أحمرُ شفاهٍ لا أراه

أسفع كي أرى ما أنا قادرٌ عليه
لكنني أتراجع قبل أن أفعل
يمنعني الحياء عنه
ولأنني أخجل

ولئن استحثني أحدهم إلى حتفي
سوف أرحمه بإيلامه
وأموت وحدي

لماذا لا يُرى أثر الجروح على ناصيتي
تلك التي لم تختر إلا مقدمة الوجه
وإذا ما غفل أحدهم عنها يوما
فماذا تبقى لي كي أخبره
أنني موت مؤجّل
وطريقٌ وعرة
وروحٌ ضالّة عنه
إلى ذاك الذي يهدي إليّ ذاتي
وأهتدي إليه

مستحيلٌ أن يفعل الوجد فعلته
دون أن ينتقع دمي
وتجري على جسدي أثر الجروح
ويلثم مبسمي
بفمٍ وأحمر شفاهٍ
لا أراه

أحدّ من السكين
ولا يؤذي سوى نفسه
صبيٌ بالغَ في تصديق اللعبة

هذه السكّين قد ملّت من إدماء جدرانها
أصبحت تطمع بالمزيد
ولأنني وحيد
تمدّ يدها لمن أحبهم وتقطّعهم

الحياة أوسع من جرح
هي ركضٌ دائم
هربًا من احتمالين
يتغيران كل مرة

وحين يحلّ الصيف
تصبح الحياة صعبة
يغدو الليل عدوّ
والنهار مقصلة

كل مايستدعيه النسيان
زوجان من الأطباق
ليلٌ ونهار
شمسٌ وقمر
ذكرٌ وأنثى
ذلك أن التذكّر ثقيل
يهرب من أول الصباح

حزني قديمٌ ومألوف
تمامًا كوجهي أمام المرآة
لا أستطيع أن أعرف
ما إذا كان جميلًا أو قبيحًا
لأنه وجهي

الحبّ مسٌّ دائم
تمرّد على العقل
الذي يخبرك بأنّ لا أحد يلمسك
وتكذبه لأنك تحس بغير ذلك
وخيرٌ من ذلك
أن تكون أحمقًا في النهار
وحكيمًا في الليل

تضحك على توجدّي وبكائي
فلهما هذه المرة طعمٌ مختلف
طعم الأذى من جسدٍ آخر

وعندما عرفت أنها تستطيع
لا تنفك عن الطمع وتسأل بشراهة
هل من مزيد

فأنا لا أستطيع أن أقدر حجم الفاجعة
أن أموت بظروف لست بها
وأن أتألم بجسدٍ ليس لي
وأن أُحاسب بأفعالٍ
ليست في مدار تحكمي

“صبحت أحب الحب من بعد عشق الحبيب”

“أضحك مع الفرحان
وأبكي مع الباكيين
وأبات وأنا حيران
وأشكي؟ أشكي لمين”

لا يسلو المحب، وإن سلا؛ فإنه يسلو عن نفسه.
وتجري الأيام وصوارف الأقدار وظلم القريب ولامبالاة البعيد والسنين تعلّق على حيطانها أرقامًا لا تحمل في طياتها من معانٍ سوى أعمارنا، خيباتنا، فشلنا، خوفنا.

وراحة القلب العاشق استراحة محارب، يغفو دهرًا ويصحو لحظة تتحدد فيها وجهته، وأينما يمم فقبلته في شعوره الذي يداريه بين أضلاعه لا تحيد حتى تتكسر ولا ينكسر، ويظلّ يسهر رعايةً لمآرب وصغائر حبيبه التي يقدّسها ويجمعها قلائد ومشاهد وأشعارًا لأنها تذكره دومًا بأسباب بكائه ولوعته.

وللمحب أحوال لا يُعرف إلا بها ويتمنع عنها كي لا يُعرف، ومنها ومنها ومنها، حتى يصبح هو منها وإليها، هذه المحبة التي تظلل جوانحه وترقق عظامه وتؤرق مآقيه وتورق في لحيته أدمعًا وربيعا، ولولاها لمعة ما عُرف، ولولاها كبدٌ متورمة ماعَرف، ولولاها مناسبات حاسمة ما تنبّه، ولولاها معابد ماتحنّث، ولولاها أعياد ما احتفل، ولولاها خمرة ماسكر، ولولاها ترانيم ما تطرّب، ولولاها مضارب مارقّص.

ويا إيقاعًا في القلب ماعرفت من دونه كيف يحيا المرء بين جنبيه اللذين توحشا من لا مبالاة أشباه الأحياء. وربّ منفعة تستوجب شكرًا لسترها عريّ المقصد، وربّ فتنة لولاها ماسرح في معاني الحياة، ولولاها حياة ماعرف أنّ في الحياة مايستوجب الشكر والصبر والتضحية والبذل.

ويطيب الشك في رحاب الحب حيث وقر في القلب مالا يبرح وما يقيم، وتستقيم الذائقة حتى يرى المرء ماكان خافيًا عنه في ظلال السائد والسرديات الغالبة، ويهتدي القلب بعد ماكان طيّارًا في فضاء الله ينشد الخلاص، فالحمد حمد الواهب والود ود الحافظ والذكرى ذكرى المحب، ولا يعرف الحبيب الوفاء مالم يعرف الشقاء، بل يعرف أنّ الحياة متراكبة شأنها شأن الخلائق كلها فلا تكاد تخرج من أحدها إلا وقد دخلت في الآخر، ولا تكاد تستبينها مالم تُسقطه على ذاتك، ومن هنا تتبرعم الأنا والذائقة والثقة، ومن السياحة في وجوه الناس، ومن السياحة في فضاء الله؛ تعرف مالم يكد يعرف إلا بالحب والدعة والترقق والاستكانة والإخبات.

أما السلامة فلا سلامة، ومن هنا تتعضد النفس بالشجاعة وتتبرعم الطمأنينة فتورد في العينين سلامًا أخضرًا وحَورًا مستقيمًا وجمالًا مُهيبًا، لأن الفائت هو ما سيأتي لا ماقد مضى، وعليه فإنّ عليك أن تعي وتتفكّر في المخاطر القادمة كما لو كنت تقلّب صحيفة أطباق الطعام، العبرة فيما تشتهي لا في كونك ستشبع، فإنّك ميت وهم ميتون.

والمحبة شأنّ الراقصين طلبًا للوضوح لا طلبًا للتأكّد، فلا أحد يتأكد حق اليقين لكنه يختار بعينين واسعتين، ومهما استنفذت من جهد فالله أقدر، ومهما استبطنت من معانٍ فالله أعلم، ومهما مكرت من مكر فالله خير الماكرين.

راقصني يا حبيبي علّ علّة في النفس تزول،
ماتعني يا نديمي فالمنى منك هي المأمول
ومالحني فياللضحكة الصرفة على وجهك أبتاع بها متاع الدنيا. وللمحب أسرار لو علمها عن نفسه لزالت نفسه، لكنه يتذوقها ويستمتع ويدع كلفة المعرفة على الصانع، وكم تمنيت أن اكون صانعًا لكنني ذوّاق أكثر

وأحب الكتابة والحب من حبّ الحبيب. تذكري هذا و بلغيه عنّي.

قاموس التبريرات لرغبات محرّمة:الرقص أنموذجًا.

  • الرغبة في الرقص تأتي أولًا ثم من تريد أن تُراقص.
  • الرغبة بأن تتودد لأحدهم، تختار أن ترقص معه، تأتيك رغبة في الرقص.
  • الرغبة بأن تفعل شيئًا جميلًا وفاتنًا من أجل أن يُقال، فقد قيل.
  • الرغبة بإشعال شيئ ما قد انطفأ، تختار الرقص لأنك تجيد قراءة الإيقاع، أي أحد في المكان.
  • الرغبة بعيش الحياة بعد فوات الأوان، وبعد عمر من التضحيات التي لم تُقدر كما توقعت، ترقص لإغاظة الجميع.
  • الرغبة في الثورة على هذا المكان الذي – بادّعاء الانضباط – يتعالى على الرقص والفرح.
  • الرغبة التي لا تنقطع بفعل كل شيء مع أحدهم، الآن رقص، ومعه هو بالتحديد.
  • الرغبة بإشعال نار الغيرة في قلب أحدهم، لفتًا لانتباهه تراقص غيره.
  • الرغبة بإشاعة الحياة متمثلًا بالرقص، نرقص بشكل جماعي وبعفوية تامّة.
  • الرغبة بسريان الحياة في مفاصل هذا الجسد الخائر، تختار الرقص لأنك تحب تأمل شكلك في المرآة.
  • الرغبة بالرقص تقديرًا لهذه الأغنية الرائعة.
  • الرغبة بالهرب من هذا العقل السليط بتحريك الجسد المغلوب، ترقص وحدك.
  • الرغبة بإبهار ثلاث فتيات في الطاولة المجاورة ترقص ولاتخجل من إحراج أصدقائك.
  • الرغبة بالوصول إلى منبع الرغبات، ترقص لتتقرب لواهب الحياة.
  • الرغبة بالرقص لأن موسم الربيع على الأبواب، الرقص يقرّب الخل والرقص يغري على الكمال.
  • أرقص عرضًا فأرغب.
  • أرقص، أشعر بشيء جميل يسري في شراييني، أعاود الرقص استجلابًا له.
  • أرقص برقص صاحبتي، أرغب بالحياة الآن.
  • أرقص، أرغب، لا فرق بينهما.
  • يرقصون أمامي، أرغب بالرقص، أتخيل بأنني أرقص، أكتفي بالخيال.
  • أتتبع الصوت القادم من المنزل المجاور، موسيقى صادحة وأرواح تتراقص، أرقص منتشيًا في الخارج.
  • الرقص يحفّز الدوبامين وأنا أريد السعادة.
  • سمعت من أحدهم أنّ الرقص مفيد فرقصت.
  • رأيت فتاةً ترقص بجسد فاتن، أرقص كما ترقص، أغمض عيناي فأكون هي.
  • رأيت فتاةً ترقص بجسد فاتن، أرقص متتبعة خطواتها الرشيقة.

    يدّعي أنه يرقص دون سبب، يعترف بأنه يرقص دون سبب، يرقص دون أن يكترث بالسبب.
    كاذبٌ من يدّعي أنّه يعرف السبب، واهمٌ من صدّق أنه يعرف السبب.

طاووس متبخترٌ بريشه

انتفخت أوداجه، احمرّت وجنتاه، اتسع بؤبؤ عينه اليسرى بينما ظلّت حدقته اليمنى متصلبة مقاومة متأملة ترى كل الخراب الممكن والفوضى الوشيكة. ومضى بعقله المتعب بحساب عدد مرات نجاته: ثلاثٌ وثلاثون مرة كأحجار مسبحة عليها وقار عناية الإله؛ لكنّ هذه فتنة لا تشبه كل الفتون، هذه دعوة صريحة للغرق.

أجال ببصره في المكان بينما كانت بصيرته خائرة، جدران خضراء معتّقة بالأزرق، المقاعد رمادية لا تعطي أي إيحاء بالانتساب لوجهة، أزهارٌ على الطاولة التي تتوسط المكان، وإناء فخّارٍ منفوخ بماء وبضع قطرات من دمه هرعت للإناء في آخر مرة حاول فيها فتح نهايته الحادة ليرى مابداخله، ولم يكن لديه الوقت الكافي لملئه؛ رغم وفرة الماء.

هذا الطاووس لا يعرف التوقف عن التباهي بجمال خلقته، لا يقاوم رغبة إلا ليوقع نفسه بأكبر منها، لم يكن ليرضى بالمتاح والآني ولا حتى بالمتعارف عليه، لطالما كان يحدوه أملٌ إلى البعيد النائي والمتواري: كمعرفة أصل الفتنة، كفهم كيف يتكون الحب، أو عن مدى شبههما بالرغبة، هذا المسمى المتهتك منهما والداعي إلى إمكانية الشفاء.

يُشفى المرء من الرغبة حالما ينالها، ويتعرض للفتنة وتتعداه فيتعافى، لكنه إن توقف عن الحب فقد أضاع تفرّده، وعندما يدنو موته يتذكر طعم النشوة التي ما إن وصل إليها حتى علم أنها ليست مراده، ثم يتذكر شكل الطمأنينة التي تجاوزها للمعرفة ممتطيًا خوفه والكذب على الذات المتمثل بالمغامرة؛ ثم يتذكر بعدها معنى الحياة: القدرة على المحبة والاتساع المتمثل بالخروج من عمق القاع المليء بالماء إلى أن يصبح المحيط.

عدودي وعدوك قلة الصبر والحرص على نيل الوطر مظنة الشفاء أو الامتلاء، بينما كانت لتكفي نظرة واله، وترقب موعد لن يكون، كانت تكفي ضمة صدر مرتجف، كان يكفي منامة نحلم بها أننا بجانب بعضنا فنستيقظ وإذ بنا بجانب بعضنا، لا تقع الملامة على الهوى بل بالتسليم للشكوك وآثام الظنون.

أعيذك أسماءً ثلاثة: أعوذ بالرؤوف من أن ينالك غمّ اليتم، وأعوذ بالودود من أن يصيبك خوف الغربة، وأعوذ بالقيّوم من أن يكلك لشكوكك وحيرتك ورغبتك.

لم نعرف مكانًا آمنًا للحبّ

لا أتذكر أحدًا بعينه، أتذكرهم كلهم دفعة واحدة.
لم أهتم يومًا بالجرح الذي قد يخلفه نسياني لتفصيلٍ ما، بقدر ما اهتممت بالجرح الذي يخلفه نسيانهم لأنفسهم في منعطف عسير، كم من مرء خسر نفسه وخذلته مرونته، ألا إنّ المروءة هي مرونة التشكّل في تنّور الاحتمالات، ولم أعد أعرف لي وجهًا، كم مرّ عام حتى أصبحت ملامحي تشبه أيامي ولا تشبهني.

النظرة وحدها مالا يتبدّل، تظلّ صارخًة طلبًا للنجدة على الدوام، ودمعتها تاج الروح المثقلة بالخوف من المجهول: الغيب والظنون. كنت حينًا من الزمن دقيق في استخدام مصطلحاتي كي لا أضيع نفسي في منعطف تقلّب النوايا، لكنني ضيعتهم كلهم وبكيتهم كلهم- أولئك الذين يرفضون أن يروا مايوحدنا-.

وحده من يشعر بمعاناتك يراك، معاناتك وحدها هويتك الأصيلة، معاناتك من دون أي تفصيل يبررها أو يجمّلها، معاناتك التي تبدأ بمكابرة وتنتهي بدمعة الاعتراف بالخسارة، الاعتراف بالضعف، والاعتراف بالضياع.

في الأمس القريب كان الصبر وحده زادي، واليوم كلّ الأيام التي صبرتها تتقافز لاهية أمامي كأولادي الذين ربيتهم ورعيتهم وسهرت على شكواهم ونجواهم، وشربت خوفهم وشربوا مرارة إحساسي الحارق بقلّة الحيلة. لم أكتب منذ مدة لنفسي المتوارية، واليوم وحدها أذكاري ذكرياتي، ولا أحد يرثي نسخة الخوف المتصلبة في جوفي عن هذا الذي لا أعرفه وأصبح أنا.

كم من رأى وأشاح بنظره مخافة الالتصاق بحزن جارف، ياليلي الطويل لم أعد أراك طويلا بما يكفي لاحتمال تبريحي، وإن انشغل الناس بعيشهم وعشهم فإنك لا تنفك تعشعش في باب الحقيقة، تفكك معي كل إغماض وكل زلة وكل حيرة، ونستيقظ معًا في الصباح تذهب إلى الجانب الآخر من العالم وتتركني لهمّي.

لكنها لم تيأس وظلّت تراني، تزايلني وتحايلني، أشعر بها وتشعر بي، رغبة تبدد كل المخاوف، رغبة تستجمع كل الأسئلة في ناحيتها، أحسست معها بأنّ الليل ليس أصل بل بدل، وأنّ النهار ليس قدر بل هبة، وبأنني أضعت عمري دون أن أحفظ معها أسماء الزهور وأشكال النجوم ومواسم هجرة الطيور، كنت أحبس دمعتي مخافة تنبيهها لحزني وعلمت أنها تنهمر في خدّي البعيد وترققه.

كنت أسأل نفسي دائمًا هذا السؤال: كيف تعرف أنّ يدك هي يدك لولا سيالات العصب الحيّ ؟ ومن هنا عرفت أنها تنتمي لي وأنتمي لها من ذات المكان الحيّ في داخلي، نبضٌ يؤجج كل أشكال الحياة، و بمعيتها علمت كيف ينحسر البصر وتتقوى البصيرة، وكيف يخسأ العقل وتتعزز الرغبة، وكيف تندلق الحياة من مفرق صخرة، نعم لقد وجدنا غريبين معًا.

عامٌ بأكمله كان منعطفًا أنساني كل فلسفاتي وعرّفني على نفسي جيدًا، ومعرفة كهذه تغضب كلّ من لا يريد للحياة أن تتغير، رأيت أناسًا يلفظون نعمة الله ويشترون تدبيرهم.

قلبي لا ينام لكنه مطمئن يا كل أطفالي، وأنت النظر كل النظر.

خالَ عندما عمّمَ أنّه أفحمْ وخالَ عندما سلّمَ أنّه يسلم

عمّموا ظنّي في كلّ الأرجاء، صدّقوا خيالي كي لا أجعلكم خيالًا، سيكون مخيفًا أن تهملوا خيالكم الحرّ في البداية، لكنه لن يكون أكثر وحشية من أن تخسروا حيواتكم وتحيون في منامات أحبابكم، أو تخسروا حرّيتكم و تحيون في مناماتكم الطلقة داخل زنازيني.

لكننا إن أهملنا خيالنا الحرّ وصدقنا خيالك وحدك ستكون تلك زنزانتنا الكبيرة يحكمها وهمك وظنّك، ربما لو بذلت جهدًا أكبرَ في فهم خيالك وتفنيده لأقنعتنا به وجنبتنا فتنة التخلّي عن حياة الحلم أو حياة الواقع.

لا تهمل خيالك يا حليم ولا تصدّقه وكن بين هذا وذاك كمحلحل الحديد من محبسه ومخلخل الحبّ في مشبكه، إن تصفية الحقيقة من أوهام المتسلطين مهمّة الأنبياء والصالحين، كيف يكون على المرء وزرٌ إن أراد أن يعرف ماهو صائب ولا يكون عليه وزر إن أراد أن يعرف ماهو نافع ؟

وبين النافع والصائب تمتحن كل النوايا مابين راغب في ثمرة عاجلة ويدّخر توبة عمّا يظنّ أنه خاطئ، وبين صابرٍ عنها ظانّا أنها إن ذهبت عنه لن يُمتحن بما هو أكثر إغراءٍ منها. وحسب التوبة أن تكون ديدن ولا تكون غاية وحسب المرء أن يعرف أن الذنب ليس جنحة بل أن الذنب هو الإصرار على الجهل والجهل ليس أصلًا في المرء بل إنما هو طارئ النسيان إذا دانت الرغبة، وكيف يجهل من تعلّم في ذاكرته كل الأسماء، وكيف يجهل من أُخذت ذرّا من ظهر أبيه الأوّل شهادته، وكيف يجهل من كان له رابطة متصّلة بضرورة الخلق وضرورة الحفظ وضرورة الوجود.

لا تهمل خيالك يا سقيم فاليوم تُؤتى من مكامن رغبتك وغدًا تؤتى من مكامن رغبات الآخرين من حولك، لا تهمل خيالك فهو شجاعتك فسوف يأتي عام لا يبقى على الأرض طوّاف ولا مخيال سوى الرواية السائدة أو التطهير بحجّة الصلاحية والإنتاجية، ليتحول الناس من بُؤر للإله إلى مسوخ للطاغوت.

وبين المفيد للفرد والسائغ للجماعة يُمتحن الإيمان من النفاق ، كيف يستخلص المرء نفسه من براثن الهوية المحدودة إلى براح الهوية المطلقة دون أن يكون ضارًّا على دائرته الخاصة، كيف يكون المرء شعلة لا قنبلة، وكيف يقنع بها من حوله حين يشتعل أن ذلك لإضائتهم لا لحرقهم، إن السائغ هو الوعاء الذي يحلل لك ماكان حرامًا لو فعلته بشكلٍ لا يليق، وإن الجماعة من كثرتهم مصابون بعشى الشكل أكثر من المقصد، والفرد مصابٌ وحده بشدّة البصيرة لكن بما يخص شأنه وحده. والناس امتحان القلب الرؤوف وامتحان العقل السليط وامتحان الرحمة الرحمانية.

لا تهمل خيالك ياعليم فإنّ الخيّر وحده من يسمع والبقية مؤدّون، والسماع على قدر فهم المنادى، والوحي قدرتك على التخلّص من خيالات نفسك وقرينك وخيالات الناس من حولك إلى ماهو أعظم منها وأسلم لك وللناس، ومن يطلب الخيرية ينلها ولو على رأس جبل أو في بطن غار، ألا إن لا أحدًا ينال الخيرية إلا من اعتزل في رأس جبل أو في بطن غار، وتبقى شجاعة التبليغ وصعوبة الترجمة وحنو القلب على الأصم والأعمى.

لا تهمله ولا تتسرع في تصديقه فإن الأماني مدخولة والوهم مشروك والروح مزار وعليك بالصبر في تحمّل جنونه وتحمّل نفخه ومجونه وتحمّل حّدته عند شدة يقينه، واحرص على ألا تفقأ الحاوي قبل أن تنال ما أردت نيله فإن الستر إن زال لا يعود أحدٌ يسمعك ولا تعود أنت إن رأيت مكانك الأبدي كي تحسّنه.

ترسٌ في ترسانة

الروابط التي تصلك بغيرك تشفع لك لأن تحمل مكانتك التي أنت عليها، بعضها اختارك وبعضها اخترته، ومابين التخيير والتسيير طبقات من اعتقاد الألمعية وضربات الأقدار المعدّة سلفًا، وكأنها صور الخداع البصري* فإن بعض الدوائر التي لا تعيرها تركيزك كاملًا تدور وعلى فمها ضحكة. وتلك الثابتة لأنك تحرقها وتريد أن تسجل عليها ملاحظاتك وادعاء استحكامك على مصيرك.

وعلى جملة تحمل وزن أبي حامد: ” الإنسان مخيّر فيما يعلم مُسيّر فيما لا يعلم”، نُدير الترس ولأننا نراه دون غيره يسير بحرّية وسرعة نتحكم بها، نظن أننا نستحكم، وإذا ما أُريد لنا أن نرى ترسانة الأتراس مُجملة لوجدنا أن ترسًا يتحرك بسرعة زائدة لأننا نغفل عنه، وسرعة متزنة عندما ننتبه له، ويقف بثبات عندما نشدد تركيزنا عليه، أما الترسانة خارج ملاحظاتنا فهي ثابتة السرعة وركيزتها آمنة بل وهي أيضًا تضحك كما تضحك تلك الدائرة التي تتغافل عنها ولم تغفل هي عنك.

الفرد كيانٌ كامل ذا وحدة مدركة ومعترفٌ بها، ويقول أنه حرّ، حرّية كاملة قادرة على طمس هذا الكيان أو الهوية إن شاء، تفضيلاته تعليمه أملاكه أحماله أحزانه إقدامه نواياه أفعاله وحتى أحقاده، تميّزه وتعرّف عنه، وكلما ابتعدت عنه قليلًا واقتربت من أفراد عائلته تناقص تفرّده، زد في البعد حتى تصل لأقاربه، أبناء حارته، أصدقاؤه، أبناء بلده، لسانه أو جنسه، وفي كل طبقة هناك تشابه يمثّل ترسًا في ترسانة متناسقة، وهناك خديعة بريئة وأصيلة ومفارقة تدعو للاستعجاب والضحك حول العقل الذي يلاحظ ويرى، كما ترى تلك الدائرة التي تراك فتتحرك وتراها فتقف.

*optical-illusions-2

رأسًا من الأعمق ، غرقًا في الأزرق

أنت خلف الآثام

وماوراء الخير والشر

أنت خلف الواضح والغامض

وماوراء الهمس والسر

أنت دائمًا خلف البحر

تحت الزوارق

في ظلال الخبيئة والخطيئة

وفوق الفضائل

في الأحمر والأزرق

في الدافئ والبارد

وفي كل فعلٍ بريءٍ أو آبق.

أنت في هطول المطر

أراك الغصين الرطيب

وفي أزرق اللهيب

تحت غضبة النار

تختفين وراء الحرائق

من وراء الشعلة والفتنة

تذكين قلبي

وتسمرين مع ليلي وهواجسي

مع خبيئتي وستري

تتلمسين أشد أسراري كتمانا

وتحفظين روحي

ترققين أسوار سكينتي

وتقبّلين أهداب عيني

في سكون الحواجب

تحمين إيقاع النص

بطرْف يشيح عندما يغتال

ويعزّي عندما يخشع

و أشعر أنني على وشك لفظ روحي من شدّة الأنس

وأشعر أنّ هذه الغفوة لن يوقظني منها أحد

وأشعر أنّ السماء في صدري

والأرض لا تكف عن الدوار

وتتغشاني سكينة العارفين الصامتين

أوّل من ينطق منهم

أوّل من يجزع.

وأكره أن آكل سوى من أجل البقاء أطول في هذا الفلك

وأكره أن أعمل سوى من أجل إيجاد قوت مبسمك

وأكره أن أقول سوى من أجل التعطّر بوصفك

وأكره أن أسافر عنك سوى من أجل العودة إليك

وأكره أن أقول هذا بيتي سوى أن يكون مسكنك

وأكره غموض الشر سوى من أجل أن تتسلي بتفاهة من هلك

وأكره عتاب الناس سوى من أجل رفع الكلفة من قِبلك

وأكره التكلف في الكلام ما خلا أن أعجم عليهم وأعرب لعجمتك.

سلام عليك لم يبقَ في داخلي مكانٌ إلا و تترجم

ولا أقول أنني مشتاق ولكن التوق في داخلي قد تحجّم

فأبيضٌ يخيفني

وأسودٌ يبهجني

وأزرقٌ يسرقني

وأخضرٌ يحييني

وأحمرٌ يطاول المسافة

كي يبعث السلام

على من سكن الفؤاد

وضمن الحشا.

أنا تكرار السعادة بك.

بَلَلُ الندى

في زمرة المنتظرين قف في صفّ المتأمّلين واترك عنك صف المؤمّلين، فعندما تستحيي أغمض عينيك وأترك قلبك حرًّا طليقًا، فهو الذي يرى رأي الحقّ.

خذ فسحة من الرباط وتأمّل كيف لك أن تذكي نارًا إن أردت أو تجري نهرًا من الأحزان، ولا تخشَ من الضياع فالمرايا لا تريك إلا نصف الحقيقة عن ذاتك.

لقد قال السابقون كل شيء، وأعتقد أنه لم يبقَ من مثل إلا وقد ضُرب سواء أضلّ هذا المثال أو هدى، لكن مالم يقل بعد هو أن تقول أنت لنفسك مافي نفسك وتعتنقه كحقيقة.

ذهب الأموات بالأحياء إلى المقابر ولم يبقَ إلا خيال ذكراهم والذاكرة المحملة بالأماكن والمزارات والآلام والمعاناة؛ حيث المعاناة هي لوحة مرسومة على جدار في شارع فارغ وحيّ مغمور بالهزيمة والحزانى.

لم يبقَ إلا خيال المغامرة من المغامرة، لم نسافر ولم نقامر، لم نحصّل من الأيّام إلا فرصة أننا نستطيع دون أن نفعل، ولم نتمكن من السفر لكننا فكّرنا به مليًّا، ولم نحدس إلا مايبقينا أحياء دون تحويله إلى مخاطرة تستحق التذكّر عندما تصبح الأيام رتيبة.

لم يبقَ إلا خيال الصدفة التي نستلهمها من فوضوية الأقدار، حيث عقولنا أقلّ من أن تحرّك الوجود في صالحنا، أو أننا لا نعرف حقًّا مايصبّ فعلًا في مصلحتنا أكثر من كوننا حالمين.

لم يبقَ إلا خيال المنام حرًّا وطلقًا يصطدم بالمستحيل كل مرة فنستيقظ على قيود الواقع وتكسّر الفرص الممكنة، ونستطلع السماء فلا نجد إجابة كافية سوى الصبر، ونستشرف المستقبل ولا نجد تطمينًا منطقيًا سوى كلمة “محتمل” واحتبال الأيام بالحظ، ونسير عميانًا أو عورانًا ونغمض عينًا من أجل بركة الحظ في حال لو ضحكت الأيام نعاود المحاولة.

لم يبقَ إلا خيال الأسئلة المفتوحة والإجابات التي لم تتحدد بعد، ونفزع من ملء الفراغ كي لا نضطر إلى تفويت إجابة أكثر اتساقًا، والجهل علامة الحياة، حيث أنّ الجهل هو تجدد الفرصة لعملٍ أكثر إتقانًا من سابقه، و تبقى الكتابة عن الأسئلة لعنة الإجابة المفتوحة، ونهرب منها إلى السرد المحفز على فتح الأبواب بدلًا من إيصادها.

لم يبقَ إلا الموسيقى لتحلّ مكان الكلمات التي لم تُخترع بعد، وسدّ فراغ محدودية الفضاء المشترك من التخاطب الممكن في حال لم تكفِ الكلمات للتواصل، الموسيقى واللمس والنظرات والأصوات الحرّة التي لا تقيد المعاني بأوعية يُقال لها كلمات.

لم يخلق الله شيئًا قبل الماء، فابحث عن البلل تجد الحياة، وابحث عن الحياة تجد الجمال، وابحث عن الجمال تجد الحبور، وابحث عن الحبور تجد كونًا فسيحًا يعيدك إلى الماء، إلى الله.

الأسئلة: طريقةٌ مضمونة وفريدة لغربلة المسلّمات.

يسألني حبيبي دائمًا: ماهو الحب؟.
وتكون إجابتي كل مرة مختلفة، وغالبًا ماتكون في الصمت.

لذيذٌ هو الإدراك للحد الذي لا تريد بعده للعالم أن يتحرك، ولكنّه يتحرك وتختلف الأشياء حين يتحرك وتختلف قناعاتك حول ما أدركته ولعلك تنسى ماكنت قد أدركته، ويظلّ أثر لذّة الإدراك باقيًا في خلدك، وتتمنى لو يعود.

الجبان هو شخصٌ يقدّر بشدة السلامة، عوضًا عن الفهم – أي التعرض للمتاعب- وقد كنت أعتقد قبلُ أنّ الجبان هو من ينسحب من العراك لمجرد أنه حول شيء لا يستحق، وقد يقول قائل أنك تناقض نفسك في تبرير مايستحق ومالا يستحق حيث أنها هي السلامة، لكنّ الفهم يستحق وأستطيع تبرئة نفسي من التهمة حيث أنني لا أتذكر آخر مرة لم ألعب بها كرة القدم دون أن أخرج نازفًا.

لكن من هو القوي؟ أدرك الآن أن القوي هو كل من هو أقوى منك وليس أنت، فبالتأكيد أنت قوي جدًا في نظر أحدهم لكنك لست كذلك في نظر نفسك، حيث أنّ القوة هي طلب الزيادة في شيء لن تصل غايته أبدًا، وكنت أعتقد قبلُ أنّ القوة هي أبي.

والذكي لو سألتني عنه فسأقول لك هو الذي يتذكر الأشياء التي تنساها على الدوام، النبيه الذي ينصب انتباهه دومًا للأشياء التي لا تراها، فإن كان يراك كذلك فقد رأى فيك مارأيته فيه، وإن كان يراك عكس ذلك فلأنه لا يستهويه الجانب الذي يسترعي انتباهك.

الحكم بإزاء الحال، وشجاعة السؤال، نافذة الأنا، كم كنت مذنبًا في نظر الآخرين وتحسب أنك محسنًا، وكم كنت مذنبًا في نظر ذاتك ويراك الآخرون ملاكًا، من يزكي من وهل تكون التزكية بعد الإنجاز أم قبله؟ أم ليس من الضروري أن يكون الإنسان مفيدًا كي يكون مستحقًا لأن يحيا؟ ربما الحياة ذاتها دلالة الضرورة.

السياحة في السؤال أورثتني بعدًا مثقلًا ولكنه كاشف:
عندما ترغب لا تستطيع أن تحكم بوضوح، وعندما تحكم بوضوح هذا يعني أنك لا ترغب في شيء.

فإذا كنتُ يا إلهي الميزان، فكيف أكون أيضًا الإنسان؟
وإذا كنت مذنبًا ورقيبًا، فلماذا أشعر أيضًا بأني عارفٌ وجهول؟
وإذا كنت أشتهي وأموت، فكيف أحبّ وأتوق إلى المعنى؟

ولي حكمٌ يدحضه الزمن، ولي كبرٌ يتعبني تحطيمه كل صباح، ولي إلفٌ لبعض الأرواح دون أن أعرف ماهو المفتاح، ولي نفورٌ من بعضها وإن كنت أعرف سبب نفوري عندما أنفر. ويحسبني الناس على شيء وحسبي أنّي تائه في الملكوت، وأحسب أنهم على شيء فإذا هم يلهثون خلف السراب.

وأتذكر مرّة حجم مسؤولية الوجود عندما تأملتُ بابًا أريد أن أرى ماخلفه، ولا أريد أن أنسى الإنسان الذي كان يريد قبل أن تتفتح الأبواب. ولي في كل ليلة نظرة نحو السماء لنجمتين متقابلتين – على الأقل هما نجمتان في نظري- تلمعان بتناغم مريح يجعلني أعرف كل ليلة من أنا بعد ضياع اليوم.

بداخلي محكمة قديمة قانونها لا يشبه أي قانونٍ معاصر، وبداخلي طفل بقلب متوحش لا يألف اللطف لكنه يألف الصدق، وبداخلي ماجنٌ يحصي لي كل ليلة مافاتني من المتع، وبداخلي ألف قصة لم تروَ بانتظار إشارةٍ ما، إشارةٌ تجعل لرواية القصة لذة تشبه لذة الإدراك التي تظل باقية في خلدك بعد أن تتغير إجابة السؤال كل مرة، فتنسى الإجابة ويبقى السؤال، ويظلّ أثر اللذة باقيًا بداخلك وتتمنى دائمًا أن يعود.