اللذة الكامنة في التخفّف من البشر

من وجهة نظر عدمية:
أنت لا تحتاج عددًا من البشر كي يهونوا عليك حتمية موتك المنتظر ولا بؤس حياتك الرتيبة، لأنهما واقع لا مهرب منه.

ومن وجهة نظر دينية:
قليلون جدًا هم البشر الذين يساعدونك في الدنيا للحد الذي لا يستحق فيه المجازفة بإعطاء أحد ما أكثر مما يستحق، ويكاد ينعدم نفعهم في الآخرة، يكفيك من ذلك خيبة الحقيقة في أن يهرب المرء من أقرب الناس إليه.

ومن وجهة نظر ذوقية:
لا شيء يعجبني، أنا المليء بالأفكار المتشككة، شديدة التوجس والحذر من الناس ومعتقداتهم -خصوصًا الواثقين منهم- ، كما أني لا أكاد أعد حسنات قليلة في مخالطة الكثير منهم بعكس استغراقي في سرد السيئات جرّاء ذلك.

ومن وجهة نظر صوفية:
يلذ لي أن أتقمص شخصية المسافر المتخفف، خفيف النفس والظل، لطيف المعشر، غير الآبه بم أخذ وعلى من تعرّف؛ لا من كثرة – لأنه سيموت قبل أن ينتفع به- ، ولا لأهمية – لأن معه كل مايهمه -، عقله الذي يفكر به، وجسده الذي يحمله، وقليلٌ من مال يكفي حاجته ويسدّ مسألته للناس.

ومن وجهة نظر تصويرية:
لطالما شعرت بشعور الغريب الذي لاينتمي إلى هنا، كالذي تواطأ الناس على حضور مأدبة من دونه، وصُعقوا عندما وجدوه هناك قد سبقهم: حملقات العيون، الدهشة المغلفة بابتسامة صفراء، الاستغراب الذي أبديه، التذاكي السخيف، شعوري الطافح بالغثيان من هذا النفاق وادعاء اللباقة في تعاملهم، والتقزز من استغراقهم المخجل في الملذات وكأنهم خالدون في هذا المكان.

ومن وجهة نظر تجريدية:
لم أهتم يومًا بالأشخاص لكونهم فقط أناس، بل كان كل مايشدني إليهم وعنهم؛ هي الأفكار التي يثيرها وجودهم، و وجودهم الذي يجسّد معاني الأفكار التي أقرؤها؛ ولهذا احرص على أن أتعامل مع الحد الأدنى الكافي منهم لأداء هذا الغرض وحده.

ومن وجهة نظر شعرية:
لمّا عفوتُ ولم أحقد على أحدٍ … أرحتُ نفسي من همّ العداواتِ
إنّي أُحيّي عدوي عند رؤيته … لأدفع الشرّ عنّي بالتحياتِ
وأُظْهرُ البِشْرَ للإنسانِ أُبغضهُ … كما إنْ قد حشى قلبي محبّاتِ
الناسُ داءٌ ودواءُ الناسِ قربهمُ … وفي اعتزالهمُ قطعُ الموداتِ*

* الشافعي

من أجل الأقداح التي تتداعى سخريةً بنا

لأجل أن تقرأ ما سيأتي من كلام عليك أولًا أن ترمي همّك الذي يأكل منك، ومن عقلك، ومن صحّة أفكارك، ومن جمالية ماتبقى من يومك أو ربما عمرك.. سخريةً منه أيضًا هو الآخر.

الحياة جميلة ومثيرة ومليئة بالغرابة بما يكفي لتلعنها، ومليئة بالغموض الكافي لأن تنشغل بها كلّ مرة رغم الوعود التي قطعتها على نفسك قبل أن تنام كل ليلة بأن تلهي ملكاتك وعقلك العظيم بما هو أهم.

إنّ الأقدار التي تصيبك أو تصيبها -لايهم مادام أنكما قد تلاقيتما- سوف تحدد ماستكون عليه غدًا؛ لهذا أنا مأخوذ بشعور العدمية الذي يصيب الآدمي -الحالم بالتفرّد- الذي يدرك أنه ضمن عالم مليء بمن هم مثله من البشر، ومحبط تمامًا كما يليق بأنّ إرادتي العظيمة التي بداخلي لا تعني أيًّا من القريبين مني إلا بما يتداخل مع مصالحهم فقط.

هل قلت الأقداح التي تتداعى؟ عذرًا كنت أقصد الأقدار، أعتذر منك عن صورة الأقداح الزجاجية المزخرفة – أو ربما السادة- التي خطرت على بالك.

أنا مثلك تسرقني فكرة عابرة أو تصور مضحك خطر بذهني عن الآخرين، ويريبني جفاف القلم، وتخيفني الصفحات البيضاء، والملابس الأنيقة، والشعر المصفف بدقة، والوجوه البريئة والغرف النظيفة، والحياة الهادئة السعيدة. تدفعني نوتة موسيقية للتمايل طربًا، وتزج بي نظرة واحدة لكتابة نص متهافت كهذا- حتى الآن لا أدري ماذا سأقول في بقيته- لكن أدرك كما تدرك أنّ الكتابة المباشرة الموجّهة لاتنفع أحدًا ولا تجذب سوى أولئك الجامدين من الشعور.

أحاول أن أتلاعب الكلمات لكي أثير فضولك النائم لأن تسمع أغنية جميلة بعد قراءة هذا النص -أو ربما تلعنني وتلوم نفسك على تضييع وقتك على هذه التفاهات التي لا طائل منها- المهم أن أثير فضولك، وأخرجك من حالتك السابقة، وهمّك الذي لايعرف عنه أحد سواك.

من هذه الخاطرة، أحاول أن أعلن إليك رغبتي في أن تكون صديقي الطيب الذي قرأ هذا الكلام ومازال يقرؤه دونما هدف واضح سوى الانشغال في أي شيء يشعره بأنه ليس التائه الوحيد على هذه الحياة.

ولأجل أن أعلن لك نيتي الصريحة بمصادقتك، إليك قائمة الملهيات المقدسة التي تحافظ على صحتي في هذا العالم من المرض والكآبة:
-لا أنام مبكرًا لأنه لم يحدث أبدًا أن شعرت بالملل أو الرغبة في الهروب.
– أستمع للأغاني المكبلهة بشراهة لأن النوتات والأصوات والآهات نعمة تستحق الشكر.
– لا أتابع شيء يعتاد أن يتابعه الآخرون، وإن حدث فسيكون حتمًا باضطرار.
– أقرأ ما استطعت.
– ثرثار في حضرة من يفهمني، وصامت مستمع في حضرة من لا يفهمني، لا داعي لذكر أني بهذه الصفة أدّعي أني أفهم الكثير ممن لا يفهمني.
– عنيد للحد الذي أؤمن به بأني سوف أموت بطريقة هادئة بلا أصدقاء مهتمين.
– أضحك في داخلي كثيرًا لأني قد انتدبت الشخص الظريف لداخلي لأن يكلمني من غير ضجيج.
– وحنون بطريقة تضحكني جدًا.
– ذوق قديم وقناعات متغيرة باستمرار.

شكرًا على وقتك لقد أسعدتني بوصولك إلى هنا، ليلة سعيدة، خذ نسختك قبل الخروج:
https://soundcloud.com/haniita/s1vewnfgfl9v

وإنْ دنتْ ساعة موتي، سأقتلك نصًّا أو أن أموت.. سأقتلك نصًّا قبل أن أموت.

لم يكن الحلم حقيقة، بل كانت الحقيقة وهم.

كنت أعرفُ وأترقب هذه اللحظة منذ الصدمة الأجمل في حياتي، منذ الرعشة الألذ.
أنا لا أكبر على الكتابة ولا أستطيع أن أتجاهل أثرها الطاغي علي، وانعكاسها على شخصيتي، وكان لابدّ لي أن أفقد هذه السعادة كي أتوهج حزنًا، وأستغرق قلمًا، وأتساقط خذلانًا، أو أن أعالج وضعًا تكون فيه السعادة كحقيقة الحزن، وعلو غايته، ولمعان مرارته، وبعد نظره، وهذا بالطبع ضربٌ من المستحيل ، فكان ماكان بعد أن ظننت للحظة أنني استثناء بألّا يفارقني كما فارق الآخرين هذا الهناء.

كنت مستغرقًا فيك، خاشعًا لجمالك، مخبِتًا لأثرك الطاغي على روحي، كنت أؤجل كل عتاب ما استطعت، وأقدّم الأعذار تلو الأعذار، كنتُ أعرف أخطائي وكنت أعرف أنها كثيرة، فكنت أقابل كل خطأ منك بواحدٍ مما عندي، واستطعت أن أقابل كل خطأ إلّا خطيئة الملل؛ أن أقبل أن أحيا كمجرد رجل بعد أن كنت رجلك، وزوج فقط بدلًا من أكون الصديق والحبيب والسند والوتد والمرفأ والمنفى ، وبعده كله الزوج وشقيق الروح.

إنّ المحب إن عاش بسعادة فسوف يخفت بريق قلمه تدريجيًا وبملء إرادته، لكن ياحبيبتي ثمن أن أتوقف عن الكتابة إلى الأبد غالٍ جدًا، أغلى بكثير من هذا الثمن البخس الذي تقدمينه بطريقتك الباردة تلك، وبعد أن استنفذتِ وسعك وصبرك، ولم أمل أو أتخاذل، فليس لدي ما أقدمه سوى أن أخونك معك.

أن أعاقرك، وأسافر فيك،- ليس معك – وسأستبقي ما تبقى لك من محبة وبهاء وجلال كي يكون وقودي وقوتي بعدما أحرقتِ أغلبه بصبيانيتك ومللك وتخاذلك وهزلك وضياعك وضعف قراراتك وبلادتك وهجرك وحرقتي عليك .. أحرقتني.

ليس للمحبّ إلا حبّ واحد وماتبقى تعويضٌ وملء فراغات وأهواء ذات ضرورية لإكمال الحياة.. كنت أتمثل هذه الأبيات لفترة طويلة وكنت قد علمت أنه سيحين وقتها حتمًا:

تريدين أنْ أرضى بكِ اليومَ للهوى … وأعتادُ فيكِ اللهو بعد التعبّدِ

وألقاكِ جسمًا مستباحًا، وطالما … لقيتكِ جمّ الخوف ، جمّ التردّدِ

إذا لم يكنْ بدٌّ من الحانِ والطلى … ففي غيرِ بيتٍ كان بالأمسِ معبدي*

حتمًا في غيره ..
* الأبيات للأستاذ العقاد

على فرض أن أكون أنا

20140507-192408.jpg

نحن أبناء حياة واحدة هذا وصفٌ كلّما طرأ على بالي ارتعدت ، مضى من عمري ثلثه الآن – على فرض أنّي سأعيش معيشة رتيبة وأموت شيخًا – وهذا أيضًا يصيبني بخيبة ، من أنا ؟ هذا السؤال الذي تتعدد إجاباته بتعدد مزاجاتي وأهوائي وطموحاتي وخيباتي ، أنا ابن شعور لم يخب منذ كنت طفلًا وأنا أعرف أنّ بين جنبات هذا الجسد الهزيل روحًا تخاف قبل أن تثب لأنها تحسب العواقب ، وتثب أحيانًا بتهور لأنها تعرف أنّ المعاني خطّ أحمر ، وكم غيرت الحياة في قناعاتي وتشرّبت كؤوسًا كثيرة فلم أعد أعرف هل ذقت كلّ شيء ؟ أم أنّ حاسة الذوق لها حدّ أقصى لا تعود بعده تميّز.

فكرة أن تكون موجودًا الآن في هذه اللحظة تختبر الحياة ، تعيش المغامرة ، تستصحب كلّ حواسك فيها ، ولديك ذاكرة كمزوادة تخبّئ فيها مايعجبك – وكثيرًا مما لا يعجبك – ولديك عقل يرشدك وقلبٌ يزلّك وهوى يضلّك وهداية من الله تنتشلك كلّ مرة ، هذه الفوضى من المشاعر تعيش فيها كأنّك قد اختبرتها قبل هذا.

ثم اسألني بعد هذا عن الحب، عن الطمأنينة حدّ الأبد ، عن كونك تختبر شيئًا تعرفه ، عن كونك ترى عينًا تألفها ، عن تعترف بأنّك تضيع عندما تهتدي ، عندما تنام نومة الخالي من الهموم ، عندما يأكلك الشوق ، عندما تسعد كأنّك بلا قيود ، عندما تحزن كأنّك لعنة.

 

كلّ هذا الكون ثائرٌ حولي .. وقلبي ساكن

كلّ هذا الكون ثائرٌ حولي .. وقلبي ساكن

أطلِ السهر ، مادامت الذكرى دهر
والموت سكرةُ ساعةٍ ، وماعاد للودِّ أثر

قلْ للأماكن ياسيدي: مابال هذا الحزن ماكن؟
وعلى أي الدروب تُهرع مسرعًا، والقلب ساكن ؟
وفي أي سوقٍ بعتُ نفسي والدم في العروقِ داكن؟
يا طامعًا في ودّ عمرٍ ها أنا ثملت يومًا وصحوت ، لكن
للحب أحكامٌ وللصبّ أحلامٌ وللوعة العشّاق راكن

خطيئتي العمياء ، يا عذري في ضحكتي ، وسلوتي في محنتي ، يا كلّ الأماكن
أنا لا أرى دون العيون الجميلة فابصري فيني وبصّريني
أنا لا أخال الوقت يمنحني مهجتين ، ولا أظنّ في العمر ضحكتين ، ولا يطال المرء الحبّ مرتين ، فمن لي؟

من لي لو سامت الدنيا جبهتي بعذابات الدهر ، من للضحكة الهائمة في تفاصيل وجهك ؟ لم يبقَ للحب أثر ؟ هل اندثر ؟ ، أم ضاع بين نعم ولا وأصبحت صفحته رمادية ، واجتاحته رياح الملل العادية ؟ ، من للرعشة في حضورك ؟ والصمت لغرورك ؟ ومن يجبر الكسر الذي تكسرينه ؟

لا أسأل طلبًا ، أسأل محتارًا ، فأوّار هذا الصيف ينسى أنني وحدي هنا ، ويتوعدني بقسوة الشتاء ، والدثار في يدك ، والهواء بين خصلات شعرك ، والسماء طلعتك ، والرحب كله ابتسامتك ، فما يضيق معك شيء ولا يتسع بعدك .

للقهوة معي سهرتين ، إذا هجع الجميع ، وإذا مررتِ دون تلويحة يدك .
وللسماء معي قبلتين ، أنتِ ، وأنتِ .
ولي منك السهر والحذر والمعضلات والصبر ، كلّ الصبر .

أنا ابن هذا القلب يامن تسرقين ، هلّا عدتِ كي ينام .. فالكون حولي ثائرٌ والقلبُ ساكن دون حراك ، لا ينام و لا يُلام ، وضاع دليلي دونك مع أنّ كل ماحولي مساكن وأصدقاء وأوطان وأماكن، وكل هذا الكون ثائرٌ إلّا أنّ قلبي ساكن .

الذبابة والكتابة

حاجتي القديمة للكتابة .. تجعلني أرفّ كجناح بعوضة.
البعوضة التي تتحرك حسب ما تحس لا حسب ماترى ، عمرها قصير وهي تعرف ذلك ، تحاول أن تستغل كل لحظة فيه ، لا تهتم بلعنات البشر ، بمحاولاتهم المستميتة لقتلها ، بتقززهم منها ، بشتائمهم المتتابعة ،
هي ستعيش يوم أو يومين أو ربما أسبوع لو سلمت من متربصي البشر ، فعلامَ التوجس والحرص والتخوّف والحسابات ؟، فلذّة المغامرة بين أوردتهم لا تعادلها متعة ولا حتى المخاطرة حتى الموت .

ربما أموت إذا كتبت لكنّي سأموت بالتأكيد إن لم أكتب – أو أكذب- فالكتابة مبالغة للفت انتباه ، وأنا ألفت انتباهك بكذبي لا بحقيقة واقعي ، لكن كذبي هذا ينبعث من شعوري الصادق ولهذا أن تقع في مصيدة ما بين واقعية الشعور وخيالية المعاني .

لا أحد – مهما كان – يحاسب نفسه وينقدها عندما يكتب ، من يفعل ذلك سوف يعدل عن الكتابة في نهاية المطاف ويملّ من رداءة المحتوى وسينحسب تدريجيًا.
لأن الكآبة أقوى من أي محاولات لوصف الكآبة ، وكذلك السعادة أوسع من تضييق المعاني ، والحزن أضيق من أن تتمسك بكلمة ،
وكذلك هي كل الأحاسيس الكبيرة ، لا تستطيع اللغة أن تصفها ولن تصفها ، فما بالنا لا نمتنع عن الكلام أو الكتابة ؟
– لأن الصمت يقتلنا ، لأن السكون علامة السلام ، ودواخلنا عبثًا كيف تعرف السلام ؟

-لأنك بشر أنت تضجّ بالمتناقضات ، بالمتشاكسات ، بالعناد ، والمكابرة ، والسلام لا يتآخى مع هذه الفوضى ، أخبرني كيف يمكنك أن تسكت عن شعور الأرق في ليلة وقد أهملت كلمة كانت تدور في بالك .. سوف تكبر في مخيلتك كغول ، وستأمرك بالوقوف والمثول أمامها كمتهم ، وغالبًا سوف تلتهم تفكيرك حتى تطلقها من الأسر من رأسك وأكثر الطرق سلاسة أن تنقلها على ورق.

وكونها كُتبت على ورق لا يعني هذا المعنى بسطحيته التي تتخيلها ، لا لا ! ، هذا يعني أنّك حفظتها بذاكرة لن تقبل التغيير والعبث.
أنت جردتها من المشاعر وشكلتها على ورق وجففتها من متغيراتك وتناقضاتك، سوف تحتفل بالأبدية على ورقة ، حتى بعد موتك ، إني أتخيلها وهي تتراقص بعد موتي في عين مراهق غِرّ ، أو بيد فتاةٍ جميلة بكر ، وربما تصطادها عينا كهلٍ متعثر .

وأعود للذبابة بعد البعوضة ، فالذبابة تظلّ هي المثل الإلهي الأكثر إعجازًا والذي تحدى الله البشر جميعهم أمام ذبابة فلن نستنقذ أي شيء من الذبابة بالرغم من أننا قد نقتلها بكل سهولة وبلا أي شعور بالندم ، فالذبابة أقوى منك يا بن آدم هي تملك حرّيتها بالطيران ، وتملك حريتها بإزعاجك ، وتملك
حريتها بالمخاطرة لأنه يستشعر قصر عمره وأنت تبني القصور وتتبختر فيها ، ولا تملك نصف يقين ذبابة بأن الموت أقرب إليك كضربة آدمي متهورة ، كرشة غاز مسمم ، كصعقة كهرباء ، كمصيدة من ضوء تجذبه فيموت بسببها ، وبعد هذا أن تمتهن الذبابة وهي لا تمتهنك ، بل تحترمك وتخاف منك ،
وأنت تعلم جيدًا كم هو صعب أن تصطاد ذبابة بلا تركيز ، بلا مخاتلة ، بلا أداة أسرع منها .

قال تعالي ” إنّ الله لا يستحيي أن يضرب مثلًا ما بعوضة فما فوقها فأمّا الذين آمنوا فيعلمون أنّه الحق من ربهم وأمًا الذين كفروا فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلًا يضلّ به كثيرًا ويهدي به كثيرًا ومايضلّ به إلا الفاسقين ”
قال تعالى ” يا أيها الناس ضُرب مثلًا فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابًا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئًا لا يستنقذوه منه ضَعُفَ الطالب والمطلوب ”
سبحانك ربي آمنت بك وعليك توكلت

مُهِيب والطبيب

(1)
نظرة جامدة ..
من عينٍ تتلعثم
وجهٌ بارد .. ذهنٌ شارد
– تكلّم يا ابني تكلّم !

(2)
فكٌّ مضطرب
ظهرٌ محدودب
نظرةٌ لأعلى .. فإيماءةٌ للأسفل
– من أين تريدني أن أبدأ ياطبيب ؟
فلم يبقَ لي إلا الكلام
أعلنتُ الاستسلام .. وقارفتُ كلّ خطيئةٍ وحرام !
عشتُ أيامَ سعادةٍ
وقاسيتُ سنينَ تمرّدٍ وإجرام
ماذا تريد ؟

(3)
– حسنًا حسنًا
هم ينادوني مُهيب .. اسمٌ على مسمى
كما يقولون كنت مُهاب
وكنت أيضًا مخادعٌ وكذّاب
لم أدّعِ الوسامةَ يومًا .. رغم كذبي !
نحيلٌ قصيرٌ .. كما ترى
ولكنهم يقولون أنّي جذّاب !
وعمري الآن كثيرٌ من التجارب
وبلغة الأرقام .. في الثلاثين ، أو مايُقارب
لديّ زوجة ، ولديّ طفلة : نائلةٌ وروضة
ولا أعمل !
أو لنقل أنّي أعمل الكثير جدًا ، ولكن بلا راتب !
أظنّ أن ذلك كافٍ كتعريف .. أو حتى رائب.

(4)
.. اعتدالٌ واهتمام
نظرةٌ يشوبها شيء من التعجّب .. أو ربما احترام
يبدو أنّه فعلًا جذّاب
ذلك كله وأكثر كان يدور في ذهن الطبيب ..
وعاد للكلام : حسنٌ يا مهيب ما مشكلتك ؟

(5)
.. نظرةٌ متهورة ..
– أنت مامشكلتك ؟ أنت ومن هم على شاكلتك
تدّعون الحكمة ، وتتصنعون البسمة ، وتشمتون بنا
وكأنّكم ملائكة بلا أخطاء ، ومنزلون من السماء !
أُراهن أنك تكره زوجتك الدميمة الحمقاء
وتبغضُ هذا المقعد ، وتتحرّق لساعة الغداء
لتحتفي بفريستك .. تلك الشقراء
كلّنا رجال ، فلا داعي للادعاء
وأظنّك أدركت أنه لا ينقصني
لا خبث الرجال ولا بعض الدهاء !

(6)
بالضبط .. هو كما توقّعت
مندفع .. عاطفي جدًّا ، وبالتأكيد حادّ الذكاء
– أعتذر منك يامهيب ، لم أقصد إغاظتك
ويبدو لي من حديثك أنّك تعاني جدًّا مع النساء ؟

(7)
يرفع ساقه فوق الأخرى ..
يسند ظهره إلى الكرسي ، ويضم كلتا يديه إلى صدره
وبعد دقيقة صمتٍ يتكلّم :
أنا لا أعاني منهنّ .. تزوجت واحدة وأنجبتُ أخرى

(8)
يعرفُ الطبيب تلك الجلسة جيدًا
هو امتلاء الكأس بالماء منتظرًا أي اهتزازةٍ قبل أن ينسكب ويغرق من حوله؟؟
– إذا يامهيب سأسألك سؤالًا وحاول أن تجيب:
كيف كانت حياتك بدونهن؟ ، وكيف أصحبت معهن ؟
واعتبره سؤالًا عابرًا قيل بساعة سُكْرٍ أو وسن

(9)
– هذا سؤالٌ شاقُّ على سكران ، وأشقّ من على مدركٍ حيرن
كلّ مافي الأمر أنّني كنت روحًا تائهةً حرّة ،
فانقسمت إلى ثلاثِ أرواحٍ سعيدة مقيّدة مغترّة ..
النساءُ ياحضرة الطبيب ، داءٌ ودواء ..
يعرّنكَ من هندامك ليكنّ لك كساء
معهن نكون ضعافٌ أقوياء
الرحمة هنّ والعاصفة الهوجاء
غرور ، وانكسار
نشوة بقاءٍ واحتضار
لا نعيش بدونهن بالتأكيد ولا نرتاح إذا حزنا قلوبهن
أنْس الوحشة ، ولذة الحياة ..
فقل لي ماذا بعد الأنس إلا الكدر ، وماذا بعد اللذة إلا الضجر

(10)
قال الطبيب : ماذا عن الأبوّة يامهيب ؟
– أولديك من الأطفال ياطبيب ؟ ، إن كان .. فلا حاجة للتعقيب
فالأبوة مهما وُصِفت مظلومة ، وإن لم يكن .. فسأجتهد بنقل المعلومة.
– لا يامهيب أنا أعزب.
– ياللعجب ، وتدّعي أنّك طبيب!
أن تكونُ أبًا كأن تكون ملكًا بالضبط ..
عندما تكون أبًا .. سترى الدنيا بألوانها
بأنغامها ، بأحضانها .. بكاملِ عنوانها
سيُفتح لك باب رزقٍ من حيث لا تدري
ستُقبل عليك صفحة بيضاء من صميم ذاتك
ستقتطع جزءًا من روحك لترهنه .. وتتعهده
بحسن الرعاية ، ستصبح ناسكًا ربما .. ستغير الكثير من عاداتك السيئة
سيكون لك ألف سببٍ لأن تحيا ، بعد أن كنت مضطرًا لذلك لا أكثر
الأب يا طبيب هو رب
والربّ مستأمنٌ على رعيته يربيها ويتعهدها وينميها
وسيكون عنها مسؤول عند ربّ الأرباب ..
يارباه .. كم سرق منك الكثيرَ الطبّ !

(11)
دخلت في هذه اللحظة روضة إلى الغرفة
واستعجلت أبوها في الذهاب للعب
قبّلها أبوها ومضى بعد أن ودع الطبيب
أو ربما ودع المريض
“ما أسهل أن نتبادل الأدوار في هذه الحياة”
هكذا تمتم الطبيب