ثمّة دماء غير مرئية

 الشتاء الذي أقبل يسفع النواصي بالحنين، لا يحب الصمت ويمجّد البكاء

لقد تخطيت الإشارة لأستعيض عن الدال بالمدلول، ولأهرب من كل ما ينبغي إلى كل ما ينبغي له أن يكون.

القلوب أوعية وأنا الآن أقف على عتبة سور حديقتكم أمشطها تارة وأمشط قلبي تارة أخرى.

الصيد بالسنارة وارد لو كانت الأفخاخ مشتهيات، ماذا لو كنت أنت المتدلي من على حبل وتريد أن تنقذ ذاتك؟، الجمل القصيرة بليغة في إيصال المعنى بطرق غير معتادة، لكني أريد أن أعقّد المتاهة ولا أريد لهذا الطريق أن ينتهي، فإن نهايته تخافني وأنا أخاف من المجهول، ولهذا أسعى إليه فضولًا وحريّة.

أسمع كل الأصوات من كل غرفة قصيّة ولا يعجبني كم أصبح الأمر نمطيًا ومكشوفا، لكنّ هذا هين عند من لا يريد لك إلا أن تسمع صوته ويصرخ بأعلى صوته حتى تجرحت حنجرته، والأذن المرهفة قد صُمّت عن الصراخ لو كان يعلم.

في السماء على علوٍ مرئي، غيمة يعبر من تحتها طيرٌ شريد، أحبه لأنه يأبى أن يحصر نفسه في غرفة أو قفص، ولو قُدّر له أن يراني لوجد أن تلويحتي جناحي ورئتيّ سمائي، وعقلي حدودي وروحي آفاقي.

ولقد وجدت بعد طول مراس وكثرة احتراس أنّ الحدود ليست أمرًا سيئًا إلى هذا الحد عندما يكون الحد مدى عينين ليس لهما أمد، قد حُيّزتا لي منذ الأزل، والمعنى الموغل في الشعور لا سلطان عليه بل هو المتسلط على كل شيء.

الآلام بوابات لأماكن لا نريد زيارتها، وقد دخلت بيوت الناس حتى لم أعد أعرف أين بيتي.

واسمعني أيها السادر في ظلمات لا تجد من يعربك، ولقد جرّحك طول عجمتك وسقوط همتك، عليك بالدخول إلى أعمق نقطة، تلك التي تجد بعدها أنّ الخطّ الفاصل بين العقل والجنون هو خط وهمي من الخارج، وأنّ كل مابداخلك معقول وكل ماتريد فعله صواب وكل ما تكتمه يكتم على أنفاسك حتى تطلقه فتستريح، وإن الهرب إلى الداخل هربٌ إلى البراح، وإن كان أمر يجب أن تستعجل به قبل فوات الأوان، فهو أن تسترد ذاتك قبل أن تصل إلى مكان تصبح الكرة في ملعب ذوات الآخرين، عندها سوف تستحلي حتى أن تُركل. لا بأس بأن تكون كرة إن أردت أن تكون كذلك، ولا تمتعض عندها.

ثمّة أفراح صامتة بجمود العين التي تخشى أن تفصح للقدر عن فرحتها لئلا يدهمها بالنقيض العادل.

ثمّة دماء غير مرئية، فالويل لمن يرى بعينيه وحدهما، الويل لمن لا يحترس من المشي على الركام، الجمر لا يزال حارقًا دون نار، وثمة أنوارًا في ليلٍ شديد العتمة، في صوت من تحب، وفي كل مايفاجئك كقبلة كهدية غير متوقعة من لا أحد.

لا أريد أن أمهّد لمنطقة وسطى، لفهم مشترك، لمصطلحات موحدة، أنا سعيد بهذه المسافة وسعيد لأن السعادة عادة تكون في الخارج لاهية تلهب قلوب الحزانى، لكنها الآن قانعة بي وتستلطفني، وأنا لازلت أقاوم أن أترامى في أحضانها لأنني قد أبرمت موعدًا قديمًا وأبديًا مع الألم والأسى والتأسّي.

ويكفي أن أشعل طرف الفتيل. ثمّة نيران تستعر في القلب المريض لكن الفتيل ناره لمصباحي ونيرانهم من أنفسهم. والقبض بالرباعية على الشفة السفلى هو الجمرة التي تدفئ ليلي الشاتي.

معادلة

ملامحك تعكس جينات أسلافك بنيما تغيرها مع الزمن يعكس خياراتك في الحياة.
صفاتك الغضة مسجلة أيضا في شريطك الجيني ولكن حدتها أو نعومتها خيارك الذي تختاره لنفسك مع الأيام.

لكل معادلة هنالك معطيات تكونها، منها الثابت ومنها المتغير ومهمتك اللعب بالمتغيرات لينعكس هذا على النتيجة النهائية للمعادلة؛ لذلك لا معنى للاستسلام والتسليم بأن المعادلة مكتوبة سلفًا، إنما المكتوب سلفًا هو الثوابت الموجودة في المعادلة فقط، وبوجود المتغيرات تصبح فكرة تغيير الناتج النهائي متاحة دائمًا.

لكي تتعرف على هذه المعطيات يجب ألّا تغفل أبدًا حاملًا داخل رأسك مدونة صغيرة لاختبار نفسك ومعرفة مالثابت ومالمتغير، وإلا سوف تنتهي يومًا إلى شخص لم ترغب بوجوده ولا يعجبك ولا تعرف كيف قادتك حياتك إليه.

صفتان في طريقك أهم من غيرهما للتعرف على مكونات معادلتك: اليقظة والتكيف.
اليقظة صفة ضرورية أمام الحركة والتغيير الجنونيين الذين بُني منهما هذا العالم.
والتكيف صفة أصيلة فيك وعليك الحذر منها لأنها توهمك بالسيطرة والثبات الجزئي بينما أنت تسقط من قاعٍ إلى آخر ولأنك تتكيف كل مرة تظن أنك وصلت باختيارك .

الحرية – أي مشيئة الفعل من عدمه – هي البصمة المميزة للإنسان عن كل ما عداه من المخلوقات، ومنطقيًا يأتي بعد حرية الاختيار كفل المسؤولية، مسؤول لأنك اخترت ومُساءل لأن هناك من وهبك هذه الصفة.

المسيرة الإنسانية بالمجمل متطورة بطبيعتها بمباركة الجين الناقل للقيم والطبائع ومباركة المجتمع الناقل للأعراف والعادات، عندما يولد طفل فهو لا يبدأ من الصفر حرفيًا، بل هو يبدأ من الثوابت في المعادلة على أمل أن يتعلم كيف يسيطر عليها ويهذبها بالمتغيرات التي سيكتشفها خلال رحلته. وبالتالي نحن الآن كمجتمع أرقى نسخة إنسانية والأجيال التي ستخلفنا أرقى منّا بالضرورة وأكثر ذكاءًا وتخلقًا بالجملة. ومن الغباء إثقال كاهل الأولاد بقيم وعادات الجيل السابق كما هي واستنساخها تمامًا، فهم لم يولدوا ليكرروا أسلافهم.

لأننا نعيش فترة زمنية قصيرة ومحدودة يستوجب علينا تضخيم منفعتها بالاطّلاع الأفقي والعمودي للتاريخ؛ كي نفهم فعلًا دورة الحياة وطبيعتها دون تأثير من ثقافة مهيمنة أو دين توريثي جامد. أفقيًا يكون الاطّلاع بالنظر في تجارب الأمم المعاصرة وكيف يتعاملون مع سنة التغيير الحاكمة على الكون، وعموديًا بقراءة التجارب السابقة لنا كجنس بشري.

لأن الأمر كله معادلة ولكل منّا معادلته الخاصة، فكّر بعقلك أولًا وأخيرًا وسيتلاشى سخطك من النتائج غير المتوقعة وستنبهر بمدى تحكمك بالنتيجة، و في نهاية المطاف سيتحول هذا السخط إلى دهشة وانبهار.

عشرون سؤال لإجابة واحدة.

(1)

كيف تكون صادقًا دون أن تَجرح؟

(2)

كيف تكون حيَّا دون أن تلهو؟

(3)

كيف تكون وفيًّا دون أن تمل؟

(4)

كيف تكون حنونًا دون أن تُستغل؟

(5)

كيف تكون كريمًا دون أن تفقر؟

(6)

كيف تكون سعيدًا دون أن تخاف من التغير؟

(7)

كيف تنام مبكرًا دون هموم؟

(8)

كيف تحلم دون أن تكون كتومًا؟

(9)

كيف تأكل دون أن تتأذى معدتك؟

(10)

كيف تستوعب دون أن تُخدش براءتك؟

(11)

كيف تفارق دون أن تشتاق؟

(12)

كيف تواعد دون أن تخاف ألّا تفي؟

(13)

كيف تصادق دون أن تقلق عن شخصين؟

(14)

كيف تكتب دون أن يُسرق شيء منك؟

(15)

كيف تعبث بشعرها دون أن تحبها؟

(16)

كيف تصمد والعالم يدور باستمرار؟

(17)

كيف تضحك دون أن تُرى لمعة الحزن في عينيك؟

(18)

كيف تفارق روحك بعدما التقيتما للتو؟

(19)

كيف تستحضر ذكاءك عندما فقط تريد؟

(20)

كيف تكون حبيبًا دون أن تتغرب؟

سنة جديدة سعيدة؟ بل هذا موسم الخوف

أنا النطفة التي دفقت في رحَمِ أمّي ذاتَ ليلةٍ، لحظةَ شهوةٍ، وسَطَ اضطرابٍ، حينَ ارتجافٍ سرى في كل أعضاء جسدِ أبي، ومفردة الارتجاف هذه ستلازمني طويلًا فبها استقريت آمنًا عدةَ شهورٍ في بطنِ أمي، ومن خلالها سأمضي حياتي عدد سنينَ في هذا العالم.

الخوف سلاحي وموطني، أما الأمن فحالةٌ طارئةٌ تزورني بين خوفين، أخاف من كل شيء وأنعم في ظلّ هذا الخوف بالسعادة العابرة حينما لا يحصل ما أخاف منه، بينما أستمدّ من هذا الخوف حذري الذي يجعلني مستعدًا لكل خيبات الحياة “المتوقعة”.

عندما ينام الناس هانئين ليلًا أظلّ مستيقظًا أحصي للعالم أرقامه وأعدّد خيباته، أزاول مهنة الوصي عليه رغم قلّة ما أملك منه.
لم تزرني لحظة دهشة منذ زمنٍ بعيد: عند سماعي للأخبار المفجعة؛ أصمت أو أدّعِ الدهشة والأسى، وعند سماعي للأخبار المبهجة؛ أصمت أو أدّعِ الدهشة والاستبشار، وفي كلتا الحالتين حفظت مفردات تُقال كي أتجنب الحرج ولا أفقد اللباقة.

وبحسب خبرتي الطويلة مع الخوف أقول للآمنين من الجهلة والمخدوعين بتداول الليل والنهار وطول الأمل: هذا هو وقت الخوف والحرص، الآن تزداد حاجتكم للالتفات والتوجّس، لقد أمضيتم أعمارًا تُرتبون الرغبات ونسيتم كيف يُكسب الأصدقاء كحرز، وطفقتم جمعًا للأموال وماعلمتم أنكم سوف تُهرعون لدفعها دفعًا لخوف يجتثّ الأحشاء ويجثم في الصدور.

هذا هو موسم الخوف، العالم يرتعد والحروب تتنزّه في أعمار الأبرياء، الحناجر تلهج بالاستغفار، الدعاء ينطلق من الألسن ويجانب الفؤاد كطلقةٍ طائشة، والطمأنينة ستغدو السلعة التي لن يطيق ثمنها أحد.

هذا هو موسم الخوف، مغبوطٌ أنا بخوفي فلا نامت أعين الآمنين، مغرورٌ أنا بأرقي فلا استيقظت أعين الغافلين، سعيدٌ أنا بيقيني فلا ابتهجت قلوب السادرين. عليكم بترتيب حاجياتكم فقد رهنت راحلتي ومافيها منذ زمن بعيد، وعليكم بلملمة أمانيّكم فقد غدا الإنسان أرخص الموارد.

رتّبوا موعدًا مع الخوف حتى لا يصادفكم في أحد الدهاليز حاملًا لكم الرعب في يد والرجفة في اليد الأخرى.
فـ”من لم يخف، لم يسعد، وليس بالعالم الذي لاخوف فيه حاجة إلى السعادة.” *

  • .العبارة للأستاذ عباس العقاد من كتاب يسألونك

مقاربة لفهم الشوق

الشوق يسرق الوقت، والنوم غفلةٌ عن الزمن، سرق شوقي إليك نومي.
أنا غصنٌ انتُزع من شجرته في مثل هذه الساعة، قولي لي إن لهذا الانتزاع ثمرة ما، قولي لي إنّ هذا التأخير مقصود لغايةٍ ما وليس عبثًا قدريًا يسخر من أمانينا.

سأكتب عن الشوق لكل المحبين لكي يحترسوا من تضخمه وسطوته على الوقت.
الشوق دائمًا مايسبقنا للاعتذار لمن نحب، ويغنينا عن طول الأعذار ووحشة الزمن الذي مضي في الغياب، وعن الإجابات المريبة الناقصة حول سببه.
إنه أسبق من حبك لقلبك وأصدق من كل شعور قد يساورك، الشوق سكرةٌ تُغلق على عقلك كل منطق، غريزة عمياء عندما يتملكك تنتفض منه جوارحك، تُصاب بالعمى المؤقت، الشوق انتفاضة تائه نزلت من قلبك وحلّت ببطنك، نغمٌ تتراقص على إيقاعه معدتك، غيبوبة عن الوعي، تأجيل لكل لوازم القدر حتَى إشعارٍ آخر.

الشوق يشبه حلول الكون في داخلك، تشعربأنك جرمٌ لاتجد مايجذبك وتجذبه، تسبح بغير هدى إلى لامكان، الشوق خدعة عقلية وخفّة من يد ساحرٍ يُقال له “ترقّب”.
هو أشبه مايكون باحتياج، فالاضطراب الذي يحدث بداخلك عندما تشتاق يعني أن منظومتك المعتادة التي كانت حياتك تعتمد عليها قد أصابها عطب.

وأصدق الشوق يكون أمضى مايكون عندما تقترب لحظة اللقاء، قبيل لحظة اللقاء.. بالضبط عندما يحتضر الشوق.
تعتقد حينها أنك عدّاء لتوه أنهى ماراثونًا منذ الأزل، تشعر بوعكة واعتلال وارتفاع ملحوظ بدرجة حرارة جسدك- مشكلة الشوق أن عرضٌ لا مرض ، لا تعرف له دورة حياة بل تُجهّز له ليالٍ من سهر، يحلّ المرض ثم يزول ويبقى الشوق حاضرًا أثقل من مرضٍ مزمن وأخفّ من نسيان- عراكٌ بين كريات دمك – كأنّ مكونًا جديدًا يحتاج إلى نقلٍ عاجل من قلبك لكل خلية داخل جسدك المتفاجئ- أنت على بعد عدة أقدام من لحظة ولادة تاريخية، تعتقد حينها أنك لأول مرة صانعٌ لقدرك وفاعلٌ في حياتك وأنّ على هذه الحياة فعلًا مايستحق الوجود والنهوض كل صباح لاستقباله.

وعندما يموت الشوق ساعة اللقاء، تسعى لتأبينه جيدًا وكما يليق بأوفى صديق، أنت تصنع كل مايجعل ولادته مجددًا حتمًا مقضيًا: تصنع الذكريات، تهدي القبلات تلو القبلات، تحرص على أن تهبه ولادة تليق بعذاباته التي أهداك إياها. أنت في الحقيقة تخاف من فقده وتريده أن يحضر بذات البهاء مجددًا وعلى الرغم من قسوته أنت تحتاجه لكي تشعر بكل جميل في هذه الحياة. أنت تشتاق إليه، ليولد الشوق مجددًا بمجرد موته.

– أقسانا من ينام أولًا، يحمّل الآخر أحمال الشوق.
-أكرمنا من ينام أولًا، يدع للآخر حرية التأمل والاستمتاع به.

ويالهف قلبي عليك إن كان هذا الشوق يفزعك مثلما يفزعني الآن.

اكتب دون أن تنوي أن تصبح كاتبًا

كنت أعرف قبلًا أن الكتابة تهدينا الخلود ، لكني عرفت مؤخرًأ أنها لا تهدينا الخلود فحسب.

إنها من حيث الاسترسال أداة لتشييء المعاني إلى مادة لها حيّزها وحدودها وعالمها ومحدوديتها؛ إننا من حيث نكتب نسلب المعنى كماله وشموليته وإطلاقه الذي يتباهى به، وهذا الفعل لايعجب غطرسة المعاني فتستعصي غالبًا علينا – باستثناء أولئك الذين عاشروها كثيرًا وناموا واستيقظوا وهم يخطبون ودها ويستسقون حكمتها – ، أكنت تظن أن الكتاب بوحدته وتفرده وجرأة الكاتب على كتابة مقدمة وخاتمة سيغفر لأولئك الذين استهانوا بقيمته؟

إنّ الشهرة لكاتب يتناقل الناس كتابه فيستدل الناس على حماقة ماكتب أو سطحيته هو أعظم جزاء لكاتب لم يحترم قدر وحدة الحروف والمعاني المنظومة والمرتبة في كتاب.

خذ قلمًا وصارع ورقة لمدة كافية لتعرف أن هذا الإرهاق الذي يصيبك – ثم الإحباط بعده – ناتج عن مقاومة المعاني لعملية تشييئها \ تعليبها.

إنّ الذين لم يجربوا الكتابة قط، يفوتهم من فهم هذا العالم الشيء الكثير : وأعني بالكتابة تلك التي تتناول موضوعًا ما فتصارع المفردات لتفرزها في قوالب، ثم تصارع الجمل لتنتقي السياقات المناسبة،ثم تصارع السياقات لتحافظ على فكرتك الأساسية من خطر الاسترسال والأفكار الثانوية الطارئة – فكل الأفكار طمّاعة بما فيه الكفاية لأن تحتل المرتبة الأولى دائمًا – .

إنّ من أسرار الكتابة -التي تعيد التفكير في المسلمات وتقيم التأثير في الوجدان- هو إحساسك الحارس عندما تكتب لتخطب ودّ المعاني وتغويها وتقنعها بأن تجعلها مجرد شيء على ورقتك.

مثلًا كيف تقنع مفردة واسعة جدًا بمقام ” الحرية ” على أن تتنازل عن عرش اتساعها اللامتناهي لتقبع مكبلة وشديدة التهذيب والوضوح ومفهومة المناسبة في دفترك، وكيف يتناسب فعل مقدس وأبدي كالـ”حب” مع فناء ورقتك ويشكلان ثنائيًا متناغمًا من التحرر من الزمن والرضوخ له، ثم كيف تستجلب سحر المجاز ولعنة التشبيهات والأمثلة، كيف تسكن كلماتك قلب أحدهم دون أن يحيط بالمعنى، حقًا هذه المهمة لابد وأنها أصعب وأعمق من أي اختراع أو ابتكار.

وأخيرًا للناجي من هذه الملحمة حق الخلود من الكتّاب الذين أثروا فينا ونعرفهم جيدًا.
وأشعر كما يشعر نيتشة عندما قال: لن أقرأ ثانية لكاتب أشعر بأنه يريد أن يكتب كتابًأ ، لكنني سأقرأ بالطبع لهؤلاء الذين كونت أفكارهم كتابًا دون قصد

اللذة الكامنة في التخفّف من البشر

من وجهة نظر عدمية:
أنت لا تحتاج عددًا من البشر كي يهونوا عليك حتمية موتك المنتظر ولا بؤس حياتك الرتيبة، لأنهما واقع لا مهرب منه.

ومن وجهة نظر دينية:
قليلون جدًا هم البشر الذين يساعدونك في الدنيا للحد الذي لا يستحق فيه المجازفة بإعطاء أحد ما أكثر مما يستحق، ويكاد ينعدم نفعهم في الآخرة، يكفيك من ذلك خيبة الحقيقة في أن يهرب المرء من أقرب الناس إليه.

ومن وجهة نظر ذوقية:
لا شيء يعجبني، أنا المليء بالأفكار المتشككة، شديدة التوجس والحذر من الناس ومعتقداتهم -خصوصًا الواثقين منهم- ، كما أني لا أكاد أعد حسنات قليلة في مخالطة الكثير منهم بعكس استغراقي في سرد السيئات جرّاء ذلك.

ومن وجهة نظر صوفية:
يلذ لي أن أتقمص شخصية المسافر المتخفف، خفيف النفس والظل، لطيف المعشر، غير الآبه بم أخذ وعلى من تعرّف؛ لا من كثرة – لأنه سيموت قبل أن ينتفع به- ، ولا لأهمية – لأن معه كل مايهمه -، عقله الذي يفكر به، وجسده الذي يحمله، وقليلٌ من مال يكفي حاجته ويسدّ مسألته للناس.

ومن وجهة نظر تصويرية:
لطالما شعرت بشعور الغريب الذي لاينتمي إلى هنا، كالذي تواطأ الناس على حضور مأدبة من دونه، وصُعقوا عندما وجدوه هناك قد سبقهم: حملقات العيون، الدهشة المغلفة بابتسامة صفراء، الاستغراب الذي أبديه، التذاكي السخيف، شعوري الطافح بالغثيان من هذا النفاق وادعاء اللباقة في تعاملهم، والتقزز من استغراقهم المخجل في الملذات وكأنهم خالدون في هذا المكان.

ومن وجهة نظر تجريدية:
لم أهتم يومًا بالأشخاص لكونهم فقط أناس، بل كان كل مايشدني إليهم وعنهم؛ هي الأفكار التي يثيرها وجودهم، و وجودهم الذي يجسّد معاني الأفكار التي أقرؤها؛ ولهذا احرص على أن أتعامل مع الحد الأدنى الكافي منهم لأداء هذا الغرض وحده.

ومن وجهة نظر شعرية:
لمّا عفوتُ ولم أحقد على أحدٍ … أرحتُ نفسي من همّ العداواتِ
إنّي أُحيّي عدوي عند رؤيته … لأدفع الشرّ عنّي بالتحياتِ
وأُظْهرُ البِشْرَ للإنسانِ أُبغضهُ … كما إنْ قد حشى قلبي محبّاتِ
الناسُ داءٌ ودواءُ الناسِ قربهمُ … وفي اعتزالهمُ قطعُ الموداتِ*

* الشافعي

من أجل الأقداح التي تتداعى سخريةً بنا

لأجل أن تقرأ ما سيأتي من كلام عليك أولًا أن ترمي همّك الذي يأكل منك، ومن عقلك، ومن صحّة أفكارك، ومن جمالية ماتبقى من يومك أو ربما عمرك.. سخريةً منه أيضًا هو الآخر.

الحياة جميلة ومثيرة ومليئة بالغرابة بما يكفي لتلعنها، ومليئة بالغموض الكافي لأن تنشغل بها كلّ مرة رغم الوعود التي قطعتها على نفسك قبل أن تنام كل ليلة بأن تلهي ملكاتك وعقلك العظيم بما هو أهم.

إنّ الأقدار التي تصيبك أو تصيبها -لايهم مادام أنكما قد تلاقيتما- سوف تحدد ماستكون عليه غدًا؛ لهذا أنا مأخوذ بشعور العدمية الذي يصيب الآدمي -الحالم بالتفرّد- الذي يدرك أنه ضمن عالم مليء بمن هم مثله من البشر، ومحبط تمامًا كما يليق بأنّ إرادتي العظيمة التي بداخلي لا تعني أيًّا من القريبين مني إلا بما يتداخل مع مصالحهم فقط.

هل قلت الأقداح التي تتداعى؟ عذرًا كنت أقصد الأقدار، أعتذر منك عن صورة الأقداح الزجاجية المزخرفة – أو ربما السادة- التي خطرت على بالك.

أنا مثلك تسرقني فكرة عابرة أو تصور مضحك خطر بذهني عن الآخرين، ويريبني جفاف القلم، وتخيفني الصفحات البيضاء، والملابس الأنيقة، والشعر المصفف بدقة، والوجوه البريئة والغرف النظيفة، والحياة الهادئة السعيدة. تدفعني نوتة موسيقية للتمايل طربًا، وتزج بي نظرة واحدة لكتابة نص متهافت كهذا- حتى الآن لا أدري ماذا سأقول في بقيته- لكن أدرك كما تدرك أنّ الكتابة المباشرة الموجّهة لاتنفع أحدًا ولا تجذب سوى أولئك الجامدين من الشعور.

أحاول أن أتلاعب الكلمات لكي أثير فضولك النائم لأن تسمع أغنية جميلة بعد قراءة هذا النص -أو ربما تلعنني وتلوم نفسك على تضييع وقتك على هذه التفاهات التي لا طائل منها- المهم أن أثير فضولك، وأخرجك من حالتك السابقة، وهمّك الذي لايعرف عنه أحد سواك.

من هذه الخاطرة، أحاول أن أعلن إليك رغبتي في أن تكون صديقي الطيب الذي قرأ هذا الكلام ومازال يقرؤه دونما هدف واضح سوى الانشغال في أي شيء يشعره بأنه ليس التائه الوحيد على هذه الحياة.

ولأجل أن أعلن لك نيتي الصريحة بمصادقتك، إليك قائمة الملهيات المقدسة التي تحافظ على صحتي في هذا العالم من المرض والكآبة:
-لا أنام مبكرًا لأنه لم يحدث أبدًا أن شعرت بالملل أو الرغبة في الهروب.
– أستمع للأغاني المكبلهة بشراهة لأن النوتات والأصوات والآهات نعمة تستحق الشكر.
– لا أتابع شيء يعتاد أن يتابعه الآخرون، وإن حدث فسيكون حتمًا باضطرار.
– أقرأ ما استطعت.
– ثرثار في حضرة من يفهمني، وصامت مستمع في حضرة من لا يفهمني، لا داعي لذكر أني بهذه الصفة أدّعي أني أفهم الكثير ممن لا يفهمني.
– عنيد للحد الذي أؤمن به بأني سوف أموت بطريقة هادئة بلا أصدقاء مهتمين.
– أضحك في داخلي كثيرًا لأني قد انتدبت الشخص الظريف لداخلي لأن يكلمني من غير ضجيج.
– وحنون بطريقة تضحكني جدًا.
– ذوق قديم وقناعات متغيرة باستمرار.

شكرًا على وقتك لقد أسعدتني بوصولك إلى هنا، ليلة سعيدة، خذ نسختك قبل الخروج:
https://soundcloud.com/haniita/s1vewnfgfl9v

وإنْ دنتْ ساعة موتي، سأقتلك نصًّا أو أن أموت.. سأقتلك نصًّا قبل أن أموت.

لم يكن الحلم حقيقة، بل كانت الحقيقة وهم.

كنت أعرفُ وأترقب هذه اللحظة منذ الصدمة الأجمل في حياتي، منذ الرعشة الألذ.
أنا لا أكبر على الكتابة ولا أستطيع أن أتجاهل أثرها الطاغي علي، وانعكاسها على شخصيتي، وكان لابدّ لي أن أفقد هذه السعادة كي أتوهج حزنًا، وأستغرق قلمًا، وأتساقط خذلانًا، أو أن أعالج وضعًا تكون فيه السعادة كحقيقة الحزن، وعلو غايته، ولمعان مرارته، وبعد نظره، وهذا بالطبع ضربٌ من المستحيل ، فكان ماكان بعد أن ظننت للحظة أنني استثناء بألّا يفارقني كما فارق الآخرين هذا الهناء.

كنت مستغرقًا فيك، خاشعًا لجمالك، مخبِتًا لأثرك الطاغي على روحي، كنت أؤجل كل عتاب ما استطعت، وأقدّم الأعذار تلو الأعذار، كنتُ أعرف أخطائي وكنت أعرف أنها كثيرة، فكنت أقابل كل خطأ منك بواحدٍ مما عندي، واستطعت أن أقابل كل خطأ إلّا خطيئة الملل؛ أن أقبل أن أحيا كمجرد رجل بعد أن كنت رجلك، وزوج فقط بدلًا من أكون الصديق والحبيب والسند والوتد والمرفأ والمنفى ، وبعده كله الزوج وشقيق الروح.

إنّ المحب إن عاش بسعادة فسوف يخفت بريق قلمه تدريجيًا وبملء إرادته، لكن ياحبيبتي ثمن أن أتوقف عن الكتابة إلى الأبد غالٍ جدًا، أغلى بكثير من هذا الثمن البخس الذي تقدمينه بطريقتك الباردة تلك، وبعد أن استنفذتِ وسعك وصبرك، ولم أمل أو أتخاذل، فليس لدي ما أقدمه سوى أن أخونك معك.

أن أعاقرك، وأسافر فيك،- ليس معك – وسأستبقي ما تبقى لك من محبة وبهاء وجلال كي يكون وقودي وقوتي بعدما أحرقتِ أغلبه بصبيانيتك ومللك وتخاذلك وهزلك وضياعك وضعف قراراتك وبلادتك وهجرك وحرقتي عليك .. أحرقتني.

ليس للمحبّ إلا حبّ واحد وماتبقى تعويضٌ وملء فراغات وأهواء ذات ضرورية لإكمال الحياة.. كنت أتمثل هذه الأبيات لفترة طويلة وكنت قد علمت أنه سيحين وقتها حتمًا:

تريدين أنْ أرضى بكِ اليومَ للهوى … وأعتادُ فيكِ اللهو بعد التعبّدِ

وألقاكِ جسمًا مستباحًا، وطالما … لقيتكِ جمّ الخوف ، جمّ التردّدِ

إذا لم يكنْ بدٌّ من الحانِ والطلى … ففي غيرِ بيتٍ كان بالأمسِ معبدي*

حتمًا في غيره ..
* الأبيات للأستاذ العقاد

على فرض أن أكون أنا

20140507-192408.jpg

نحن أبناء حياة واحدة هذا وصفٌ كلّما طرأ على بالي ارتعدت ، مضى من عمري ثلثه الآن – على فرض أنّي سأعيش معيشة رتيبة وأموت شيخًا – وهذا أيضًا يصيبني بخيبة ، من أنا ؟ هذا السؤال الذي تتعدد إجاباته بتعدد مزاجاتي وأهوائي وطموحاتي وخيباتي ، أنا ابن شعور لم يخب منذ كنت طفلًا وأنا أعرف أنّ بين جنبات هذا الجسد الهزيل روحًا تخاف قبل أن تثب لأنها تحسب العواقب ، وتثب أحيانًا بتهور لأنها تعرف أنّ المعاني خطّ أحمر ، وكم غيرت الحياة في قناعاتي وتشرّبت كؤوسًا كثيرة فلم أعد أعرف هل ذقت كلّ شيء ؟ أم أنّ حاسة الذوق لها حدّ أقصى لا تعود بعده تميّز.

فكرة أن تكون موجودًا الآن في هذه اللحظة تختبر الحياة ، تعيش المغامرة ، تستصحب كلّ حواسك فيها ، ولديك ذاكرة كمزوادة تخبّئ فيها مايعجبك – وكثيرًا مما لا يعجبك – ولديك عقل يرشدك وقلبٌ يزلّك وهوى يضلّك وهداية من الله تنتشلك كلّ مرة ، هذه الفوضى من المشاعر تعيش فيها كأنّك قد اختبرتها قبل هذا.

ثم اسألني بعد هذا عن الحب، عن الطمأنينة حدّ الأبد ، عن كونك تختبر شيئًا تعرفه ، عن كونك ترى عينًا تألفها ، عن تعترف بأنّك تضيع عندما تهتدي ، عندما تنام نومة الخالي من الهموم ، عندما يأكلك الشوق ، عندما تسعد كأنّك بلا قيود ، عندما تحزن كأنّك لعنة.