في حضرات الأسماء الإلهية المقترنة (2): الحكيم العليم

الحكمة هي منتهى ما يصل إليه العلم، فإن كان الحقل تنظيميا سمّيت مقاصدًا وإن كان الحقل حقوقيًا أُريد بها العدل التام والقسطاس المستقيم ، وأما إن كان جماليًا قيل الاتزان والتناظر والتفصيل والقصّ والحساب، وكذا بكل باب ومطلب حتى نصل لمبتغى كل شيء وهو علم الترتيب وإعطاء كل شيء حقه وإنزاله منزلته، ولاشكّ أن اختلاف الزمان يبدل الحكم وهذا من الحكمة، (وماخلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) وهذه النون تكررت في أغلب سورة الذاريات فالعبادة عن علم هي مقصد خلق الخلق وإلا فالمخلوقات كلها تسبّح بحمده عاليها وسافلها.

أما العلم فهو القدرة على التجريد، أو النظر إلى كنه الأشياء دون تفاصيلها وأدوات العلم هي الأدوات التي يعرف غيرها بها، وصف الله آدم أنه علّمه الأسماء كلها، أي أعطاه الأسماء المفتاحية التي تمكنه من معرفة كل مافي العالم بها.

ويوصف الله بالعلم ولا يوصف بالمعرفة فيقال عليم وعالم ولا يُقال عريف أو عارف في حقّ الله، والمعرفة تعريب وتعذيب معنى ما للقلب بعد ما كان معجمًا وهو الذوق، فيقال فلان ذوّاق في بحرٍ ما إذا كان يتعرف به على مجمل الأشياء ويستلذّ بها في ذلك البحر ويقال عارف، فالمعرفة لذّة وتمكّن بالقلب وما أراد الله أن يتخذ لهوًا تعالى عن ذلك. وعند المعرفة ترى الشيء و كنت قبل ذلك فقط تبصره ولا تراه. فالتعريف إبصار القلب.

والحكمة علم خاص بطن عن الكثير وهي علم بعدي فإليها يؤول القول والحكم وهي آخر باب يُطرق ومابعده باب سوى الحجاب، تكرر في القرآن مقترنًا بستة أسماء (العزيز ، العليم ، الخبير ، التواب ، الواسع ، الحميد) ، تأخّر عن العزيز والعليم والتواب والواسع وتقدّم على العليم والخبير والحميد.

فالحميد ذُكر في موضع واحد من سورة فصّلت: {لَّا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ ۖ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ}.
والحميد: اسم فاعل ومفعول فهو حامد محمود، والحمد هو الثناء، والحميد هو الذي لا يفتقر لمن يحمده فهو عين الحامد والمحمود، وتأخيره عن الحكيم واضح لا يحتاج لمزيد تفكّر، فالحمد لله على حكمته.

وأما الخبير فهو من الخبر أو الخبرة وهو العلم الذي يحصل بعد الابتلاء، قال الله تعالى في سورة محمد {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّىٰ نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ} ، فهذا مناط الاسم الخبير، وقد تأخّر عن الحكيم لاكتمال العلم الذي يحصل بعد أن يُبتلى العبد فلا تحصل الخبرة إلا بعد صنوف الابتلاء من مقادير الحكمة، وقد ذُكر في أربع مناسبات.

أما عن الاسم العليم الذي تأخّر عنه في 26 مناسبة وتقدّم عليه في 6 مناسبات؛ فلماذا تقدّم عنه ولماذا تأخّر ، وهل العلم يسبق الحكمة أم يتبعها ، وقد لفتتني هذه المناسبة فتتبعت الآيات والسور.

فالاسم العليم الحكيم يفيد العموم والاسم الحكيم العليم يفيد الخصوص، فما كل عليم حكيم ولكن كل حكيم بالضرورة عليم، فالعليم الحكيم الذي يلحق بعلمه فيما بعد حكمته في الأشياء وهي مايُحمد من التدبير بعد معرفة الحكمة، أما الحكيم العليم فهو ما أوقع وأمسك بخلاف السائد حكمة منه فالعارف يقدّم الحكيم على العليم والعامي يقدّم العليم على الحكيم. وهناك فرق شفيف بين العلم والحكمة يتعلّق بأن الحكمة لها الجعل والعلم يقتضي مجرد العلم وليس له الجعل وإنما المشاهدة أو الشهادة. والحكيم هو من ارتضى جريان الحكمة فيه دون مساءلتها فهو الحكيم وهذا في حقّ المخلوق أما الخالق فلا يُسأل عمّا يفعل وهم يُسألون.


والمواضع الستة التي تقدّمت فيها الحكمة على العلم هي:
1-2في موضع الأنعام الأول وفي موضع الزخرف أتت في تقديم إبراهيم و محمد على غيرهما في المقام والرسالة:
{وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَىٰ قَوْمِهِ ۚ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاءُ ۗ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ}(83)
أما في الزخرف فأتى فيها ما احتجّ به المشركون على من نزلت عليه الرسالة فقالوا: {وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَٰذَا الْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ}
فأتى بأواخر آيات السورة بالاسم المناسب: {وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَٰهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَٰهٌ ۚ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ}، ولم يذكر في سورة الزخرف اسم مقترن آخر سوى العزيز العليم.
3- وفي سورة الحجر فالآية التي تسبق ذكر الاسم تفيد معنى التقديم والتأخير ومن له الحق في ذلك وتتناسب مع تقدم الاسم الحكيم على العليم وأنّه حقّ للخالق الحكيم الذي يعلم ويحكم، ويحكم ويعلم {وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ(24) وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ ۚ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ}.
4- أما الموضع الآخر من سورة الأنعام فهو في ذمّ المشركين وقتل أولادهم قربانًا لآلهتهم وتفصيلهم مالله منها ومالشركائهم فقال: {وَقَالُوا هَٰذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَّا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَن نَّشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لَّا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ ۚ سَيَجْزِيهِم بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (138) وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَٰذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَىٰ أَزْوَاجِنَا ۖ وَإِن يَكُن مَّيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ ۚ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ ۚ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (139)}
5-أما الموضع الخامس فهو موضع يتناسب مع الاسم الإلهي الحكيم العليم أيضًا؛ إذ تعجبت زوجة الخليل سارة من توقيت الحمل والولادة وتأخيرهما فأجابتها الملائكة بإنه هو الحكيم العليم. {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ (24) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا ۖ قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ (25) فَرَاغَ إِلَىٰ أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ (26) فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ (27) فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً ۖ قَالُوا لَا تَخَفْ ۖ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ (28) فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ (29) قَالُوا كَذَٰلِكِ قَالَ رَبُّكِ ۖ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (30)}
6- وأما الموضع السادس فاللهم اجعلنا من المتلقّين من لدنه.

أخبرني عن رأيك ..