خالَ عندما عمّمَ أنّه أفحمْ وخالَ عندما سلّمَ أنّه يسلم

عمّموا ظنّي في كلّ الأرجاء، صدّقوا خيالي كي لا أجعلكم خيالًا، سيكون مخيفًا أن تهملوا خيالكم الحرّ في البداية، لكنه لن يكون أكثر وحشية من أن تخسروا حيواتكم وتحيون في منامات أحبابكم، أو تخسروا حرّيتكم و تحيون في مناماتكم الطلقة داخل زنازيني.

لكننا إن أهملنا خيالنا الحرّ وصدقنا خيالك وحدك ستكون تلك زنزانتنا الكبيرة يحكمها وهمك وظنّك، ربما لو بذلت جهدًا أكبرَ في فهم خيالك وتفنيده لأقنعتنا به وجنبتنا فتنة التخلّي عن حياة الحلم أو حياة الواقع.

لا تهمل خيالك يا حليم ولا تصدّقه وكن بين هذا وذاك كمحلحل الحديد من محبسه ومخلخل الحبّ في مشبكه، إن تصفية الحقيقة من أوهام المتسلطين مهمّة الأنبياء والصالحين، كيف يكون على المرء وزرٌ إن أراد أن يعرف ماهو صائب ولا يكون عليه وزر إن أراد أن يعرف ماهو نافع ؟

وبين النافع والصائب تمتحن كل النوايا مابين راغب في ثمرة عاجلة ويدّخر توبة عمّا يظنّ أنه خاطئ، وبين صابرٍ عنها ظانّا أنها إن ذهبت عنه لن يُمتحن بما هو أكثر إغراءٍ منها. وحسب التوبة أن تكون ديدن ولا تكون غاية وحسب المرء أن يعرف أن الذنب ليس جنحة بل أن الذنب هو الإصرار على الجهل والجهل ليس أصلًا في المرء بل إنما هو طارئ النسيان إذا دانت الرغبة، وكيف يجهل من تعلّم في ذاكرته كل الأسماء، وكيف يجهل من أُخذت ذرّا من ظهر أبيه الأوّل شهادته، وكيف يجهل من كان له رابطة متصّلة بضرورة الخلق وضرورة الحفظ وضرورة الوجود.

لا تهمل خيالك يا سقيم فاليوم تُؤتى من مكامن رغبتك وغدًا تؤتى من مكامن رغبات الآخرين من حولك، لا تهمل خيالك فهو شجاعتك فسوف يأتي عام لا يبقى على الأرض طوّاف ولا مخيال سوى الرواية السائدة أو التطهير بحجّة الصلاحية والإنتاجية، ليتحول الناس من بُؤر للإله إلى مسوخ للطاغوت.

وبين المفيد للفرد والسائغ للجماعة يُمتحن الإيمان من النفاق ، كيف يستخلص المرء نفسه من براثن الهوية المحدودة إلى براح الهوية المطلقة دون أن يكون ضارًّا على دائرته الخاصة، كيف يكون المرء شعلة لا قنبلة، وكيف يقنع بها من حوله حين يشتعل أن ذلك لإضائتهم لا لحرقهم، إن السائغ هو الوعاء الذي يحلل لك ماكان حرامًا لو فعلته بشكلٍ لا يليق، وإن الجماعة من كثرتهم مصابون بعشى الشكل أكثر من المقصد، والفرد مصابٌ وحده بشدّة البصيرة لكن بما يخص شأنه وحده. والناس امتحان القلب الرؤوف وامتحان العقل السليط وامتحان الرحمة الرحمانية.

لا تهمل خيالك ياعليم فإنّ الخيّر وحده من يسمع والبقية مؤدّون، والسماع على قدر فهم المنادى، والوحي قدرتك على التخلّص من خيالات نفسك وقرينك وخيالات الناس من حولك إلى ماهو أعظم منها وأسلم لك وللناس، ومن يطلب الخيرية ينلها ولو على رأس جبل أو في بطن غار، ألا إن لا أحدًا ينال الخيرية إلا من اعتزل في رأس جبل أو في بطن غار، وتبقى شجاعة التبليغ وصعوبة الترجمة وحنو القلب على الأصم والأعمى.

لا تهمله ولا تتسرع في تصديقه فإن الأماني مدخولة والوهم مشروك والروح مزار وعليك بالصبر في تحمّل جنونه وتحمّل نفخه ومجونه وتحمّل حّدته عند شدة يقينه، واحرص على ألا تفقأ الحاوي قبل أن تنال ما أردت نيله فإن الستر إن زال لا يعود أحدٌ يسمعك ولا تعود أنت إن رأيت مكانك الأبدي كي تحسّنه.

ترسٌ في ترسانة

الروابط التي تصلك بغيرك تشفع لك لأن تحمل مكانتك التي أنت عليها، بعضها اختارك وبعضها اخترته، ومابين التخيير والتسيير طبقات من اعتقاد الألمعية وضربات الأقدار المعدّة سلفًا، وكأنها صور الخداع البصري* فإن بعض الدوائر التي لا تعيرها تركيزك كاملًا تدور وعلى فمها ضحكة. وتلك الثابتة لأنك تحرقها وتريد أن تسجل عليها ملاحظاتك وادعاء استحكامك على مصيرك.

وعلى جملة تحمل وزن أبي حامد: ” الإنسان مخيّر فيما يعلم مُسيّر فيما لا يعلم”، نُدير الترس ولأننا نراه دون غيره يسير بحرّية وسرعة نتحكم بها، نظن أننا نستحكم، وإذا ما أُريد لنا أن نرى ترسانة الأتراس مُجملة لوجدنا أن ترسًا يتحرك بسرعة زائدة لأننا نغفل عنه، وسرعة متزنة عندما ننتبه له، ويقف بثبات عندما نشدد تركيزنا عليه، أما الترسانة خارج ملاحظاتنا فهي ثابتة السرعة وركيزتها آمنة بل وهي أيضًا تضحك كما تضحك تلك الدائرة التي تتغافل عنها ولم تغفل هي عنك.

الفرد كيانٌ كامل ذا وحدة مدركة ومعترفٌ بها، ويقول أنه حرّ، حرّية كاملة قادرة على طمس هذا الكيان أو الهوية إن شاء، تفضيلاته تعليمه أملاكه أحماله أحزانه إقدامه نواياه أفعاله وحتى أحقاده، تميّزه وتعرّف عنه، وكلما ابتعدت عنه قليلًا واقتربت من أفراد عائلته تناقص تفرّده، زد في البعد حتى تصل لأقاربه، أبناء حارته، أصدقاؤه، أبناء بلده، لسانه أو جنسه، وفي كل طبقة هناك تشابه يمثّل ترسًا في ترسانة متناسقة، وهناك خديعة بريئة وأصيلة ومفارقة تدعو للاستعجاب والضحك حول العقل الذي يلاحظ ويرى، كما ترى تلك الدائرة التي تراك فتتحرك وتراها فتقف.

*optical-illusions-2

رأسًا من الأعمق ، غرقًا في الأزرق

أنت خلف الآثام

وماوراء الخير والشر

أنت خلف الواضح والغامض

وماوراء الهمس والسر

أنت دائمًا خلف البحر

تحت الزوارق

في ظلال الخبيئة والخطيئة

وفوق الفضائل

في الأحمر والأزرق

في الدافئ والبارد

وفي كل فعلٍ بريءٍ أو آبق.

أنت في هطول المطر

أراك الغصين الرطيب

وفي أزرق اللهيب

تحت غضبة النار

تختفين وراء الحرائق

من وراء الشعلة والفتنة

تذكين قلبي

وتسمرين مع ليلي وهواجسي

مع خبيئتي وستري

تتلمسين أشد أسراري كتمانا

وتحفظين روحي

ترققين أسوار سكينتي

وتقبّلين أهداب عيني

في سكون الحواجب

تحمين إيقاع النص

بطرْف يشيح عندما يغتال

ويعزّي عندما يخشع

و أشعر أنني على وشك لفظ روحي من شدّة الأنس

وأشعر أنّ هذه الغفوة لن يوقظني منها أحد

وأشعر أنّ السماء في صدري

والأرض لا تكف عن الدوار

وتتغشاني سكينة العارفين الصامتين

أوّل من ينطق منهم

أوّل من يجزع.

وأكره أن آكل سوى من أجل البقاء أطول في هذا الفلك

وأكره أن أعمل سوى من أجل إيجاد قوت مبسمك

وأكره أن أقول سوى من أجل التعطّر بوصفك

وأكره أن أسافر عنك سوى من أجل العودة إليك

وأكره أن أقول هذا بيتي سوى أن يكون مسكنك

وأكره غموض الشر سوى من أجل أن تتسلي بتفاهة من هلك

وأكره عتاب الناس سوى من أجل رفع الكلفة من قِبلك

وأكره التكلف في الكلام ما خلا أن أعجم عليهم وأعرب لعجمتك.

سلام عليك لم يبقَ في داخلي مكانٌ إلا و تترجم

ولا أقول أنني مشتاق ولكن التوق في داخلي قد تحجّم

فأبيضٌ يخيفني

وأسودٌ يبهجني

وأزرقٌ يسرقني

وأخضرٌ يحييني

وأحمرٌ يطاول المسافة

كي يبعث السلام

على من سكن الفؤاد

وضمن الحشا.

أنا تكرار السعادة بك.

بَلَلُ الندى

في زمرة المنتظرين قف في صفّ المتأمّلين واترك عنك صف المؤمّلين، فعندما تستحيي أغمض عينيك وأترك قلبك حرًّا طليقًا، فهو الذي يرى رأي الحقّ.

خذ فسحة من الرباط وتأمّل كيف لك أن تذكي نارًا إن أردت أو تجري نهرًا من الأحزان، ولا تخشَ من الضياع فالمرايا لا تريك إلا نصف الحقيقة عن ذاتك.

لقد قال السابقون كل شيء، وأعتقد أنه لم يبقَ من مثل إلا وقد ضُرب سواء أضلّ هذا المثال أو هدى، لكن مالم يقل بعد هو أن تقول أنت لنفسك مافي نفسك وتعتنقه كحقيقة.

ذهب الأموات بالأحياء إلى المقابر ولم يبقَ إلا خيال ذكراهم والذاكرة المحملة بالأماكن والمزارات والآلام والمعاناة؛ حيث المعاناة هي لوحة مرسومة على جدار في شارع فارغ وحيّ مغمور بالهزيمة والحزانى.

لم يبقَ إلا خيال المغامرة من المغامرة، لم نسافر ولم نقامر، لم نحصّل من الأيّام إلا فرصة أننا نستطيع دون أن نفعل، ولم نتمكن من السفر لكننا فكّرنا به مليًّا، ولم نحدس إلا مايبقينا أحياء دون تحويله إلى مخاطرة تستحق التذكّر عندما تصبح الأيام رتيبة.

لم يبقَ إلا خيال الصدفة التي نستلهمها من فوضوية الأقدار، حيث عقولنا أقلّ من أن تحرّك الوجود في صالحنا، أو أننا لا نعرف حقًّا مايصبّ فعلًا في مصلحتنا أكثر من كوننا حالمين.

لم يبقَ إلا خيال المنام حرًّا وطلقًا يصطدم بالمستحيل كل مرة فنستيقظ على قيود الواقع وتكسّر الفرص الممكنة، ونستطلع السماء فلا نجد إجابة كافية سوى الصبر، ونستشرف المستقبل ولا نجد تطمينًا منطقيًا سوى كلمة “محتمل” واحتبال الأيام بالحظ، ونسير عميانًا أو عورانًا ونغمض عينًا من أجل بركة الحظ في حال لو ضحكت الأيام نعاود المحاولة.

لم يبقَ إلا خيال الأسئلة المفتوحة والإجابات التي لم تتحدد بعد، ونفزع من ملء الفراغ كي لا نضطر إلى تفويت إجابة أكثر اتساقًا، والجهل علامة الحياة، حيث أنّ الجهل هو تجدد الفرصة لعملٍ أكثر إتقانًا من سابقه، و تبقى الكتابة عن الأسئلة لعنة الإجابة المفتوحة، ونهرب منها إلى السرد المحفز على فتح الأبواب بدلًا من إيصادها.

لم يبقَ إلا الموسيقى لتحلّ مكان الكلمات التي لم تُخترع بعد، وسدّ فراغ محدودية الفضاء المشترك من التخاطب الممكن في حال لم تكفِ الكلمات للتواصل، الموسيقى واللمس والنظرات والأصوات الحرّة التي لا تقيد المعاني بأوعية يُقال لها كلمات.

لم يخلق الله شيئًا قبل الماء، فابحث عن البلل تجد الحياة، وابحث عن الحياة تجد الجمال، وابحث عن الجمال تجد الحبور، وابحث عن الحبور تجد كونًا فسيحًا يعيدك إلى الماء، إلى الله.

الأسئلة: طريقةٌ مضمونة وفريدة لغربلة المسلّمات.

يسألني حبيبي دائمًا: ماهو الحب؟.
وتكون إجابتي كل مرة مختلفة، وغالبًا ماتكون في الصمت.

لذيذٌ هو الإدراك للحد الذي لا تريد بعده للعالم أن يتحرك، ولكنّه يتحرك وتختلف الأشياء حين يتحرك وتختلف قناعاتك حول ما أدركته ولعلك تنسى ماكنت قد أدركته، ويظلّ أثر لذّة الإدراك باقيًا في خلدك، وتتمنى لو يعود.

الجبان هو شخصٌ يقدّر بشدة السلامة، عوضًا عن الفهم – أي التعرض للمتاعب- وقد كنت أعتقد قبلُ أنّ الجبان هو من ينسحب من العراك لمجرد أنه حول شيء لا يستحق، وقد يقول قائل أنك تناقض نفسك في تبرير مايستحق ومالا يستحق حيث أنها هي السلامة، لكنّ الفهم يستحق وأستطيع تبرئة نفسي من التهمة حيث أنني لا أتذكر آخر مرة لم ألعب بها كرة القدم دون أن أخرج نازفًا.

لكن من هو القوي؟ أدرك الآن أن القوي هو كل من هو أقوى منك وليس أنت، فبالتأكيد أنت قوي جدًا في نظر أحدهم لكنك لست كذلك في نظر نفسك، حيث أنّ القوة هي طلب الزيادة في شيء لن تصل غايته أبدًا، وكنت أعتقد قبلُ أنّ القوة هي أبي.

والذكي لو سألتني عنه فسأقول لك هو الذي يتذكر الأشياء التي تنساها على الدوام، النبيه الذي ينصب انتباهه دومًا للأشياء التي لا تراها، فإن كان يراك كذلك فقد رأى فيك مارأيته فيه، وإن كان يراك عكس ذلك فلأنه لا يستهويه الجانب الذي يسترعي انتباهك.

الحكم بإزاء الحال، وشجاعة السؤال، نافذة الأنا، كم كنت مذنبًا في نظر الآخرين وتحسب أنك محسنًا، وكم كنت مذنبًا في نظر ذاتك ويراك الآخرون ملاكًا، من يزكي من وهل تكون التزكية بعد الإنجاز أم قبله؟ أم ليس من الضروري أن يكون الإنسان مفيدًا كي يكون مستحقًا لأن يحيا؟ ربما الحياة ذاتها دلالة الضرورة.

السياحة في السؤال أورثتني بعدًا مثقلًا ولكنه كاشف:
عندما ترغب لا تستطيع أن تحكم بوضوح، وعندما تحكم بوضوح هذا يعني أنك لا ترغب في شيء.

فإذا كنتُ يا إلهي الميزان، فكيف أكون أيضًا الإنسان؟
وإذا كنت مذنبًا ورقيبًا، فلماذا أشعر أيضًا بأني عارفٌ وجهول؟
وإذا كنت أشتهي وأموت، فكيف أحبّ وأتوق إلى المعنى؟

ولي حكمٌ يدحضه الزمن، ولي كبرٌ يتعبني تحطيمه كل صباح، ولي إلفٌ لبعض الأرواح دون أن أعرف ماهو المفتاح، ولي نفورٌ من بعضها وإن كنت أعرف سبب نفوري عندما أنفر. ويحسبني الناس على شيء وحسبي أنّي تائه في الملكوت، وأحسب أنهم على شيء فإذا هم يلهثون خلف السراب.

وأتذكر مرّة حجم مسؤولية الوجود عندما تأملتُ بابًا أريد أن أرى ماخلفه، ولا أريد أن أنسى الإنسان الذي كان يريد قبل أن تتفتح الأبواب. ولي في كل ليلة نظرة نحو السماء لنجمتين متقابلتين – على الأقل هما نجمتان في نظري- تلمعان بتناغم مريح يجعلني أعرف كل ليلة من أنا بعد ضياع اليوم.

بداخلي محكمة قديمة قانونها لا يشبه أي قانونٍ معاصر، وبداخلي طفل بقلب متوحش لا يألف اللطف لكنه يألف الصدق، وبداخلي ماجنٌ يحصي لي كل ليلة مافاتني من المتع، وبداخلي ألف قصة لم تروَ بانتظار إشارةٍ ما، إشارةٌ تجعل لرواية القصة لذة تشبه لذة الإدراك التي تظل باقية في خلدك بعد أن تتغير إجابة السؤال كل مرة، فتنسى الإجابة ويبقى السؤال، ويظلّ أثر اللذة باقيًا بداخلك وتتمنى دائمًا أن يعود.

عندما يقتلني السرد، أتلحّف بنغمة

الأسئلة القديمة مازالت تحاصرني في نفس الزاوية من رأسي، وكلّما أقنعتها بأن الإجابة ستكتمل عندما تُجمع شظاياي المتناثرة أتشظّى أكثر. أنظري إليّ أنا كسرة صغيرة من ذاك الذي ماعاد جبلًا لكنه مازال يحمل في داخله همّ الجبل وإحساس الضخامة. ولكِ أيتها الأسئلة أنت تنفخي نفخة واحدة فتطير هذه الذرة من بقايا الجبل في الريح إلى الفناء، فلن يلومك أحد، وأنا سأبقى منافحًا كذرة لم تزل تحمل ضمير الجبل.

يصرخ الناس بأسماء مقاتليهم بعد كل حرب في ساحة المعركة، لعلّهم لم يموتوا بعد.
رغم أنه ليس على هذه الأرض سوى جثث، لكنهم لا يزالون يصرخون، كما يصرخ المعذّب بألم لا بهدف دفع العذاب بل لتخدير الألم، ورغم أنه مازال هناك جريحٌ واحد ملقى لم يبقَّ منه سوى رمق لا أحد يصرخ باسمه، وبداخله كل الأسماء المناداة، بل هو كلّ الموتى في المعركة، قد رأى أرواحهم تصعد إلى السماء وحمّلوه أمانة أداء الوصايا، وظلّ محافظًا على هذا الرمق – رغم جرحه الأكثر غورًا- لكي يؤدّي هذه الأمانة؛ إنمّا لا أحد يعرفه، لا أحد ينادي باسمه، الكل مشغولٌ في البحث عن بقايا حبيب أو ابنٍ أو صديق في الجهة الخاطئة.

الروح ليست هي المادة التي تبدو أمام ناظريك، فتّش قليلًا في داخلك وابذل جهدًا أكبر في قمع الصورة، في الداخل ماقد يسحبك بشدّة جاذبية الخلود نحو الفناء، وتذكّر يا منادي أنّ المنادى ليس صوتًا يضيع في الهواء ولا شكلًا ينحت به الوقت ما يشاء، ولا رغبة تستعر منها الجوانب، بل إنّ المنادى ألطف من هذا كله وأكثر إصرارًا، هذا الذي ينسلّ في داخلك يفزعه صوت الحنين، وانتهازية النوايا، ويذهب كما جاء بزفرة واحدة.

لا قلبٌ ينوء بالعصبة أولي القوة، لا أحزان، لا همّ، لا غمّ، لا طوفان
لا جروحٌ تغادر كل ليلة إلى الأحلام لتعاود في الليلة الأخرى متوشحة بالبياض كعروسة يغريني صباها وسذاجتها وتتزين بالحمرة والفستان.
لا متعلقات تقف على عتبة بابي، لا ذكريات تزاحم الوجدان
لا فوضى عارمة تحجب عني كل وضوح، لا عواصف، لا سفنية تمخر، ولا حاجة إلى قبطان
كل شيء على مايرام.
“فقط لا تهزني كثيرًا فإنني كائنٌ مليء بالدموع”
فقط احجب عني النسيم الذي يشعل الحنين وابعدني عن مواطن الذكريات.

لا أقف على حافة الهاوية ثم أصرخ ، بل أصرخ عندما أخطو خطوتي الأولى خارج المنزل.
وكلّ مافي الأمر أنني إنسانٌ سأحتفل وأشرب الأنخاب وأحاول أن أتناسى وربما سأنسى، لكنّ شيئًا ثقيلًا جدًا يجثم على صدري كجبل ولا يبارحه، لا أقوى على إزاحته لكنني أزحزحه إلى اليمين تارة لترتاح شمالي وإلى الشمال تارة لترتاح يميني.
وإن خارت قواي يومًا فعلى الذين أحب أن يتأكدّوا بأنني قاومت بشراسة المحارب القديم، والمناضل الشريف حتى النهاية.

من قال يومًا أنني أكثر من ورقة متسخة بخط قلم؟

أبصر ولا أبصر إلّا النهايات، قل لي يا لائمي ماهي هذه الحياة التي يبدو كل مافيها مصائد يجب الاحتراس منها، والحذر لو كان ناعم الحافّة، فقد حكّني حتى اختفت معالم العالم.
نداءات الداخل أقوى من كل ماهو خارج هذا الجسد النحيل، مليئة بالمخاطر والغضب، إن اقتربت من مستئنس خاف وإن اقترب خائفٌ إليّ استأنس، ويخّيل لي يومًا أنني أعرف كل الناس ولا حاجة لي بالبقاء هنا ليومٍ إضافي، ثم أستقيظ في اليوم التالي لا أعرف فيه نفسي وماذا أفعل هنا.

ربما لم يكن يومًا أي شيء بحمال الفكرة التي في ذهن الكاتب قبل أن يكتبها، حيث تبدأ خيبته في اللحظة التي يبادر بكتابتها؛ ولأنّ لا أحد يبرع بقول أي شيء إلّا إذا لم يقله، أجدني أتوسد الصمت وأنام بفمٍ مليء بالكلمات، وإن سوّلت لك نفسك يومًا أن تفزع أحدهم لا تختر يائسًا يعرف كيف يفرغ الحياة منك قطرة قطرة، وإذا رأيت ذلك الذي يبلع الحزن ويشرب الدموع فلا تلوح له بيدك، لأنه لا يجيد سوى الابتسام، وربما تسحرك ابتسامة المحزون.

ودائمًا عندما يقتلني السرد أتلحّف بنغمة.

الرجل الحرّ أخلاقيًّا

ألقى اللوم على ظلّه الذي يتبعه حتى غابت الشمس ، فأحسّ بالوحدة.
كان يحمل هذا الحنق الشديد على كل شيء يتغيّر، خصوصًا تلك الأشياء التي تعاود صورتها من جديد وكأنّ شيئًا لم يكن. تلك الأشياء التي لا تسمح لنا بلومها على تغيّر صورتها إلى الأبد حتى تعاود الحضور. إنه يتصالح مع الموت أكثر من كل مظاهر الحياة؛ لأنّ الموت يأتي مرّة ولا يعود، يأخذ كل شيء ويمضي إلى الأبد. ما أشدّ رحمة الموت.

يفتح باب منزله يحمّله بأثقال الوحدة ويرتاح، يعلن بدء الليلة بنبيذٍ رخيص، يأكل بنيّة النجاة لا الشبع، يلملم خياله حتى لا يجنّ، يشاهد فيلمًا ليسنن مالان من رغبته، يرهق نفسه كي ينام دون عناء الأسئلة بالأسئلة. يسخّن طعامًا بائتًا، الملعقة تبكي اتساخ بقايا الأمس، من يبكي صدأ داخله إذًا؟، يتوقف عن السرحان حتى لا تتواطأ الشرفة وتبكي فهي براحه، المنظر كئيب من الشرفة لكنه اعتاده.

الخدعة التي كانت تلهيه بطول الأمل أصبحت مستهلكة فالعمر يجري، وبكل مافيه من تغيرات تلهي إلّا أنّ الهوّة تتسع بين العالم الذي يراه في داخله والواقع الماثل أمامه، عوضًا عن ذلك يصفف حججه المفحمة بأناقة، وعنف، تمامًا كما يشعر بأنّ حتى رغبة الإبهار والتصفيق المنتظر لم تعد مغرية كما كانت في السابق. يلتمس عذرًا لهذه العزلة حيث أنه بها لا يخيب ظنّ أحدّ سوى نفسه.

يتساءل المصاب:
لو فتحت لك بابي من يغلقه عند مغادرتك؟
بل كيف لي أن أفتح حوارًا مع أحدهم وفوق رأسي طائرٌ يتكلم على الدوام؟
لو أسهبت في شرح جرح أحزاني هل تقوى ذراعاك الواهنتان على تقطيبه؟
لو نمت على صدرك، هل ترضى عزلتي الغيورة؟
لو ابتسمت ملء قلبي، هل سأموت؟
لو حاولت الفرار من الرتابة، هل يقوى الخيال على مجاراة جموحي؟
ولو أحببتك، هل سأتحمل ألم السقوط الحرّ ؟

هذا اللسان الأداة الأشد فتكًا على الدوام.

إنّ من يريد أن يمشي بكلام الاثنين للثلاثة لا يريد للخير أن يعم، وإن كان خسيسًا في طلبه فهو بالتأكيد أحمق في تصرفه وأحمق منه من صدّقه؛ ذلك أن كلام الاثنين لا يشبه كلام الثلاثة، وكلام العشرة لا يشبه كلام الجماعة، وكلام الجماعة لا يشبه كلام الحشد، كلما زدت في العدد زدت في الظنون، كلّما لم يعد لكلامك جدوى سوى أن يهلل له ويُصفق علنًا، وتصيبك نظرات الشزر والضغينة والأطماع الدفينة سرًا.

إن الكلام بطبيعته فضفاض وعائم ولا يشبه حتى قائله، هو محاولات دائمة ومستمرة لاختيار بين اثنين ماكان له من داعٍ لو صمت الإنسان، وإن الصمت أفسح لو كان يرى الآدمي نتائج أقواله. وأسوأ من الكلام هو إرادة السمع، حيث أن المستمع لا يسمع غالبًا إلا مايعجبه ومايريد هو أن يفهمه، ولو كان بمقدور الناس أن يعرفوا الفرق فعلًا بين هذا وذاك ماتكلّم أحدٌ منهم أبدًا إلا رمزًا.

أحدنا لا يعلم كيف تنتهي حياته التي يعرفها وتبدأ الحياة التي لا يعرف عنها إلا ماتقوله له الأساطير والأديان والجدّات. تلك الحياة التي تكون فيها إرادة القول وإرادة الفعل واعيتان، وكيفما كان إيمانك بأن وراء الإرادة سبب فيزيقي أو ميتافيزيقي، فإن وجودك دليل على وجودها ووجودها دليل على وجودك، وكلنا نعرف أنّ هذين الوجودين مرهونين بزمن سينتهي. وأيًّا ماكانت الطريقة التي تبرر بها أفعالك أمام ذاتك فإن الغصة التي أحسست بها وقت أن هممت بفعل لا يشبهك هي برهانك الذي تتغافل عنه، وأنّ الإنسان لا يتغير حين يهم بفعل الفعل أو حتى حين يزينه له خياله، وإنما يتغير في ذات اللحظة التي يفعلها فيه، وبالضبط في هذه الطريقة تُمتحن النوايا من وراء الأفعال، حين تجرح الجارحة.

في أول الأمر وجودٌ لازم ثم كلمة ثم وجود ممكن ثم فكرة ثم خلق ثم تشكّل ثم قول ثم فعل ثم قول ثم تشكّل ثم خلق ثم فكرة ثم وجود ممكن. في هذا الدور الفعل هو الحلقة الأضعف، هو حجر الزاوية، وهو أيضًا مناط الحكم، وأهم صفاته أنه لا يتكرر وهو ارتكاز هذا الدور، عندما تفعله لا تستطيع استرداده ولا حتى إزالته بعد وقوعه، ولا تستطيع استرجاع ذاتك.

إدراك حجم الفرصة لا يكون إلا بإدراك ثقل المسؤولية، والقاصر عن هذا سوف تسحقه تفاهة الشرّ إدلاءً وغرورًا، وغاية هذا الإدراك هو تقديس الحرية الأخلاقية لكل إنسان، حرّية أن يختار مكانه بين الجموع ثانيًا، وأمام رغبات ذاته أولًا. هذه السنة سوف تُطوى بهذا:

“إنّ الرجل حرّ أخلاقيًا إذا كان يحكم على العالم وعلى الآخرين بصراحة لا تقبل المساومة”.-
جورج سانتيانا

تشاكل الأسماء وياء النداء

(وعلّم آدمَ الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين، قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ماعلمتنا … )

ياعالم الحد يامعلّم الأسماء كلها أوجد لي من لدنك قاطعةً لا تقطع إلا بالفصل والحكمة ثم اجعل لي قضاءً لا
يفارقهما لهوى أو غاية نفس.

في حين أن كل التشبيهات ذات طبيعة واحدة إلا أن بعضها يقتلك مباشرة عندما تقرأه كرصاصة رحمة، الحياة كلها تخدير مستمر بالمتشابهات حتى تصحو في نهار ما، وتعتقد أنه كأي نهار آخر، رتيب وكسول، أو مثير ومليء بالحيوية، إلا أنك لا تعلم أنّ فيه موتك.

حتى البشر يتشاكلون في عينك كلهم، حتى تزهد من كثيرهم بقليلهم، وتعتقد أن الحياة ماضية بتلك القواعد الرصينة التي استشفيتها بالتجربة أو المقاربة، ثم تحدث الكارثة. تجد الإنسان.

ولو كنت محظوظا محروسًا فسوف تعثر بالإنسان الذي يشاكلك وأعني به تلك الروح التي تخصك والتي تتخفى في جسد، تلك التي تعرف كل مايربكك، وتُلهم كل ثغراتك ونقاط ضعفك، مايولعك ويطفئك، والتي عندما تراها، سوف تفقد صوابك، وتختل موازينك، وتتجه بوصلتك إليها عوضًا عن الشمال، لأن قانونًا للجاذبية قد استُحدث في اللحظة التي وقعت عينك في عينها.

وأنت ياسلطان التبغدد والتمنع والصبر الحارق المرّ، والتقادم والتراكم، لن تقوى على المقاومة، وقد عشت عمرك كله تتقنها، حتى أنّ أحدًا لم يكن يدرك – حتى نفسك – مقدار المشاكلة لأنك لم تكن ترى وسوف ترى لكن بعينيها.

وكقديمٍ حاول مرةً أن يتجدد فتكسر تفاهةً أودّ لو أنّ لي مرونة التافهين في تقبّل ذواتهم، أحاول أن أرمي لك نفسي، لكنّني لا أستطيع جمعها.

إنني السارق الحاذق الذي يسرق لكنه يبدو دائمًا كمسروق، سعيد جدًا من شدة الحزن، ونقيّ جدًا من شدّة التوغّل في ملامح الآخرين وأزوالهم.

ظبيي الذي يعرف الأشياء بحقيقتها عندما يهرب هلعًا منها اغفر لي همجيتي ووحشيتي فهربك يحيي فيني شجاعة المطاردة وبربرية الافتراس الذي يحرر من كل شك، أنا الوحش الذي قضى عمره يفزع الآخرين بثقة مفرطة، يريد حقيقةً أن يموت مسكنةً وتحنانًا وصبابةً على بابك، واعذري حسّي فإني قد طرقت حدسًا وغريزة كل المسالك وكلها كانت تؤدّي إلى بابك.

هنا وعلى هذا الكرسي تستطيل أعناق الحروف لترقص وتضيء ليله المتوشح بسكون الأنبياء وعزلتهم، نخرج من خدر الحياء المبذول، لتواجه زوابع الخيارات العمياء، شحذ مليًّا كل شجاعته المخزونة منذ آجال ليكتب مايلي:

الموت يسطع في خيال الكاتب، على شكل حبّ مجهول، كل شعور قد تغلّف بقناع ما – حفظًا للسببية وحفاظًا على العقل – لكن مايجري لو أشاح اللثام وأردنا تفكيكه هو دعوة عارمة للاحتفال، لقرع الكؤوس وتعديد الأنخاب. هنا وعلى هذه الأرض البعيدة تحدث معجزة الحياة من جديد، يولد فتى من رحم الكتمان ليودع مالا يعرف واعتاده، إلى مايعرف ولم يعتد عليه، هنا قد أودع سرّه المكتوم على لحى شجرة مجهولة، بصبغٍ تجاري رخيص، ومن صميم وجدانه المستعر، قد أعلن بلا خوف أنه قد ودّع فكرته الرثة واستقبل أفعاله المتهورة، سأموت كتابةً وسأحيا شعورًا حلوًا.

إنني أعرفك تمامًا بل إنني قد بُعثت بولادتك: أنت النجاة من البراح إلى الهاوية، أنت بناء القلوع وإزهار الأشجار في الخريف، أنت الكرمة التي كان يتقرب إليها القدماء، أنت المعنى المخبأ، أنت فاكهة المعرفة، أنت شرارة الفناء، أنت نكهة الأبد، يا سرّي الذي أراه يلوّح لي في كل الوجوه، ويا حياة الأشياء التي تأبى أن تموت.

ثمّة دماء غير مرئية

 الشتاء الذي أقبل يسفع النواصي بالحنين، لا يحب الصمت ويمجّد البكاء

لقد تخطيت الإشارة لأستعيض عن الدال بالمدلول، ولأهرب من كل ما ينبغي إلى كل ما ينبغي له أن يكون.

القلوب أوعية وأنا الآن أقف على عتبة سور حديقتكم أمشطها تارة وأمشط قلبي تارة أخرى.

الصيد بالسنارة وارد لو كانت الأفخاخ مشتهيات، ماذا لو كنت أنت المتدلي من على حبل وتريد أن تنقذ ذاتك؟، الجمل القصيرة بليغة في إيصال المعنى بطرق غير معتادة، لكني أريد أن أعقّد المتاهة ولا أريد لهذا الطريق أن ينتهي، فإن نهايته تخافني وأنا أخاف من المجهول، ولهذا أسعى إليه فضولًا وحريّة.

أسمع كل الأصوات من كل غرفة قصيّة ولا يعجبني كم أصبح الأمر نمطيًا ومكشوفا، لكنّ هذا هين عند من لا يريد لك إلا أن تسمع صوته ويصرخ بأعلى صوته حتى تجرحت حنجرته، والأذن المرهفة قد صُمّت عن الصراخ لو كان يعلم.

في السماء على علوٍ مرئي، غيمة يعبر من تحتها طيرٌ شريد، أحبه لأنه يأبى أن يحصر نفسه في غرفة أو قفص، ولو قُدّر له أن يراني لوجد أن تلويحتي جناحي ورئتيّ سمائي، وعقلي حدودي وروحي آفاقي.

ولقد وجدت بعد طول مراس وكثرة احتراس أنّ الحدود ليست أمرًا سيئًا إلى هذا الحد عندما يكون الحد مدى عينين ليس لهما أمد، قد حُيّزتا لي منذ الأزل، والمعنى الموغل في الشعور لا سلطان عليه بل هو المتسلط على كل شيء.

الآلام بوابات لأماكن لا نريد زيارتها، وقد دخلت بيوت الناس حتى لم أعد أعرف أين بيتي.

واسمعني أيها السادر في ظلمات لا تجد من يعربك، ولقد جرّحك طول عجمتك وسقوط همتك، عليك بالدخول إلى أعمق نقطة، تلك التي تجد بعدها أنّ الخطّ الفاصل بين العقل والجنون هو خط وهمي من الخارج، وأنّ كل مابداخلك معقول وكل ماتريد فعله صواب وكل ما تكتمه يكتم على أنفاسك حتى تطلقه فتستريح، وإن الهرب إلى الداخل هربٌ إلى البراح، وإن كان أمر يجب أن تستعجل به قبل فوات الأوان، فهو أن تسترد ذاتك قبل أن تصل إلى مكان تصبح الكرة في ملعب ذوات الآخرين، عندها سوف تستحلي حتى أن تُركل. لا بأس بأن تكون كرة إن أردت أن تكون كذلك، ولا تمتعض عندها.

ثمّة أفراح صامتة بجمود العين التي تخشى أن تفصح للقدر عن فرحتها لئلا يدهمها بالنقيض العادل.

ثمّة دماء غير مرئية، فالويل لمن يرى بعينيه وحدهما، الويل لمن لا يحترس من المشي على الركام، الجمر لا يزال حارقًا دون نار، وثمة أنوارًا في ليلٍ شديد العتمة، في صوت من تحب، وفي كل مايفاجئك كقبلة كهدية غير متوقعة من لا أحد.

لا أريد أن أمهّد لمنطقة وسطى، لفهم مشترك، لمصطلحات موحدة، أنا سعيد بهذه المسافة وسعيد لأن السعادة عادة تكون في الخارج لاهية تلهب قلوب الحزانى، لكنها الآن قانعة بي وتستلطفني، وأنا لازلت أقاوم أن أترامى في أحضانها لأنني قد أبرمت موعدًا قديمًا وأبديًا مع الألم والأسى والتأسّي.

ويكفي أن أشعل طرف الفتيل. ثمّة نيران تستعر في القلب المريض لكن الفتيل ناره لمصباحي ونيرانهم من أنفسهم. والقبض بالرباعية على الشفة السفلى هو الجمرة التي تدفئ ليلي الشاتي.

معادلة

ملامحك تعكس جينات أسلافك بنيما تغيرها مع الزمن يعكس خياراتك في الحياة.
صفاتك الغضة مسجلة أيضا في شريطك الجيني ولكن حدتها أو نعومتها خيارك الذي تختاره لنفسك مع الأيام.

لكل معادلة هنالك معطيات تكونها، منها الثابت ومنها المتغير ومهمتك اللعب بالمتغيرات لينعكس هذا على النتيجة النهائية للمعادلة؛ لذلك لا معنى للاستسلام والتسليم بأن المعادلة مكتوبة سلفًا، إنما المكتوب سلفًا هو الثوابت الموجودة في المعادلة فقط، وبوجود المتغيرات تصبح فكرة تغيير الناتج النهائي متاحة دائمًا.

لكي تتعرف على هذه المعطيات يجب ألّا تغفل أبدًا حاملًا داخل رأسك مدونة صغيرة لاختبار نفسك ومعرفة مالثابت ومالمتغير، وإلا سوف تنتهي يومًا إلى شخص لم ترغب بوجوده ولا يعجبك ولا تعرف كيف قادتك حياتك إليه.

صفتان في طريقك أهم من غيرهما للتعرف على مكونات معادلتك: اليقظة والتكيف.
اليقظة صفة ضرورية أمام الحركة والتغيير الجنونيين الذين بُني منهما هذا العالم.
والتكيف صفة أصيلة فيك وعليك الحذر منها لأنها توهمك بالسيطرة والثبات الجزئي بينما أنت تسقط من قاعٍ إلى آخر ولأنك تتكيف كل مرة تظن أنك وصلت باختيارك .

الحرية – أي مشيئة الفعل من عدمه – هي البصمة المميزة للإنسان عن كل ما عداه من المخلوقات، ومنطقيًا يأتي بعد حرية الاختيار كفل المسؤولية، مسؤول لأنك اخترت ومُساءل لأن هناك من وهبك هذه الصفة.

المسيرة الإنسانية بالمجمل متطورة بطبيعتها بمباركة الجين الناقل للقيم والطبائع ومباركة المجتمع الناقل للأعراف والعادات، عندما يولد طفل فهو لا يبدأ من الصفر حرفيًا، بل هو يبدأ من الثوابت في المعادلة على أمل أن يتعلم كيف يسيطر عليها ويهذبها بالمتغيرات التي سيكتشفها خلال رحلته. وبالتالي نحن الآن كمجتمع أرقى نسخة إنسانية والأجيال التي ستخلفنا أرقى منّا بالضرورة وأكثر ذكاءًا وتخلقًا بالجملة. ومن الغباء إثقال كاهل الأولاد بقيم وعادات الجيل السابق كما هي واستنساخها تمامًا، فهم لم يولدوا ليكرروا أسلافهم.

لأننا نعيش فترة زمنية قصيرة ومحدودة يستوجب علينا تضخيم منفعتها بالاطّلاع الأفقي والعمودي للتاريخ؛ كي نفهم فعلًا دورة الحياة وطبيعتها دون تأثير من ثقافة مهيمنة أو دين توريثي جامد. أفقيًا يكون الاطّلاع بالنظر في تجارب الأمم المعاصرة وكيف يتعاملون مع سنة التغيير الحاكمة على الكون، وعموديًا بقراءة التجارب السابقة لنا كجنس بشري.

لأن الأمر كله معادلة ولكل منّا معادلته الخاصة، فكّر بعقلك أولًا وأخيرًا وسيتلاشى سخطك من النتائج غير المتوقعة وستنبهر بمدى تحكمك بالنتيجة، و في نهاية المطاف سيتحول هذا السخط إلى دهشة وانبهار.