كل مرة يموت فيها إنسان -بداخلك- ينحطمُ عالمٌ بأسره.*
وأنت ترى الإنسان يعضّ أخاه الإنسان -خائفًا- يستبق إلى الجواب، وقبل أن تنبس شفتي بالسؤال:
إنّ الحياة هي الحنان ممسّدًا أعطافك ،
الحنان الذي يعطي همّتك هيأة الاستسلام مبطّـنًا بالسلامة، ومالسلامة ؟
أن تبكي عن الذين يُنكبون فلا يستطيعون أن يبكوا.
أن ترعى جرح أخيك فيك ﻷنه منه.
أن تحتفظ بأمنيات أحبائك الأخيرة والأثيرة تحت وسائدك وبين مفاصلك.
أن تعطي الصغير أكثر مما أخذت من رصيد حماقات لتعرف حكمة الحياة.
أن تهجر حين يكشّر الحاقد عن أنيابه، وتصل حين ينبت له قلبًا بعدما قضم ما قضم من قلبك.
أن تنسى حليب أمك وتحبها أخرى كإنسان لا تعرف عنه شيئًا سوى أنك تشبهه، وتغفر للعابرين ألّا يكونوا متأنقين وباهرين وهم يحفرون صورهم الخالدة والفريدة بداخلك، لأنها المرة الوحيدة التي ستراهم فيها.
أن تعضّ خدع الآخرين وأطماعهم كأنّك ابتلعتها ثم تنقشها وتستاكها من أسنانك وتبصقها قبل أن تنام، فالكذب أشدّ عدوى من زكام الربيع.
وشطر الحنان يا سيدي الإنسان ألّا تصدّق أحدًا -بعد العديد من الإيماءات المؤيدة- إذا خلوت مع نفسك،
أن تكفل لها حرية الخطأ وعبودية الصواب، ألّا تستعجلها إلى شيء فأنت لا تملك من نفسك إلا قرارها، والقرار خاتم الأسرار، حاكمٌ على النيّة، حتى وإن غمّيته عن شمالك، فإنّك تعرفه، لا تخدعها واكفل لها حقّ الخطأ دون حاجة التبرير، وأن تسلّيها بالناس أنُسًا لا جُندًا وترسا.
يومًا ما سوف تكون أفعالي مبررة لك – حين تموت حرقتك أو تسكن، إنّي أقول لك لا تنتظر لتسامحني كلّ هذا الوقت، فإنّي لا أشتهي أن أموت بداخلِ أيٍّ من الذين رأيتهم، فكيف بمن لامسوني ولامستهم، وأسرّوا لي وساررتهم. كن ممن يغضب دون حقد، فسكْت الغضب قريب – صادحه وصامته – ولا تحرق الشجرة بل اقتلع الغصن، وإذا ماحرثت أرضًا لا تبذر الحبوب كيفما اتفق، بل انتقِ اليوم والساعة وحرارة الشمس.
وكن صبورًا
صبر الروح على أهواء النفس، لا صبر انتظار النتائج والحُجج؛ فإنّها كائنةٌ لا محالة
وكن عَبورًا
تشتهي المعنى، وبعض المعنى من ماء العين، وجلّه منارات في قلب برّاق لا يثقبه إلا النور
وكن عَشورًا
تفعل الفضائع كرامةً للأحباب، تمدّ لهم يدًا ليعبروا معك دون أن تبرر لكلّ من لا يفهمك
وكن ثائرًا
فالحياة كلها ثورة على السائد، إنك لا تعلم أي ثارة كان وجودك، فلا سائد إلا الواحد، يقلّب القلوب والأبصار
وكن خالدًا
تعيش اليوم بكل رتابته كأنّه اليوم الأخير، فإنّ لك وقفة طويلة تسبقها نومة أطول، لا تستطيع فيها حتى أن تهرش أنفك