مومو عينيا

إذا مضى قمران قابضًا على جرحك واستبدّ بك الألم أعتقني وعبّرني وهاهو تعبيري؛ ذلك أنّ الجرح المُعبّر يفقد جارحته كما تقي الكفارة من الكفر.

إذا رأيت الفزّاع فاعلم أنه لا يفلح حيث لا يطيق صبرًا على ألم، وإذا رأيت المدّاح فاعلم أنه لا يقرّ حتى يفسد عليك ما أنت عليه أو يستولي عليه، وإذا رأيت الوفي فاعلم أن حاجته منك قائمة، واعلم أنّ نوازع البشر تجرّهم من تلابيبهم مبرزخين نيام، فمنهم من يعلم ومنهم من لا يعلم: فالذي لا يعلم يظنّ أنّ شقوته من شقاوته فيتجبّر ويستكبر، وأما من يعلم فيستفرغ ويستغفر، سأل أبو الحسن النقاد: أيعصي الولي؟ فقيل له: أي والله وهو يشاهد عين الحقيقة.

لحى الله أقوامًا قتلتهم أطباعهم فلم يتبرؤوا منها، ونازعتهم أنفسهم فلم يتجاوزوها إلى مادونها، واشتُريت ذمة الانضباط والطاعة منهم فلم يصرفوها إلا لأهلها، وأعجموا وأخفوا وتخاملوا حتى نُسوا ولم يخملوا – إلّا أنّ الله أودع الأسرار بلطف وأودع مفاتيح لها من أهلها إذا برقوها أُذن لهم ولا ملامة.

“لا يقنع المحب بمشاهدة المحبوب والتملّي برؤيته بل يمنّي عينه أن يُشاهَد منه: وأنا أسارقها النظر فرأيتها تنظرني” وحين تلاقتا برقتا وهطلت. هاهو الدرب الطويل يا قسيمي ويا ظليمي يبرق في صحنك وصحني ويغرقنا بخدرة الأمل وتتكشف الدنيا عن نوايا أهلها؛ ما أشدّ ما رأوا من فظائع، وتتبختر الخطايا ويتبرأ الخطّاؤون ولعلّ إشفاقنا يقضي علينا حين يلبسنا جرمهم ولعلّ وصمة جنون تبرّد حرّنا، عقلاءَ كنّا وحكماء ظنّنا أنّا، فمن يقف في وجه الصروف والأحوال.

رأيت فيما يرى النائم لحمًا يفري يدًا تحاول استعادة الغيرة التي أضاعتها حتى عَضُلت اليد، ورأيته يشرب دمه مداويًا قرحته، ورأيت كيف تستمرئ الغيرة شكًّا بالنوايا الرحيمة ورأيت لا مبالاةً أشرس من كل افتراء، رأيت أصل الماء كيف يصفى من شوائب تراكمت عليه، ورأيت كيف تعود النوايا بريئة من مطالعة الطفولة وسذاجة أحلامها.

سعار الدخان كالغباء يلاحق الأنوف المتطاولة الفضولية والمتحفزة لنصيحة عمياء؛ لكننا أغرقنا الصمت حتى اختلط الدم بالماء وظنّ الذنب أنه بريء وعلّمنا الملامة قلّة الحيلة والحياء؛ وما أبرّئ نفسي، وأشاهدها من وراء وراء، أعطف عليها إذا قسوا وأقسو عليها وأحنو.

أنا الوحيد أنا الذي يعلم كم مرة دارت الدوائر ودرت بها حتى عدت نقطة بدئي وظنّ الرائي أنّي ما برحت مكاني، وترى الجبال تحسبها جامدة؛ فأقم عليّ وأقم صدور مطيّك حزنًا عليّ إذا رحلت وسأقيم مآتمي مكان أفراحي وأغربل موازين مراحي، فلقد كنتُ، وأُريت الطفل كهلًا فعطفت عليه، ورأيت الطفل هرِمًا فلمته، وضحكت في موضع التباكي، ونشبتْ بي الغفلة حين دمعت العين، واستفقتُ في حانٍ نائية وكنت معهم لا بهم أنا، فالعيد عيدي واليوم لي وذكرياتي ذكرياتي، حايشها حتى عن نقمة ذاتي:

نجمتي صنوان روحي هجس خاطري خبيئة طمعي
همسي قرآني أورادي دخيلة نفسي ونحسي

قسيمي ظليمي طلسمي حميمي وضميمي
فقل لي:
كم في القلب من مي مي ؟

دلوب القلوب

إلى اليمين
إلى الشمال
إلى الجنوب
إلى الشروق
إلى الغروب
إلى الجراح
إلى النقيض
إلى الظنون
إلى الحضيض

جرى كلب الحرص إلى أطماعه
أيقظتُ فاكهة الروح وخفتُ أن آكل منها
عَكِر الماءِ لا يتنسّم رائحته
وسوف أبتلع هذا الهمّ كاملًا وحدي
وأدفن فُتاته
للقلب بوصلته
والأهواء تأكلني
ماعدت وحدي في وحدتي
تكاثرت عليّ غربتي
تجاسرت عليّ رغبتي
أقسمت للقلب
أن أساعده أولًا
أقسمت للقلب
أن أساعده أخيرًا


فتعال يا حبيبي ندفن أحقادًا لنا خلف ابتسامة
وأعصر عليك ملحي وليموني
ونتذكر معًا كيف كان لحمي مرًّا
وكيف أنّ للمرارة وقع الخزف
وقرع البلاور
وحزيز الصَدف
وأنّك لن تنسى كيف كانت الجاذبية حقّة
والشمال هو الشمال


إلى اليسار در
وأعد دائرة الشباب
وأغاني الحنين
للموت نبع اليقين
ولنتذكر معًا كيف كان موتي مرًّا
وكيف أنّ للمرارة أناقة التحف
و مسد الأساور
و سلطان العطف
لست خاليًا من تهمة أن أكون إنسانًا
ولستَ خاليًا من تهمة المحب
حين يعطف يلين
ينسى من كان أمام الغريب
ومن حوائط الحذر يتخفف
ولأن الإنسان ينسى كيف كان
يغامر في بناء الأحلام
ويجمح في كون الحياة تسايره
وهو من كان يسايرها
حتى ارتطم بحلم أكبر
لعابر مر ولم يُعبّر
ومضى إلى حلمه حتى جرفنا
والآن يتبرأ منّا
ويقول أنه حلمنا


إلى الجنوب در
وأعدْ أحلام الحيارى إلى جيوبهم
واملأ جيوبنا بالحجارة المقدسة
حتى تثقل حقيقتنا التي تعنينا
وكفّ عن قيادي إلى حلم لا يشبهني
هذا الحرّ منّي وأنا منه
ولنتذكر معًا كيف كانت حمرة خدّك
حينما وُزّعت الهدايا والهدايات
ولم يكن معي سواي
فاخترتِ أن أكون هديتك ومظلتك
وسبحتُ في موج من الهقوات
غرقت فيه وشربتك
أما أنتم فلا أراكم
أرمي ثراكم في النهر
كل حمولة على الضفاف قبر
كل طفولة على الضفاف تبر
لا تعرني خيالًا ولا خاطرًا
ولا أمسًا ولا حاضرًا
كنت قد رتبتُ هربًا يليق بي
ومن أول لقاء هربتِ
أكرهك
أحبك أكرهك
أحكرك أحررك


إلى الغروب درّ
ذكريات معتمة
عضٌّ للنوايا
وعمرٌ في التظاهر بالوضوح
من رآني رأى قمرًا على وشك الصعود
إلى التمام وشرّحه
هل كان لا بدّ للحقوق أن تموت كي تُرى
مؤسفٌ أنّ العدالة لا تُورّث
وليست معدية
كي ترى بعيني كيف أتحسّر
أنا اليوم لست ابن اليوم
بل ابن عشر سنوات للوراء؛ ربما
وابن انكسار كان في طفولتي؛ ربما
أشرب قهوتي مع جدتي
أغالب مع والدي حجّتي
أو ربما أشرب أنخاب وحدتي
وفخري وفرحي وخوفي وحسرتي
أنا اليوم لست هنا
وبالتأكيد لست ابن اليوم
والسرّ خلف الواضح
أعمى من المخفي
كم كان هذا الباب هنا وما رأيته
سيكون فتحه أشهى
من باب خلف باب خلف باب


إلى الشروق در
لهذا القلب باب
حنين في حنين
و رحمة على الإنسان
كيف صار وكيف كان
كيف لم تعمّده الأهواء
حتى نسي مدح نفسه
كي لا ينسى نفسه
وغمرها في شهوات الآخرين
وتفتّقت كينبوع ماء
كلّما حاول القلبُ أن يُعرب
أعجمته الفعول
وظلّ في ظلامه لا يقول
كلمّا حاول الآخرون أن يُشرب
مذَقت مرارته الألسنَ
وأحرقتِ الحلوق
لكنه هو هو
في القديم وفي الجديد
في القريب وفي البعيد
حارقٌ على برودته
بطيءٌ على سرعته
حذرٌ على تهوّره
ويخايل بروق الناس كي لا تُتبع سحابته.

وازدادت تاسعًا

على الأشدّ أشدّ اليد باليدّ، لأننا كلّما غرسنا في سبخة وتد استحالت جنانًا، قمرٌ بدرٌ متلهفٌ ومحزون، بدورة كاملة حول نفسه، يرقص يترنمّ ويغنيّ، كل عام – كلي آلام – وأنت سالم وزاهي وبهي.


إنّي لأكتـم من علمي جواهره
كيّ لا يرى الحقّ ذو جهلٍ فيُفتتن

السجـاد


على أثرك تلتفت أوجه القلب الثمانية وازددن تاسعًا:

وجه ينظر إلى الأحكام: صامتًا ربما كان يهمس، يرى ولا يصدّق، مستبدلًا كلّ يوم بحكمه، حتى تنبت في سويدائه الحكمة.

وجه ينظر إلى الاختيار والتدبير: فوضوي قادر، يتنسم أنفاس هذا العالم ويعرف أولها من آخرها، وأصيلها من برّاقها، يختار كثيرًا ألا يختار، ويدبّر كل ليلة مكيدة ليسطو على قلبها.

وجه ينظر إلى الإبداع: خلّاق لا يقف قلقه على حافة، قافزًا وثّابـًا، وحضراته الكثيرة أورثته بريقًا ونظرة تخترق، وصدرًا يختنق كلّما دُهش من غرابة المرائي.

وجه ينظر إلى الخطـاب: والكلمة أصلها صوتٌ وحلق وفمّ، تسابق الخطوة حافية القدم، إذا كان المعنى خادمٌ للشعور، فالنبرة أصل الحرف، من عرّفها، من عرّبها ، من أعجمها.

وجهٌ ينظر إلى الحيـاء: ولا يستغرق في النظرة، يخاف ألّا يخاف، يرهب أن تملّ الحمرة من الفوران في صفحة الخدّ، من الحياة مشتقة جبلّته ولها وفيّ، إذا احترت فيه يخيّرك ويسبقك إلى حياتك.

وجه ينظر إلى مالا يقـال: وهنا تعثر أقدام الرجال، وتعبر خلاخلهن، بين الإبانة والإدانة، والبراءة والذنب، الصبر والستر، سوف أبقى وفيًّا لمن علّمني عن معنوية السرّ.

وجه ينظر إلى المشاهدة: الشاهد ما احتمل سؤال الفضول فبكت عينه وتلعثم لسانه، شاهد أكثر مما يجب، سكت. وماسكتت المرائي.

وجه ينظر إلى السمـاع: ماحُجِب منذ وحى وهو أذنٌ كله، والأدب كلّ الأدب في هذا الوجه، لولا الوقوف ماسمع من سمع ما سمع، فاستوحي حتى تحي، وإن وحيت قف.

وتاسعٌ ينظر إليك لا يتردد عليه غيرك، مالذي أخرّك عنه ؟ 
يانهلي العذب دمي فداء لك لو أردته أن يتحول لماء ، وهل لي أن أقاوم حلاوتك؟

هل هناك أسرع من خطوات أقدامك؟، عندما أشتاق لك أتمنى لو كان لي أجنحة، أرفض كل المسافات وأكتبك قصة ، أكتبك خاطرة، أكتبك كفجرٍ على هيئة إلهام.

فقدتُ كل الانتماءات عندما رأيت عينيك تركتني على الحياد المطلق، صفرًا مكعّب لا يجد مايشبهه، تائهٌ و وحيد كأني طفلٌ لم يفطم، يريد أن يلتقم شفاهك كأنّك غذاءه ودواءه.

لا أحد ينظّر عن الجمال الصارخ هو كالحق الواضح كالنور الساطع يخترقك فتتنهد ولا تعرف أسبابه ولاتستطيع أن تحصيها.

دع الحديث ينساب بيننا
فثغرك تلّ وسمعي وادي
وماعلينا من غيم السماء
فالجوّ صحوٌ في فـؤادي

فضيلة التراب مع النار على النار

يعطي الله العطايا على قلوب الرجال لا على صورهم.

الناس أحلاس؛ فالصدوع التي ينسف أحجارها الماء تُداوى بحبّات التُرب المسنّنِ.
والرطب عافنُ إذا ما استوطن
واليبسُ ملهبٌ إذا ما استمكن
فسحةٌ في القلب لا يضيقها هجر ولا تعكّرها هوّة
إن استطعت الهجر فاهجر مليَّا، وإن لم ، فنحن عند حسن الظن.

حوى النار وبها تشكّل وبها يتغير وبها ينتصر وبها ينسى وبها يتسنّن.
فإذا لم يذق العبارة سامعٌ فلا تطلب الإطناب من مُتكلّم.
من التراب إلى التراب.

الهوى عوّد يبيني من جديد

لا مشاورني ولا معطي وعـد

وماذا لو استطعتَ أن تفكك ألغازي كلها وانتهت نشوتك، ومضيتَ كما مضوا كلهم أمام مرآي دون أنطق، منذ لاحت النية؟. نعم يُحاسِب على النية وحديث النفس؛ بل ويريها من يشاء.

ماذا لو انتهى كلّ عتابي وشققته حتى نهايته؟، أأعود بعد أن قشرت الحقد وسكت عني الغضب إلى الأصل؟ ؛ أيها الحب لو كنت وهمًا في خيالي لما قرعتَ طبلًا في الأفق ولما تغشيت ظلمته ولمعت عيني من وقع مصادفاته.

وماذا لو لم أكتب لك؛ هل تعتقد أنني من أولئك الذين لا يسمعون صدى حمامات قلبه؟،

قم واغتسل

قم واغتسل

قم واغتسل

ألا ما أنار الحقد بيتًا ولا هدى قلبًا قط، أعوذ بالله من إضرام النار إلى الأبد.

ماذا لو لم تكن في يدك ضمانة فتات الخبز؟، أكنت تهرع وتجبرني أتبعك في الطرق التي لا تنتمي لي؟. سأتبع قلبي لن أتبعك، وتحمّل مغبة تعريفه.

ماذا لو لم أكبر وصابني الجنون والعته من شدّة الشف، وتسترت بحطامي على ناري ولم أصرخ؟، أكنت مصدقًا صممًا يتعداك لمن هم بعدك؟.

بسم الله: خطوة واحدة إلى شمل القلب، خطوة، وخطوتين إلى يمينه، وغيرّت عنواني.

هاؤم العائدون من قمة الطموح. قمرة العشـاق ألذ وأوفق، نكرانهم أثبت للمحبة من إقرارهم، وعنادهم ملح الحياة الرتيبة، سلوانهم جمرتهم، وشفقة قلوبهم غربتهم، عناوينهم واضحة: إلى الرعشة أقرب والمسّ أصلهم. الهجرة إلى المعاني دفاهم إن أثلجتها الممكنات.

في التشاؤم أفنيت عمري مدّعيًا جهلًا رزينـًا، والصرخـات أحملها ذخرًا ليوم يشيب ناصيتي، أذرف به دمعًا مؤجلًا من عامين، كي لا أتهم بالجنون وهي الدمعة ذات الدمعة عند باب القلب لم تجف ولم تبرد.

أشبهك ومفارقات الأوقات تضحكني، أغار من شدة الغرر، تجارب أجوع إليها فأظنني أحتملها، صعق على نار هادئة، لأكون منارة أحملك فوق مئذنتي وأكبّر بعلو الصوت، أخرط كل المفاوز، آه يا حلمي لو أنّي لا أتقطع، لأحييت كل الأماكن التي أثارت خيبتك، لخلوتك.

لعبت الضمائر معي الغمّيضة: فتحت مرة عيناي على أنا ومرتين على أنت ومرات على نـا، حتى فقد كلّ منها قيمته، القبض والبسط واقع، واللهف واقع، والموت واقع، والحب واقع، فاقض غربة تشفي غليلك، ودعني أحمد الله على سلامة مراسيك وراياتك وقلبي المأكول.

قالوا: المحبة قدر

أعرب أحدهم عن الحبّ فنمى غصن فوق سبخة وارتعدت فرائص الحسود، وتساقط الزيف كما الخريف.سبحت المعجزات في ماء الحياة، لسنا نراها كلنا، ولا يهم، لم نكن كلنا سعداء، لكنّ هذا أيضًا لا يهم. الحبّ معدي والفرحة معدية، أما عن احتمالية الندم؛ فهي أقرب مما تتخيل، لكنها اختيارية.

مالذي تعنيه كلمة أعرب؟ مرة أشعر بأنها تعني [أفصحَ]: أي استنطق الشعور. وأخرى أجدها تشبه [أبانَ]: أي أوضحَ ماكان معجمًا؛ فبانت أنواره؛ لكنّ معناها الأقرب لقلبي هو [أشعرَ]. والعربية والشعر علاقة ضاربة في القدم، أعرب: أي أشعر، عربيّ: أي شاعر، عرب: أي مثقلون بما يشعرون به حتى يبيحهم أو يبوحوا به.

سال القلم مني اليوم شعورًا نقيًّا محبًا فخورا.

قالوا: المحبة قدر، وأقول احتمال: خذها إلى اليأس إن شئت أو خذها إلى الآمال. وحِبّ كما أراد الله لك أن تكون، ولا تبتئس بردّ الفعل ولا بضيق الحال. ولا تخلط حب الطبع بحب الآل وليأخذك حب الآل إلى تحمل اختلاف الأحوال، فالمحبة اتساق مع كل غريب العالم. حتى لا تستطيع أن تُعرب عن أناك في لجّته، ولتسعك الدهشة أي الصمت المبهت، طوبى للمبهوتين، ماعرفوا أي يد صافحت يدهم عوضًا عمّن كانت يده العليا.

إنّي قد سلّمت لكلّ طالبٍ ربَّه صورةَ طلبه كما سلّم لي؛ مازلت أكرر الآية حتى سمعت من قائلها:

يحبهم ويحبونه

يحبهم ويحبونه

فإن قالوا كيف وفيهم كذا وكذا؟

قل: وجدت الحقّ بقبول الضدّين معًا

ووحدتّه بمعرفتي قدر عجزي عن إدراك ذلك

قالوا المحبة قدر، ومالحب سوى قبول الأضداد وعجز الإدراك ثم طلب زيادة الإمداد.

يالله لا تخزيها يوم البعث

الموت كائنٌ كبير
ونحن أبناؤه
بأفواهنا الضاحكة
وعندما تحسبنا في صميم الحياة
يجرؤ هو على البكاء
في داخلنا.*

قلوبٌ حارّة تحييك بعيونها الرطبة، هذا مايسليك في كل أيامك الطويلة، كانت الحياة بلا قلم ولا ورقة، وماكانت الحياة لولا تسلية الأماني المنسابة من عينيك، عيناك اللتان راقبتهما تذبلان مع الوقت، كأنهما الوقت. ماهي الحقيقة التي يحملها قلبٌ يحتمل كل قلوب أحبابه؟، ماكان نصيبها من الحقيقة مخيلة تلك الفتاة العذراء البريئة؟ تخترق الممنوع بضحكة ليست بذيئة ولا خجولة، بل جهولة وتنسى.
لم يكن الألم رفيقًا بك، كيف يتعاظم الإنسان يا أمي أمام الهزائم؛ كيف يكون شجاعًا ليعرف حقًا ماوراء التعريف المتداول للشجاعة. كيف يهرب من الموت مرارًا ليصل إليه، ويختاره عندما يريده؟
وما أسباب الوفاة ؟ إنها ذاتها أسباب الحياة؛ تغير سريع وجحودٌ فظّ لكل الثوابت والمبادئ. هزّة في الوجدان، ورفّة في الأجفان، أعصابٌ تذبل سريعًا بإزاء اللحظة التي تتفلّت كدوامة القيامة.

إنّ الموت فظاظةٌ تجرح الغافلين عنه.*

بريئة كنتِ كفتاةٍ تمتثل لقصيدة.*

هذا السقف كان بعيدًا كيف اقترب هكذا؟
هؤلاء الأولاد كانوا صغارًا من ذرّ الرماد على ذوائبهم؟
كيف اجتمعتم كلكم هنا؟
كيف اتفقتم؟
لا يوجد مايكفي من المؤونة في الثلاجة.
كيف سأمشي إليكم بلا أقدام
كيف تجرأتم على الوقوف بينما أنا مضطجعة كدمية؟
خذوا قلبي الذي جرّب كل مأساة.
ولتنهمر السماء – تلك دموعكم – مازالت ترائي الملأ
ولتشربوا قلبي الذي تفرّق بينكم
إنّي لا أعرف كيف كبرتم هكذا

من قهره ذلك الملاك
الذي تنازل عن النزال غير مرة
خرج مرفوع الرأس ماشيًا باستقامة.*


إنّ الكلمة التي تغادر فمك ماوجدت قلبًا ليكتم عنها
فإن هبطت على قلبٍ يكتم عنها ازدهرت
وإن لم تجد ستتنقل بين القلوب فتلوكها الألسن حتى تمجّ وتُبصق
وكذلك الكلمة المكتوبة، هاربة من حرقة ماعادت تجد قلبًا يسعها
ثم غادر القلب.

ثم غادر كل شيء مكان القلب
دون أن أعرف في البدء إلى أين
مشاعري كلّها، كلّ ما أكون
تجمّع، تدافع، وصرخ
إزاء العينين المقبورتين اللتين ماعاد لهما من حراك
كل مشاعري التائهة
لا أعلم ما إذا كانت بقيت هكذا سنوات
لكنني أعرف ماكانت تلك الأسابيع
التي عادت فيها محطّمة عن آخرها، وماتعرف أحد.*

إنها تسمعني، أنا متأكدٌ من هذا
كما كنتم متأكدين من أنها لا تقرأ ولا تكتب
سوى العيون والشفاه
إنها تقرؤكم السلام من أرض الأحلام.

أحسّ بوردة بيضاء كبيرة
وهي تمرّ قرب يدي
ظلام يتلوه ظلام
وكنت أحسب أني كنت أرى سلسلة من النور
على أهبّة الانتشار مثل نهار
وأحسبني سائرة صوب الصباح
الذي كان هاجعًا بيني يدي منذ سنين
وكنت أوقظ أمي عندما كان نعاسي الثقيل
يسقط من على وجهي المظلم
وكنت أصرخ بأمي: اقتربي هاتي الضوء.*

كنا نعبر الطريق أكثر من مرة
وفي كل مرّة تتوطد الثقة
بأنّ الدماء دماء
وبأنّ الكلمات التي تغادر
عبر الليل تصل إلى أماكن بعيدة
أبعد من الخيبة التي تدهم الخيال
عندما يقصف الواقع إجاباته
إلّا أنّ استنتاجًا قديمًا
هو دائمًا ينقذني:
أنّ الخيال أقرب إلى الموت من الحياة
الخيال من عالم الأحلام
والأحلام برزخ بين الموت والحياة
والموت برزخ بين الخلود والفناء
أطول وأثقل قليلًا من النوم
الحدود مصطنعة، والحرية أبدية
والقلب المبصر
من شدة إبصاره يتعامى
وهذا الليل ونحن نعبره
كانت تقول لي فيه أمي:
سبحان خالق كل هؤلاء البشر
بأحزانهم وأفراحهم
بأشغالهم وهمومهم
برفقتهم وانقيادهم
بقلوبهم التي تسع أحبابهم وأعداءهم
سبحان من لا يضيق بعددهم
ولا يتوه بكثرتهم
ولا يعجزه إحصاء أعمالهم
ولا تنقص خزائنه من ثروتهم وأرزاقهم
وكان يدور في خلدي أنّ الطرق
لاتطول مع الأحباب
والليالي لاتظلم بنا
وهم بنا
وإنني لا أنظر إلى الوراء
ولا أتطلع إلى الأمام
لأنهم هنـا
حتى وصلنا ، أو كدنـا نصل

ولكي يصالحـك احتضاران
وهذا الاحتضار الثالث
الذي كان يتهددك منذ آلاف الأعوام
من أجل موتك هذا
نهضت حيـوات
وضفّرت أيادٍ أكاليـل الزهر
وتكونت ثم تلاشـت
نظراتٌ أعارتها الورود حمرتها
وزادها الرجال عنفـوانًا
ومرتين أٌلّف فصل الموت هذا
قبل أن يداهمكِ أنتِ
ويغادر المسرحَ المطفأَ اﻷنوار.*

عصافيري
لا أكتب، كما تعملون أيضًا
لكنني أعرف وجوهكم وعبوسها
وأعدّ خطوط جباهكم
وأفرّق خصلكم السعيدة
عن الشقيّة
وأصلي عليكم
وأقرؤكم الصلاة
وإذا ما آذاكـم هجري
فهو هجـركم
وإذا ما آذاكم جهلي
فلم يعجز جهلي عن إنجابكم
.وما تعلمون

طيوري
لا أقرأ ، قلبي الذي قرأ
إذا ماوحـى
أعرب عجمتكم
وجمع شتاتكم
وآنس وحشتكم
بابتسامتي وحدها
تشعرون بالـدار
وحُمى الأهـل
تذوقونها من خبزي
إذا ما سرى في قوانصكم
ولا تشكرونني
وتنضج في أحداقكم
فأبكيكم.

كتاب الصور – ريلكه *

فلكان مبتهلان

واقفون على حدود الأسى خائفين من العبور للتأسّي، ومستعدون لهجمة أخرى من المآسي.
توشّحنا السواد على الدوام، رغم أنّ الزي ترف، ورغم أنّ الغفلة مصير.

تسابق الأيام، لا أعرف ماذا تُطارد، كل يوم في مدينة وتشاركها جسدَها جروحٌ تُرى ولا تُرى.
أوقعت كثيرين في حُمى مطاردتها، ومازالوا يفعلون بهدى وبغير هدى، وعندما أحبّت فعلًا أن تُطارد، امتنع الصيّاد وتحجج بقيود أخلاقية.
الأخلاق عندها أمر ثانوي عندما يتعلق الأمر بروحها، حريّتها تدلّها على أن الأخلاق الصلبة ذات الحد الشرس لا تناسب ذوي الأرواح المرتعشة.
وصلت عنده وغلبتها روحُها. أضمرت قائلة لنفسها:
لن يراني ولكنه سيطاردني حتى يظن أنه سيراني،
سأراه حتى أظن أنني سأحبسه بقلبي،
سيرانا الله ويطبطب على قلوبنا قبلًا وبعدًا لأنه عالم نوايانا وخالق قيودنا،
سوف أقترب منه حتى أكاد أتنشّق رائحته، سوف أجعل مدينته التي يتباهى بعزلته بها موحشة،
سوف يتراءى له طيفي ولكن لن يراني، حتى ولو نظر إلى الجبل-أو قناة مائية يمشطها طولًا وعرضًا-فلن يراني،
سوف أرتعد وأمنعه من احتضاني، إنني أعرف أن ضعفه ضعفي،
سوف أضعف أمامه للحد الذي يتقطع قلبه رغم أن من يعرفني يعرف أنني أنا أشجع من في المعمعة.

إنني أنصت له بعد أن ظننت أن لا أحدًا يجيد الكلام سواي، الكلام الذي لايقال هو يقوله كله بتهوّر لا يعرفه من يعرفه،
وكأنه انسلخ من ملابسه وجلدته وضمّني بدمه وقلبه، إنني أكرهه بالحد الكافي لأن أعرف أني أحبه،
وأودّعه كأم موسى أمام البحيرة، وأرحل عنه في عز توجسه من رحيلي كيوسف وأبيه،
وأضمه لحجري كما فعلت عائشة لمحمد على فراش الموت،
وإنني المسيح لو أراد صلبي، لكنه حواريي وأعرف أنه لن يفعل،
حيرتي كحيرة موسى عندما قابل الخضر، لكن الفرق أن كلانا يعرف الجواب دائمًا:
روحانا معجونتان بدقيق واحد وتنور واحد تلهج نيرانه لإنضاجنا، خبزة، هو مصيرنا فإما أن نُؤكل أو نيبس.

أنا المعذّب والمعنّى
أنظم شعرًا وأطرق معنى
وأسبح في ظلام سريرتي
فتفيقني نفسي ومرآتي

على طريق التطهير أن يبدو كأنّه عذاب أكبر.

وبمجرد أن حللتِ مكاني، أحببتك بلهفة، حبًّا لا تشوبه أي شهوة، أحببتك حب الحقيقة، حب الصحبة، حب الخلاص، حب النوافذ والشمس،
أحببتك حب اليابسة للبحار، أحببتك حب الوجهة للمسافر، وإنني على استعداد للسفر مادام السفرحلَّا،
وعلى استعداد للغربة مادامت الغربة وطنًا، أتعرفين أني لا أريد أن أعرف على أي حالة وهيئة تأتين،
تعالي بهيئة بشر أو رمانة ، تعالي بسحرٍ كغزالة، ملاكًا كنتِ أم شيطانة، المهم أن تأتي، فمنذ أمرتني بالقراءة أول مرة، وأنا أتبع طيفك وآثارك في كل مكان.

أنا لا أريد أن أحبك كحب البشر، البشر يحبون لكي يحبسوا، يحبون لكي يشكلوا الآخرين على أمزجتهم،
إنني أحبك حب أن أحررك، إنني أقاوم رغبتي في تشكيلك بعدم الاقتراب إليك أكثر،
حيث إنني لا أريد أن أعرف إلا ماتريدين أن تشاركينه فقط، مسافتك التي تختارينها هي مسافتي:
البقاء على قيد الحياة ونحن نطل على جانبها الآخر بحماس الأطفال، نطل على الحب، نطل على الموت، نطل على بعضنا.

وله أن يمشي بيده عاريًا من الظنون متوشّحًا بالخطيئة يحرس الكلمات من أن يصيبها غول المعاني يرى بعينين ويومئ كأنه لم يرَ يغفر ويغفر.
يغفر لمن يستغفر ويجتبي من يحب؛ حتى وإن عرّش في فؤاده الحقد لا يعوّل على الذاكرة، في كل يوم يرى وجهًا جديدًا لا يعرفه في كل الوجوه التي يعرفها،
فالوحشة لديه أن تعتاد، ليله نهاره لولا كثافة ما تبقى من جسد.
غضبه بعد وقربه حذر يستمع بأذن ساهرة مابين الشك والخطر،
ويعرف حقّا إغماض النوايا اليائسة كم هي مشتهاة ويفتح بابًا للتطهير من شدة اتساعه تحسبه مدينة بأكملها،
ففي بعض المدن التي تعرفها مدن لا تعرفها لو أمعنت النظر وأحسست بالقلب الذي يركض وتركض خلفه
الحياة سوّدت وجهه وقلبه عرف علامتي من عيني وميّزت علامته من صوته،
جروح وحين تمر بجانبها ولا تعود تأثر فيك وتظنّ أنّك شفيت، وهيهات؛ فالمبتلى حيّ، والحيّ لا يطلب الموت قبل الموت، ولا يطلب العذاب لكنّه يستعذبه.
لديّ ألف سكين سننتها يوم الهياج ووضعتها بجانبي في قبّة البيت فعلى هذا الهدوء الداخلي أن يورثني انفعالًا غضًّا لا ينبغي أن يعرفه أيّ مدّعٍ.
الآن فقط على السادر أن يضع أحمال الطريق ويستريح تحت سدرة فقد كان دربًا بعيدًا وهجيرًا أحمرا.
إنّ عليك أن تعيش وتؤمن كما لم تخبر أحدًا قبلك قد فعل، ثمّ تسلم وتسلّم كما فعل كل الذين تعرفهم.
ففي اليوم الذي تنقلب فيه الظواهر والبواطن يصبح كلٌّ في مكانه.

لغزالةَ من أعراضنا ما استحلّتِ

عَتَامٌ وأسبحُ في بحر اللُجج
حُججٌ تحجّ إلى العقل الخصيب
من بعدها حجج
تجادل في غفران الصغائر
وعن ذنْبِه الكبير سَجّ
قلبي المسجّى بالمُهج
يخاطر في حجّه
حجةً بعد حجة
يعاود سفره المقصود
كساعٍ فقيرٍ
يُناوئ ضمّة المرْج
يُسائل ضيفه الحلّاج
أألف مرةٍ يضيق كلّما ابتهج؟
ثمّ يعاود ممسوحًا
غَفَرَتْ هذه الدمعة ذنبي
والمعنى يطير
حمائم في ناظري
فيا أيّها الدهر
مقدسٌ عملك بنا
طيرك الفزِع
يتوق لمهربْ
يشتهي برجًا ومَرْقب
ليحظى بنعمة الرؤية
ويُوهب قلبْ
ليستشهق من صباحك نفَس
طباقٌ ولِبْس
ومسّةٌ تهبُ الأنس
فراقٌ وهجْس
وعصرةٌ تخضّ النفْس
فيا سيدي ووليي
يامنعمًا في عزّة
يا سابقًا في حكمة القِدم
ياعليّا
يامقصود الغربات والقربات
هلّا ألقمتنا كلماتك
خبزًا طريّـًا
لا موكولة إلى حَرَس
ولا مكتوبة على طُرَس
كي يزول هذا الوهس
فأحاججك ولك العتبى
فما منع من خلَقَ
وما تجاوز من تخلّق
عن سرٍّ كمن
في بحر “كُنْ”
وعمّن حوى في ضمنه ضدّه
وفي خلّته لدّه
وفي كلماته تجسّده
وفي حانته مسجده
هل له من وِحدة؟
أم تلك جناية العقل
وضغينة النفس؟
والأيام ماحبكة الأيام:
يوم بأمس
يوم بساعة
يوم بشهر
يوم بسنة
يوم بألف
ويوم بخمسين ألف
وكل أيامك أقدّس
حملتُ مسؤولية العلم
وحمّلتني مسؤولية طلبه
وحملتُ محكمة القلم
وحمّلتني عقلًا يطلبه
فلا على اختلاف أتعجب
بل من وفاق
فبما تقدّم وبما تاخّر
أشهدك بكلّ حقٍّ لا أعرفه
وبكل حقيقة لا أدركها
وبكل غيب أؤمن به
وبحقّ الخوف من الجمال
وبحقّ الهيبة من الجلال
أننا منك وإليك
وأنّه سُلِمَ ولا بواكي له
وأنّ الشكاية لك دون غيرك
وأنّي قد غفرت وأبحتْ.
فأنت الناهي وأنت الآمر.
هنيئًا مريئًا غيرَ داءٍ مخامر

هذا رقمٌ مثاليٌّ لصرخة

هذا العالم آيلٌ للاحتراق
لا تترك يدك في جيبك طويلًا
واحمد الله على الرماد
على ألف فرصة مُخمدة
واسمع حسيس النار
ينادي كلّ متهيج من عناء الطين
من تعب البلل
تجففه من تفاصيل ملامحه

لا تبدأ الثورة بنار بل تنتهي بها
وعندما تستعر الحرائق
لا يحارب المرء إلا نفسه
ومن لا يتتبع الجرْس بدقة لا يمتعض من النشاز
ومن لا يسمع النداء لا يجيب
ومن يعرف أنّ شيئًا قادمٌ يستبطئه

في الغياب رائحة الموت
وعندما لمست شيئًا لزجًا تملكني الاشمئزاز
ويصوت في داخلي صيت الأهل
فلا أجد إلّا التفرّق
لقد انتزعت حريتي من الجهل
ونازعني إياها هذا الحنين

قبيل الموت يبدو الكون ملائكيًّا كحوم الحمام
كلمةٌ يقولها المشرف على الموت
تبدو وكأنها خرجت من كتاب الإله
الموت هو المعنى
والمعنى هو ما تأتي به الملائكة
ونحن نتوق منذ خلقنا لحديث الملائكة

شيطانٌ ما قد باح لي بأنّ الشياطين تكره الموت
وتحب المرض والمديح والإغماض والظنون
لكنّ الشياطين مظلومة بحبها للظلام
ومظلومة بحبها للفتون
ومظلومة بخلقها للفنون
وظالمة لأنها لا تريد لغيرها أن يعرف المعنى
الذي تعرفه

اضطررت لأن أبحث عن معنى
عن وطن
تعلمت الأبجدية ، لم تشفِ غليلي
تعلمت الأرقام، لم تبارح عتبة المنزل
تعلمت المنطق، أعاد رأسي إلى قفاي
فهجرتها إلى وحشيتي
وأدركت أنني أصبحت أخاف
فعلمت كلّ شيء
وأدركت أنّ السعادة ألّا تخاف
ألّا تعرف
إدراكٌ بعد فوات الأوان

النية ترتقي إذا كان الوعي نائمًا
لكنني منذ هجرت برّيتي وأنا لا أنام
سمعتهم يقولون أنني وحيد
فحزنت على اللمز
دون أن أعرف معنى الوحدة
وتمنيت أن أنام مرة أخرى

لا تخف مادمت تبكي
فلا نارٌ تصمد أمام دمع الحزانى
ولا ترتعد لأن بينك وبين النار
دائمًا دمعة
واشكر تضحية الدود
يتركك عندما تكون دافئًا ورطبًا
ويموت جوعًا في انتظار موتك المحتّم
لتسامحهم عندما  تفتر وتبرد

تبدأ الثورة من مكانٍ دافئ وحميمي
من أرحام النساء
من أحاديثهن الناعمة
كشيء ناعم وجميل
ورائحته تدعوك لالتهامه
رغيف خبز
أو طفل حديث الولادة
حواء
أم موسى
مريم
وكلّ أنثى توقد في قلب رجلٍ ما معنى
وعاطفة مشبوبة
ويقين يوقد حياة في جيلٍ قادم
متعطش للحنف
لاستكمالها

1-8-2019