ذاكرة فظّة / زوروني كلّ سنة مرّة *

تجتمعُ الخرافات في عقلي حتى نسيتُ الحقائق
بالضبط كما تكاثرت أطيافُكِ حتى كدتُ أنسى وجهكِ .

وجهكِ الذي يرشدني كيف أتذوق
كيف أترنم .. كيف أطرب .

وجهكِ الذي يرصفُ الطرقاتِ بالورود
وينخرُ الأخدود
ويسيّرُ المراسي والسفن ويعبرُ الحدود

وجهكِ الحكاية التي لا تنتهي ولم تبدأ
القضيةُ التي استفزتني ..
والمرضُ الذي لازمني ولم أبرأ
المخدرُ الذي ناضلتُ لأمتلكه بنفس العزم الذي ناضلتُ به للإقلاع عنه

وجهكِ السماء ولا تكفي
وجهكِ الفضاء المرئي واللامرئي
وجهك الأنحاء
تأشيرة العبور والحبور
فرح اللحظة .. سريان النشوة في المكلوم
سريان الروح لأصحاب القبور

وجهكِ الذي لا يعرف نفسه كما أعرفُه ، ولدتُ وفي ثغري سؤالٌ لم ينضجْ ،
حين رأيتُ وجهكِ نضجّ وضجّ في الأرجاء يبحثُ عن إجابة ومايزال .

وجهكِ ذاكرتي وعنواني ، منذ عرفت البشر وهو أمامي
حينما أرسيتُ حدود الجمال كان إلهامي
سرّي ونجواي ، نشواي وخصامي
جنوني وعافيتي ، تمرّدي واعتصامي
شعري .. قافيتي
عصاي التي أتوكأ عليها وخَطْوَ أقدامي
غايتي ومرامي .. آمالي وأحلامي .. حربي وسلامي
غطرسة اللغة في قلمي .. تحررّ الحضارة
أصواتُ أطفالِ الحارة
غبتُ عن الكونِ حين رأيتُه وحارت أفهامي

وهذا حالي مع حالي في حالي .. كلما حاولتُ العبور عبر وجهك نحو الضفة الأخرى ، تغتالني ذاكرتي الفظّة
تحمّلني فوق طاقتي ، تسحرني بالأسئلة ، وتعرف هي كما تعرفين أنّي رجلٌ تشدّه الأسئلة ،
عقلٌ يحبٌّ الاستطراد .. يعشق الفاصلة، ووجهكِ حقل مدججّ بالألغام ، بالاستفهام ، ومساحة حرّة للسفر والتعبير والاستمتاع بالنظر

لغز الحياة في عينين .. وشمسُ الصحوِ في الجبين
شموخُ أنفْ .. وثغرٌ فوق الوصف
شعرٌ أليل .. ورمشٌ أكحل
رقبةٌ وجِيد .. وصوتٌ يعلّقُ القلبَ على رأس إبرة إذا همّ بالتنهيد

هذا صفيرُ الروحِ قدْ أسمعَ .. وهذه الحروف قد اجتمعت لتُقنع
وهاهو وجهكِ .. وجهكِ الذي تورطتٌ به لا يتسرّع ..
يزورني كل سنّة مرة ولا يخاف أن أنساه بالمرّة !

أسئلة

لم آلف وحشةً كهذه كي أعتاد حديثًا كهذا ، لم أعد قادرًا على مجاراة سيّال الأشواق يقدم من غيومك التي تهطل مرة وتمسك ألفَ مرة ، لم أكترث لشأن أحدهم بهذا القدر كي أحترف التصنع والتزلّف والتزلّق في حديثي معه ، كل الذي أعرفه أني أكبح أشواقي عنك فتنسل من بين أضلاعي طائرةً خاضعة مسلّمة لسلطان عينك ، كل الذي أملكه جوارح أقصرُها عنك وعينًا تغضّ البصر عن فتنتك ، وإن ملكتُ ما ملكتَ فلن أملك قلبًا حام حول الحمى وقع فيه ولم يبالِ بعواقب النظرة ومايعقبها من حسرة و هواجس لا تُعدّ مما أصابها من بركات الكثرة .

أتُرانا نُمسك الأقدام فتخالفنا خطى القلب وتعصينا لترضي رغباتها ، أتُرانا نَنْهى الخاطرة فتعقبها الفكرة والخيال فالإبحار في الخيال من تفاصيل اللقاء إلى معجزة الخلود والبقاء ونرتب أشياءنا بعضها فوق بعض ، حاجتي وحاجتك ، غايتي وما توافق معها من غايتك ، وأظنّ أن ما أصابني سيجعل غايتي هي غايتك ورضاي في سلوتك وطمأنينتي في قربك والأنس بك .

تخففي من الأسئلة ودعي الإجابات لي أنا أرتبها من عمري، مما جمعتُ من الأيام ، من طول صبري ، من صدقي مع نفسي . إن سألوكِ يا حبيبتي قولي يجيب هو عني وهو كل ما أقصد وأعني وأنا عصفورته التي تحوم فوق رأسه في النهار أسليه بشدوي وفي الليل أسليه بشغل فكره بي ، ولا تستعجلي إجابةَ سؤالٍ قبل أن آذن لك فالفراغات لا تُلاحظ حتى تُملأ ، دعي مكاني فارغًا حتى أملؤه بالإجابة الصحيحة .

أما عن سؤالهم عن حالك فأجيبي : كحال من أحب . عذبنا الليل أرقّ أجسادنا ، و زاد من اتقاد عقولنا أرانا منّا خفة روح ووطأة شوق ، أوغل في أعمارنا فاستخرج الشيب منّا شبابًا وسبر أغوار الحكمة فينا فتيانًا .

وإذا ما سألوكِ عن مآلك فبادري : ماقضى ربي علينا خير لنا ، وقسمة الله فيما أعطى عادلة ، أرى عدل الحياة معه فلم أرى ولن أرى غيره ، وأرى عدل الحياة بدونه فأعرف كيف يكون الحزن أسلوب حياة وطريقة قرب من الله . فإن كتب ربنا لنا قربًا بعد غُلب كان هذا أدعى لأن يدوم ، وإن كتب ربنا لنا بعدًا بعد توق فقد علمنا أن هذه الحياة لم تقوَ على أُنس الأنبياء ولا إسعاد الأتقياء فكيف بنا نحن الأشقياء ؟ فلا على حياة نبتئس وفي دار الجزاء لنا عقبى .

وعن الحب إن غمزوك فتمنعي ثم أجيبي : أحبه ولا سلطان لي في هذا ، أحبه وللقلب اختياره ، أحبه والكون هذا فُطر على الحب والمحبة ، أحبه ولا أتقي حبّه ومن يضمن لي إن اتقيته ألا أصطدم به في أول مفرق طريق فتفضحني شهقتي ويروع أهلي منظري ، أحبه والحروف لا تكفي لوصف العذاب بقربه وفي البعد عنه ، أحبه وغيرتي عليه نار وسؤاله عنّي جنّة و صدوده عني احتضار ، أحبه ولا يحاسبنا الله عمّا في قلوبنا فلا تطيلوا الأسئلة .

وعن أوصافي إن سألوك لا تجيبي فهم ما سألوا إلا ليروا عثرة وكلي عثرات ، وأول من يعرف عثراتي أنتِ ، وأكثر من يحصي زلاّتي أنتِ ، وأعلم الناس بضعفي ياضعفي أنتِ ، لكن حبك لي يغفر لي وحبي لك يسمو بك فوق ظنوني وفوق كوامن حسرتي وفوق شكّي وغيرتي .

وإن سألوا عن اسمي فاغمضي عينيك حتى لا يقرؤوا اسمي ، وقولي حروف اسمه كثيرة وأخشى أن أتعب في سردها وكنت أتخفف فيها فأناديه بثلثها وبأحب الحروف لمسامعه وأتغنج بنطقها فأرى بحة صوته قد زادت فأعلم أن جزءًا آخر فيه قد ذاب وأنه من نفحة الهوى قد اكتوى ثم طاب وغاب عن هذا الكون غاب ! .

بعد هذا تعذري وتململي وتبرمي فما بعد هذه الأسئلة إلا مافضل وزاد ، وماللفضول كنتِ تجيبين بل للثقة والثقة وحدها من ستوصلني إليك فأسألكِ أنا : أتحبينني ؟ فلا تجيبين فأبلع ريقًا وأصب عرقًا وأكتم شهقة فتضحكين وتستحين وأصبح أخف مخلوقات الله وأتحرر من الجاذبية والأعراف الغبية وأرى في عينك تلك اللمعة التي تسبق الدمعة وأحضنك والناس نيام وأجمع كل حنان الأرض فأوسدك صدري وأتوسد الحصير من تحتك .

أنمتِ ؟

وما أنا بالمصدقِ فيكَ قولاً ، ولكني شقيتُ بحسنِ ظني *

اللهم سقيـا رحمة لا سقيـا هدمٍ ولا تدمير ..
هكذا استهللت رعودك وبروقك ترحيباً بعودتها من بعيد و بعيد جداً ..

في عرف الحياة ومن خلال تعاملاتي السابقة معها :

هي لا تذهب خالية الوفاض أبداً , وإن ذهبت فستعود بما هو أقوى وأثبت مما ذهبت به قبلاً .
صبَرتُ والصبر جُنّـة للموعود , ولكني لم أكن موعوداً , ولم أعرف لماذا صبرت كل تلك المدة ؟
دائماً ما أراني أنافس الحمار صبراً وقد يلقبوني يوماً بـ أبي صابر , لا أعلم , ولكني صبرت كثيراً
وصبٌر بلا وعـد , كصبرٍ على سف الرمد , والمشي عارياً تحت الرعد , ورواية قصة بلا سرد ,
بالضبط هي هكذا كانت أيامي تتقطع , وكانت لحظات سعادتي مبتورة , ولم تكتمل أبداً تلك الصورة .

قد أكون مؤزراً بتوفيق الله وتثبيته لي , أو ربما كنت مستسلماً لسطوة الأيام , و أظن أنّ لي ماضياً مع الاستسلام حينما كنت أرى عينيك , وابتسامة ثغرك المليء بالأشياء التي تلمع وتسطع وتتميع كما كنت أتلوع وأنا أشاهدك , ولا أدري أقلبي ذاب حبّاً بك , أم قد استباح ما حُرِّم عليه قبلاً وأصبح يعصيني , أم أنه فعلاً وفيّ جداً لك , ولكني لم أكن أعلم بوفائك لي ؟ , أنا أعرف إني كنتُ وفيّاً جداً لدرجة إني كنت أخاف لمجرد أن أسمع أنك تبتسمين لأحد غيري , أو تخاطبين غيري , أو حتى ترتاحين وتستأنسين بالقرب من غيري , فاخترت البعد بهدوء بلا أي صوت , بلا ذكريات تتلألأ كلما تذكرتك , بلا جنون , بلا ظنون , لم يبقَ لي منك إلا تلكم العيون , كنت استأنس بها في ظلمة الليل , بخيالاتي التي تسبح بعيداً , أصبحت أراكِ في عيونهم , أصبحت استمتع بمناجاتي لطيفك لدرجة أني استأنست بقربه وكنت أستوحش من لقياك و ارتعد لسماع صوتك , أتذكر ضحكتك التي كانت تملأ خلاياي حركة ونشاطاً , فاتت على الأطباء أن يصرفوا لي منك دواءً لعلاج فقر الدم فيّ , وكنت أعلم أنك طبّي وطبيبي , و سرّ صمتي وتغريبي , و سبب استمرائي وعنادي , ولكني فضلت البعد لأن البعد مرّ بالدرجة الكافية للتجرع يوماً بعد يوم , على أن أتجرع عسلاً فانياً , أو اعتاد على إدمان ابتسامة غالية جداً لا أستطيع التكفل بثمنها الباهظ يوما بعد يوم , وأنا أناني بعض الشيء أريد أن أبقي بعضاً مني ليّ , للأيام السوداء , لليالي الباردة الجافة الصامتة التي تسرق مني بهدوء , تسرق من لمعة عينيّ , ولون شعري , وتزيدني اصفراراً بعد حمرةٍ كانت تعلو وجهي لتثبت لي أنني فعلاً فقير ولا فقر يمرضني سوى فقرُ قربِك , أنا فقير , و أدعو الله غنىً لا يبطرني ولا يجعلني متكبراً بما لدي , وغنىً يعيني على طاعته أكثر من أن يسرقني من نفسي ومن الناس ,

لم أشك يوماً ولن أشك بمدى صدقي وصدقك في الهوى وفي الحب وفي اللوعة و صدق المشاعر , حتى لو كذبتِ بأنك لغيري فأنا أعرف أنك لا تبتسمين من كلّ قلبك إلا لي , ولا تعرفين أن تبوحي بكل صدق إلا لي , وتزدادين حرية بسؤالي وغيرتي عليك , وتستبهي طلعة جبينك بنظرة إعجابٍ مني.
أنا لست غبياً , وإنما حذر ياحبيبتي , أخاف عليك قبل أنْ أخاف عليّ , أخاف عليك لأنك مني , أخاف أن تغرقين وأغرق , أخاف أن لا تجدي حبلاً للنجاة إلا أنا , وأنا الغريق قبلاً , أخاف أن يقلقك حديث الناس عنّـا , ولا أحتمل تنهيدة القلق منك , لأن أعظم قلق يصيب الإنسان أن يقلق بسببٍ يجهله , نعم سأقلق لقلقك ولكني لن أحتمل أن أقلق لأنك تقلقين فقط , أن تعيش كالملك المخلوع في وسط مملكتك البائدة أصعب عليه من أن يموت حفاظاً عليها , رضيتُ أن أموت سابقاً فيها دون أن أتكلم , تقطعت بهدوء , كل يوم أنزف قطرة في إناء يسمى بالوفاء , والوفاء لا يعرف ثغراً يحكي عنه , هو صامت لا يبان إلا إذا طفح الإناء بالدماء وابتدأ يذرفها يمنة ويسرة فيلاحظ الناس حينها كم هو مليء , وينظروا إلى الرجل النازف ويجدوه قد فارق الحياة مبتسماً .

الإنسان يستمتع أن يعبر عما بداخله , ولكنه يتعذب إن لم يجد أحداً يفهمه , لذلك اخترع اللغة واخترع الكتابة واعترف بالفنون والطرق التعبيرية المتفرقة كالرسم و النظم والشعر والغناء والأراجيز ولربما صدقّ الأعاجيز لأنه يحب أن يُفهم كما أراد , لاشيء يثلج صدر الإنسان كإيجاده لعقل يفهمه وقلبٍ يئن لأنته , ولسان صادق يكمل عنه ما ابتدأه , وحب لا ينضب مهما طالت مدة استعماله , كل خوفي أن أكون في موقف يصعب علي إيصال مقدار حبي لك , للناس لمن يهموني , وأنا أكثر خوفاً أن أفقد القدرة التعبيرية عما في داخلي لك , أنا أحبك هذا يقين , ولكن اليقين لا ينقل بالشعور فقط , فالله واحد لا ثاني له هذا يقين ! , ولكني انظري لحجم المشركين والكافرين في هذا العالم ! , وهذا يعني أن اليقين وحده لا يكفي , أريد أن أمتلك أداة تعبيرية قوية لكي أنقل لك شعوري بأني سأرسم لك الأرض على كفك إذا ما أردتِ ذلك , سأتسلق القمم الشاهقة وأنتِ على كتفي , بأني سأنظم معلقات وأرجع الشعر العربي لأمجاده إذا ما أردتِ , ولكن هذا يستعصي عليّ الآن لأنه لا أمان ! ..

لربما نسيت أن أقول لك قبل ذلك أن الأمان أبو الإبداع , أنا لست آمناً الآن , لا أمتلك المقومات الكافية للأمان , للسلام الداخلي , للتحدث بكل أريحية وطلاقة , لأني لم أبلغ أوج قوتي , لأني مازلت شاباً أضج بالمتناقضات فيّ , لأني أترنح بين كل الطرقات فأعود لنقطة البداية , لأني لابد لي أن أكون هكذا لكي أعرف طريقي جيداً وأمرّ له مرّ السحاب , الحياة محطة توقف وانتظار , كلنا ننتظر بلا استثناء , قد تطول مدة الانتظار , وقد تقصر , قد ننتظر سراباً , و قد ننتظر غيوماً هاطلة , أو سحابة صيف خداّعة , ولكن بالرغم من ذلك نظل ننتظر حتى لو كان ذلك الإنتظار مجهولاً .

كل ما أريد أن أقوله يا عزيزتي : انتظري وانتظري مطولاً ..
إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب , لعل أجري وأجرك أن نلتقي بأمان في يومٍ من الأيام .
وإن لمْ يكتب لنا ذلك , فسوق يتفتق لك مستقبل مشرق من مجرد انتظاري , أنا أثق باختيار ربي لك .
وأن الخيرة فيما اختاره , فإن لم يختارني بقدر حبي اللامحدود لك , فسوف يرزقك بخيرٍ مني , ويالك من محظوظة به .