مومو عينيا

إذا مضى قمران قابضًا على جرحك واستبدّ بك الألم أعتقني وعبّرني وهاهو تعبيري؛ ذلك أنّ الجرح المُعبّر يفقد جارحته كما تقي الكفارة من الكفر.

إذا رأيت الفزّاع فاعلم أنه لا يفلح حيث لا يطيق صبرًا على ألم، وإذا رأيت المدّاح فاعلم أنه لا يقرّ حتى يفسد عليك ما أنت عليه أو يستولي عليه، وإذا رأيت الوفي فاعلم أن حاجته منك قائمة، واعلم أنّ نوازع البشر تجرّهم من تلابيبهم مبرزخين نيام، فمنهم من يعلم ومنهم من لا يعلم: فالذي لا يعلم يظنّ أنّ شقوته من شقاوته فيتجبّر ويستكبر، وأما من يعلم فيستفرغ ويستغفر، سأل أبو الحسن النقاد: أيعصي الولي؟ فقيل له: أي والله وهو يشاهد عين الحقيقة.

لحى الله أقوامًا قتلتهم أطباعهم فلم يتبرؤوا منها، ونازعتهم أنفسهم فلم يتجاوزوها إلى مادونها، واشتُريت ذمة الانضباط والطاعة منهم فلم يصرفوها إلا لأهلها، وأعجموا وأخفوا وتخاملوا حتى نُسوا ولم يخملوا – إلّا أنّ الله أودع الأسرار بلطف وأودع مفاتيح لها من أهلها إذا برقوها أُذن لهم ولا ملامة.

“لا يقنع المحب بمشاهدة المحبوب والتملّي برؤيته بل يمنّي عينه أن يُشاهَد منه: وأنا أسارقها النظر فرأيتها تنظرني” وحين تلاقتا برقتا وهطلت. هاهو الدرب الطويل يا قسيمي ويا ظليمي يبرق في صحنك وصحني ويغرقنا بخدرة الأمل وتتكشف الدنيا عن نوايا أهلها؛ ما أشدّ ما رأوا من فظائع، وتتبختر الخطايا ويتبرأ الخطّاؤون ولعلّ إشفاقنا يقضي علينا حين يلبسنا جرمهم ولعلّ وصمة جنون تبرّد حرّنا، عقلاءَ كنّا وحكماء ظنّنا أنّا، فمن يقف في وجه الصروف والأحوال.

رأيت فيما يرى النائم لحمًا يفري يدًا تحاول استعادة الغيرة التي أضاعتها حتى عَضُلت اليد، ورأيته يشرب دمه مداويًا قرحته، ورأيت كيف تستمرئ الغيرة شكًّا بالنوايا الرحيمة ورأيت لا مبالاةً أشرس من كل افتراء، رأيت أصل الماء كيف يصفى من شوائب تراكمت عليه، ورأيت كيف تعود النوايا بريئة من مطالعة الطفولة وسذاجة أحلامها.

سعار الدخان كالغباء يلاحق الأنوف المتطاولة الفضولية والمتحفزة لنصيحة عمياء؛ لكننا أغرقنا الصمت حتى اختلط الدم بالماء وظنّ الذنب أنه بريء وعلّمنا الملامة قلّة الحيلة والحياء؛ وما أبرّئ نفسي، وأشاهدها من وراء وراء، أعطف عليها إذا قسوا وأقسو عليها وأحنو.

أنا الوحيد أنا الذي يعلم كم مرة دارت الدوائر ودرت بها حتى عدت نقطة بدئي وظنّ الرائي أنّي ما برحت مكاني، وترى الجبال تحسبها جامدة؛ فأقم عليّ وأقم صدور مطيّك حزنًا عليّ إذا رحلت وسأقيم مآتمي مكان أفراحي وأغربل موازين مراحي، فلقد كنتُ، وأُريت الطفل كهلًا فعطفت عليه، ورأيت الطفل هرِمًا فلمته، وضحكت في موضع التباكي، ونشبتْ بي الغفلة حين دمعت العين، واستفقتُ في حانٍ نائية وكنت معهم لا بهم أنا، فالعيد عيدي واليوم لي وذكرياتي ذكرياتي، حايشها حتى عن نقمة ذاتي:

نجمتي صنوان روحي هجس خاطري خبيئة طمعي
همسي قرآني أورادي دخيلة نفسي ونحسي

قسيمي ظليمي طلسمي حميمي وضميمي
فقل لي:
كم في القلب من مي مي ؟

أخبرني عن رأيك ..