في حضرات الأسماء الإلهية المقترنة (٣): الغفور الودود

ألا إنّ الوداد هو الثبـاتُ
على حالٍ يزعزعه الشتاتُ*

الغفر هو الستر، والغفران ستر ما لا يليق ولا يدوم من الأفعال والأقوال والإبقاء على الأصل، والودود من الودّ والودّ هو ثبات المحبة فإذا كان الحب خلوص القلب للمحبوب فالودّ ثباته، وأول حال المحبوب سقوط وهوي في القلب وهو الهوى وآخره العشق من تعريش المحبوب كالعشقة على العنّابة تلتف حول القلب فتعميه عن النظر إلى غير محبوبه. فالودّ حال المحب فإن كان المحبوب محبًّا فقد وعى هذه المحبة وشهدها فكرم المحب على المحبوب أن يعرّض له ويريه حبّه وصدقه فيها والمحبوب إن كان شهيدًا كان محبًّا فقد ردّ الكرم بالوفاء وهذا من قوله:( يحبهم ويحبونه ) أحبهم فأشهدهم محبته فأحبوه، ولم يتجلّ الله لأحد سوى الإنسان من مخلوقاته من هذه الحضرة فهو الجميل، أما بقية المخلوقات فهي تسبح بحمده وماشهدوا من محبته من هذه الحضرة شيء.

والله من وراء مقاصد المحبّين وإن جهلوا ؛ فيُقال: قيسٌ أحبّ ليلى فليلى عين المجلى.

فكل مُجلىً له حجابٌ
يحجـبه عنـد كل راءِ*

وفيه الحب الذي لا يعرف كنهه لإنسان وهو لا يعرف ما اسمه ولا منزلته ولا صفته حتى يلازمه ويبحث عنه في غيبته ويشتاقه ويصله ويتعطف عليه ويغفر له زلاته وما فعله؛ ولم يقوَ على كل ذلك إلا بقوة الحب، والحب فضّاح لا يرتاح إلا بتعريف الاسم والصفة، ومنّا من يصل ومنّا من يُحجب بالصور حتى يُكشف الغطاء، وفي هذا إذا استمكن الحبّ في قلب محب كثرت أسماء محبوبه عنده من عجزه عن إحصاء ما يحبّ فيه، ألا ترى أنّ من أحب شخصًا دلله ودلّى عليه واستلذ بتسميته بشتى الأسماء عجزًا عن تعريف المحبة.

وفي آية البروج إثبات محبة ( وهو الغفور والودود ) واستحقاقها بأنّه الرحمن الرحيم ( ذو العرش المجيد ) وإثبات محبوبيته ( فعالٌ لما يريد ) فالمحبون له يقولون: الحمدلله الذي لا يُحمد على مكروهٍ سواه. فإرادة المحبوب محبوبة مثله حتى وإن أتى بما يُكره.

وذُكر اسم الودود في مناسبتين في القرآن: في البروج وعلى لسان شعيب في هود: ( واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه إنّ ربي رحيم ودود )

وذُكر في سورة مريم بمصدرية المودة حين قال ( إنّ الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودّا ) أي ثباتًا في المحبة ودوامًا على القصد والرغبة، اللهم اجعلنا منهم.

أخبرني عن رأيك ..