يعيشُ المحبُّ أيَّ لقاءٍ بالمحبوبِ كأنَّهُ يعيشُ عيدًا.
كانت تُعدُّ صواعقًا من الخوصِ وتَخبزُ عجينَتها من قلوبِ الرجالِ.
وَدَّتْ لو أنَّها تستنسخُ أوَّلَ عجينةٍ اشتمَّتْ رائحَتها، صَغيرةً كانت لاهيةً عن الأكلِ باللعبِ والاختفاءِ.
دَهَمَتْها شهوةٌ تَسْتعرُ كلهيْبٍ حاصرَ فراشاتِ بطنِها.
رَأَتْ فِي عَيْنَيْهِ كُلَّ هذهِ المَحَبَّةِ، وَعاجَلَها حِقْدُ الصّغارِ البريءُ الصّامِتُ الذي لا يدمّرُ شَيْئًا سِوَى صاحِبِهِ، وَاختَفَتْ بَعيدَةً تَلْعَقُ أحْقادَها وَمَخاوِفَها الصَّغِيرَةَ، وَتهربُ بالقَلْبِ الذِي أَكَلَتْهُ في جَوْفِها: أَكَلَتْهُ لِتَمْتَلِكَه أو أكلَتْهُ لأنَّها لم تَسْتَطِعْ مُقاوَمَتَهُ، أو أكلَتْهُ لأنَّها لم تَسْتَطِعْ كَبْتَ لَذَّةِ أنْ يكونَ لِغَيْرِها يَوْماً ما. وأنَّتْ تَلْهَثُ خَلْفَ السَّبَبِ اغفرْ لها جريمةَ الحرصِ.
وَمِنْ يَوْمِها نمى لها أنفٌ وَاسْتَطالَ؛ أَيْ كلَّما أوقَدَ محْزونٌ فرنَ أحزانِهِ سامِرًا يشوي جِراحَهُ تَرَصَّدَتْ لخبزِهِ، وأَعَدَّتْ له صَواعِقَ من الحِرْصِ مشتملةً عَيْنَيْنِ بِثوبٍ من البَراءَةِ، وخدًّا لا يَغْرِي سِوَى كَاتِبٍ لَدَيْهِ الكَثِيرُ ليَقولَهُ، وأَنْيابًا لا تُشْبِهُ أحْلامَها؛ وغزَتْهُ بذَرِيعَةِ الجُوعِ وَالشَّرَهِ.
وهي تَمْضِي ساهِيَةً فِي تَنْفِيذِ خطَّتِها الكَوْنِيَّةِ، وَقد خَدَّرَ مَفاصِلَ خَوْفِها المللُ والخبزُ الذِي يَمْلأُ سلالَها.
وفي يَوْمٍ، كانت تُوزِّعُ الفوكاشا والشيباتا والباغيت واللاڤاش، ارْتَطَمَتْ بمَن يرفضُ أخذَ العَجِينِ؛ لا لأنَّ بيدهِ أكْوامًا مِنْهُ بل لأنَّهُ لمْ يَسْتَسِغْهُ يَوْماً، وكانت تلك سابقة.
لم يغرهِ قطُّ سوى الدَّمِ الأَحْمَرِ، اللحمُ جارٍ فِي عُرُوقِهِ، ينتزعهُ من أَوْداجِهِ يشربُهُ وصاحِبُهُ حيٌّ، ثُمَّ يعالجهِ بكَيِّهِ، وَكانَتْ تَعْرِفُ هذِه الصِّفاتِ؛ فتحمدُها لأَوَّلِ ضارٍ عَرَفَتْهُ وَكانَتْ تَعْتَقِدُ أَنَّ أَفْعالَ الضَّوارِي الحمِيدَةَ حكرٌ على السِّباعِ.
باستِعْدادٍ لا نظِيرَ له للاغترابِ، وبقَلْبٍ لَيْسَ لِيُعْجَنَ، لا يُشْتَرَى ولا يُباعُ، وبَراءَةٍ لا يَشُمُّها إلاّ ثائِرٌ، وكُلَّما ازْدادَ خَوْفُها دَعَتْهُ.
قَضَّ مَناماتِ خَوْفِها، وتَلَوَّنَتْ سَماؤُها، أَهْدَى إِليْها حَرَمًا مرهونًا بحلمٍ، واسْتَعادَتْ ذاكِرَةَ أَحبابِها وضحاياها وأعدائِها، واسْتَسْلَمَتْ لأَمانٍ ظَنَّتْهُ مُصْطنعًا، فَأَزْمَعَتْ خطَّتها في شكٍّ مريبٍ، لا يائسَ يستطيعُ رفضَ شهوةَ أن يختارَ موتهُ وينتخِبَهُ.
وَلأَنَّ الأسبابَ تَدُلُّ علَى عَقْلِ مُسَبِّبِها أكْثَرَ ممَّا تَدُلُّ علَى الرَّابِطَةِ الحَقِيقِيَّةِ، كانَ قَلْبُ الأسَدِ لا تَغْمُرُهُ هُوِيَّةٌ ولا يَنْتَمِي لبَلَدٍ، واحتِرامُهُ الصَّارِخُ لَها من احْتِرامِهِ لِعُقُولِ أصْحابِها.
الإِنْسانُ لا يَحْتَرِمُ إلاّ ما يَخْشاهُ؛ بل الإنسانُ الكاملُ كالمرآةِ لا يُخالِفُ صِدْقًا تَحَقَّقَت مِنْهُ ثِقَةُ صاحِبِهِ.
إمّا أن يكتبَ المرءُ قلبَهُ، فلقد علّقْتُهُ على المشانقِ ضنًّا به من عيونٍ ظانّةٍ ناقدةٍ، أو أن يسحقَهُ ويذيبَهُ حتى يقسى عليهِ وتشربَهُ ظنونُهُ ويأسُهُ، وهل الحياةُ إلا رغبةٌ تعاكسُها أخرى، بين رقّةٍ في العينِ وسمومٍ على الكبدِ، تحتارُ لهفةُ الحيرانِ.
ويكبرُ الصمتُ حولَ أسئلةِ الفضوليينَ الذينَ لا يتجرّأونَ على السؤالِ الشجاعِ، ويحومونَ حولَهُ كما الذبابُ على الجيفةِ.
العينُ ترى ولا تردُّ، ثم تتغافلُ حتى لا تتباعدَ عن موطنِها، ويا نعمةَ النسيانِ ومواهبَ السلوانِ، يتمشّى الزمنُ متبخترًا على كلِّ حججِ العقولِ البائدةِ، ويشربُنا الوقتُ شربةً بعدَ أخرى في تؤدةٍ وعلى هونٍ.
العمرُ لحظاتٌ سعيدةٌ متقطعةٌ، كلُّ العمرِ اختزلناهُ باللمساتِ المرتعشةِ والقبلاتِ المسروقةِ وسويعاتِ الأصيلِ والضحى في حومِ الناسِ حولَ لقمتِها، تنفَّسْنا سعاداتِنا المزمومةَ على نكاتِ القلبِ. وكنا نعلمُ، كنا نعلمُ ونكتمُ، كم كتمْنا وابتسمْنا ونمْنا على جنبٍ متورِّمٍ.
أيا ربَّ الكلماتِ أين منّا بائعةُ الخبزِ ومن اشترتْ قلبًا سارحًا سادرًا موهومًا، فأعادتْ له كبرياءَهُ وسمتَهُ، من لي بها وبالكلماتِ، ودمعتي، الشوقُ؟ فراقي وانطلاقةُ لساني بالأملِ المزعومِ.
أعرفُ كيف يينعُ القلبُ بذكركِ لي
وأعرفُ كيف ينعى لي نفسي حين تهجريني
وأعرفُ كيف أسمعُهُ ولا يسمعُني
وأعرفُ وحدتي الأثيرةَ بين ندماني بندمي
وأعرفُ لهفةَ أمّي عليَّ وقلّةَ حيلتي
وأعرفُ أنَّ الشمسَ تكسفُ ربما بالسنينَ
وتظهرُ خلسةً بالتفاتةٍ ثقيلةٍ خفيفةٍ
وأعرفُ الحماسةَ في عيونِ حمّاسةٍ وهي تتخيلُ ردّةَ فعلي فرحًا بها ما بينَ أكوامِ صمتي ودماثتي.
وحشاشةُ قلبي تحترقُ كما تعلمينَ عن غاباتِ الفتى.
وأعرفُ وأعرفُ وأعرفُ، والعرفانُ عالمي الذي يعينُني ويعنيني ولا يعني أحدًا سوايَ.
وبعدَ أن آنَ للفارسِ بصمتٍ أن يترجَّلَ؛ بئسًا للمتاحفِ التي لا تحتفي إلا بالجبناءِ.
القلبُ هو ما أعتقدُ أنّي أهبُهُ، ثم تُردُّ إليَّ هذهِ الهبةُ في كلِّ مرّةٍ.

