيماني بالحب من جديد

ليس أجمل من أن تبدأ بعض القصص برؤيا تتكلل برؤية وشيئًا فشيئًا بروّية تصبح كل شيء لا تظمأ ترتوي من آخرك ، يزداد وزنك ، تأمن وتستأمن الحياة وتسعى كطفل بكل رغبة في التعلم والتحسن والاستزادة لأن لديك حبيبة تخاف أن تسألك عن أتفه الأمور ولا تجد الإجابة المثالية، وتجمع المال بكل حذر ولا تسرف في استخدامه خوفًا من ألا تجد ماتهديه لها أو حتى ألا تملك المبلغ الذي يكون مهرًا لها ، وتتثقف وتجرب وتُصفع من الحياة وتبتسم لأنك ازددت تجربة لتخبر بها أولادكما حين يأتون لهذه الحياة دونما خبرة وبسذاجة الأطفال وبراءتهم، فتكون المرشد والمنقذ وتنال نظرة الإعجاب منها مستبشرًا من عينيها بأنك كنت كل الخيارات الصحيحة التي اضطرت هي لأخذها.

الحب ليس شهوة أو رغبة فقط ، بل هو حبل متين ومشدود بالحياة ، يجعلك متمسكًا بها كجبان ، طامعًا بها كوجوديّ لا يؤمن بحياة أخرى ، وشاعرًا أسهل مايجري على لسانك السجع والإيقاع والمفردات الرنّانة ، تتحسن لغتك ، تتحسن لياقتك ، يدرك الرجل عندما حبّ أنه كان ميتًا بلا هدف وقوة بلا توجيه ورصاصة طائشة قد تصيب القريب قبل البعيد والعدو والصديق، وأنه كان رثّا فتأنق ومنطفئًا فتألّق وصامتًا فتشدّق بكل مايجد من وسائل التعبير لينال إعجابها.

حبيبتي بدموعك أبني حدائقًا من وعود، وبخوفك أشيّد جدرانًا متراصّة من تطمين، ومن عينيك المرتعبتين خلقةّ وهيئةً أستجمع قواي، ومن قوامك الرشيق أنطنط كطفل ألاعب الغيم وأعود إليك وأذهب وأجيء، ومن كلماتك الجميلة أستصغر كلامًا قد قلته غزلًا فيك فأمحوه، ومن صوتك العذب المذهّب وإليه أنام وأغفو وأصحو وألملم شتات السنين وأنسى ألم القلب وعرق الجبين ودمع العينين، ونعومة يدك تخيفني من السنين التي تذهب دون أن ألمسها، وشعرك الطويل المجعّد غزْلٌ إلهي يحبِك قصتنا التي ستكتمل قبل أن أصل لآخره الذي يقف شامخًا كالعلامة على مرتفعين تحت مستوي وتحت هذا كله وفوقه أقبع أنا صامتًا متشبعًا من كل امرأة بامرأة لا تخاف المشاركة لأنها كل الحكايات التي أحتاجها لأمضي عمري سالمًا مسالمًا.

ولو لم تكوني أنت في حياتي .. كنت اخترعت امرأةً مثلك يا حبيبتي*.