لا يهم !. مجرد مجنون آخر

مجدداً : تثبتُ لي الأيام بأني أعرف كيف أصل ،  حتى وإنْ لم أقصدْ ،  حتى وإنْ لم أنوِ، حتى وإنْ تقطّعت بي السبل، سأصل ! .

هكذا تخبرني أيامي  و أنا رجلٌ يخاف من ليونة أيامي ، من جمجمتها الهشة الصغيرة ، كيف سأواجه نفسي ؟ ، ماذا سأقول لو كنتُ على خطأ ؟ كل تلك المدة ؟ ، ربما سينقلونني لمصحة نفسية بقية عمري ، وأصبح حكواتي المصحة ، ويجتمع حولي المجانين ، وأسرد لهم قصصي وبطولاتي الزائفة ، ساعديني يا فتاة ، أرجوك ساعديني ، أصبحت رجلاً يخاف من نفسه أكثر من أي شيء في هذه الدنيا ..

عندما تسأليني : هل تحبني ؟ ….
صمت طويــــل .. تردد قاتل .. نبضات قلبي تتكلم ، صوتي الغائر يخنق أنفاسي ، عيناي تتسع ، ثغري يكاد ينفتح ، تتصلب شرايني ، تتوقف الدورة الدموية قليلاً لتشاهد هذا الحدث الهام ، نشرات الأخبار في جسدي تبدأ بإذاعة الثورات ، بطلب الدعاء والابتهالات ، جيوشي تتأهب للاستعداد لأي طارئ ، لأي توقف في النبض ، لأي دمعة تسقط ، لأي فلتة لسان ، لأي زلة قدم ، كل شيء محسوب كل شيء محسوب ..

وبعد هذا كله أنا لا أتكلم ولم أكن لأتكلم .. طالما لم أضمن ، لم أحوز ، حتى يقولوا لي مبروك الآن فقط الآن وجودك معها يجوز ، وياله من فوز ، صدقيني سأتعبد الله بقربي منك ، سأكون صالحاً بحبي لك ، سأتجنب الكثير من المعاصي بجانبك ، سأعتدل ، سأستقيم ، سأهدي من بعدي إلى الطريق القويم ، وقبل هذا كله سأكون بركاناً خامداً ، زلزالاً يحطم نفسه بنفسه ، قبلة خد حائرة في الرياح ، نسمة فرح تنتظر من تسعدهم ، وأضاعت طريقهم في المدى ، ومازالت تستدلّ بالصدى ..

ماذنبي أن أكون أنا الرجل ؟ ، أنا المسؤول ؟ ، أنا من يتخذ القرارات ؟ ، أنا من يتحمل التبعات ؟ ، أنْ أعيش حياتين ، أتعذب في الواقع وأهرب إلى الخيال ، ليس هذا تهرباً يا صغيرتي ، ليس هذا تملقاً ، ليست هذه أعذار ، فقد احترفت جلد الذات ، احترفت محاسبة أنفاسي ، وخصوصاً وهي تترنم بك ، تمرسّت على معاقبة عيناي بنظرتها البلهاء إليك ، أنا راضي ، والرضا وحده صدقيني لا يساعد ، والله لا يساعد ..

مستعدٌ أن أصف كل أيامي ، وكيف سيكون شكلها وهيئتها بجانبك ، في اليوم الفلاني سنذهب لذلك المكان الذي أحبه ، سأريك كيف كنت أهيم بطيفك وأنتظرك طويلاً ، وكنت أعلم أنك لن تأتين ، بالمناسبة : ألم ترتطمي يوماً يا حبيبتي بحاجز الزمن حينما نعيش في الأبد غفلةً ، أنا ارتطمت كثيراً وتهشمت أضلاعي كثيراً ، وأنا انظر إلى عينيك ، فيهما أبد مخيف ، فيهما سرمد مهيب ، يجتث كل حماقاتي وخوفي ، ويجبرني على الاعتراف بأحقيتك بقلبي ، بفكري ، ابتسم بلا أي مقاومة ، ولكن من يضمن ؟! ..

أنا أخاف على نفسي من نفسي بقربك يا حلوتي ، لهذا أحسب الساعات ، لهذا أقننّ الابتسامات ، لهذا تكثر فيني الصراعات ، لهذا أتجنب نار قربك ، إلى جمر الانتظار ، لعل الله يسخر لي نارك ويجعلها برداً و سلاماً عليّ ، عندها سأعيش الحرية ، سننجب الذرية ، سأعاتبك لأراضيك ، سأغضبك لكي أرى لوحة العبوس في وجهك ، ثم أحضنك لكي تحسي بالأمان ، وسأتركك حائرة ليلة أو ليلتين ، لكي أعود إليك بأقوى شعور ، هذا هو الحب ! ، نعم صدقيني هذا حب الروايات والأفلام ، هو ذلك العذاب ، هو ذلك الشتات ، هي تلك الحيرة ، هي تلك المزاجية التي تغتالنا في غمرة أفراحنا ، أليس هذا ماتريدينه منذ نعومة أظفارك ، أن يحبك رجلٌ بجنون ، أليس هذا حلم كل فتاة ، ذلك الفارس الملثم ؟ ، سأخبرك سرّاً ، من قام ” بمونتاج ” تلك الأفلام إنسان حقير ، يحشر لنا سويعات فرح ، ويحذف الكثير والكثير من لحظات الحيرة ، الضياع ، الألم ، الصبر ، الانتظار ، الاحتضار ، كلهم ماديون يا صغيرتي لا تصدقيهم ..

فقط أنا صدقيني ، صدقيني لأني أعرفك ، أحفظك ، جربت من أطيافك الكثير حتى تسربلت كل أجناسك فيّ ، أتصدقين بخالقك ؟! ، أنا لا أستغرب ولن أستغرب أي ردة فعل منك ، لأني معك فقط أتجنب التوقعات أريدك كاملة ، بالجملة ، بسعر السوق ، بجميع عيوبك ، بنسخك التقليدية كلها ، ولن أتوقع الكثير منك ، ليس لأني أشك أنك ستعطيني الكثير – فقد وهبتني أجمل الأشياء وانتهى الجدال – إنما لدي ثقة ربما تتغلف بالغرور حولك ، أنتي لغزي الذي أحب تكراره ، أنتي الأحجية التي لطالما أعدتها كثيراً ، أنتي إدمان الكلمات المتقاطعة بالنسبة لي ، أنتي شغف القراءة بنظري ، أنتي نبرة النشوة التي ترتسم على من حقق أحلامه ..

أنــا ؟ قرأت كل الكتب ، وتعلمت كل الحيل ، و قمت بجميع ” البروفات ” ، حتى عرفت من أين تؤكل الكتف ، أي الطريق هو الأسرع للوصول لقلبك ، أي الكلمات التي تفضلينها ، متى تريدين مني أن أسامحك ، أغضب عليك ، أراجعك ، أفهمك ، أحضنك ، أسمعك ، حتى عرفت بأي هيئة تريديني أن أتركك ، وأهجرك إن رميتني للكلاب ، أعرف أي وضعية سأقفز لهموم الحياة من بعدك ..

لاتخافي مني مطلقاً فأنا رجل أرهقه تفكيره ، حتى فكّر بجميع الاحتمالات ، أنا من يجب عليه الخوف من نفسه ، أعلنها لك يا حبيبتي أنا أخاف من نفسي أكثر من أي شخص ، لو نتصالح ، لو نلتزم بمسار واحد فقط ، ستتعجبين ويتعجب العالم بهذا الفذّ ، ولكن لربما كان ذلك النزاع رحمة ..

وتتمخطر الأيام من حولي ، بطيئة بكل مافيها من سرعة ، رتيبة بكل مافيها من أحداث ، قاتلة بكل ماوهب الله فيها من رحمته ..

وأعتذر لك يا حبيبتي لو طال صمتي وعجزت عن إجابة سؤالك البسيط ، السخيف ، السطحي جداً بالنسبة لك ، وعن مدى حبي لك ، إنما تلك الحقيقة أنا رجل معقد قد تنتهي به الحياة فوق النجوم فوق السحاب ، ولربما أشاطر المجانين مصحتهم .. إن عشتِ لتلك اللحظة ، حاولي أن تنتقي لي مصحة أنيقة فيها مجانين ظرفاء ، أحسني عليّ ولو مرّة ، وإن لم أكن بعقلي ..

ولا تفكري في غيري مطلقاً ، أحذرك من هذا ، إمّا أنا أو أنا ، لا و لا ثالث لنا !

وما أنا بالمصدقِ فيكَ قولاً ، ولكني شقيتُ بحسنِ ظني *

اللهم سقيـا رحمة لا سقيـا هدمٍ ولا تدمير ..
هكذا استهللت رعودك وبروقك ترحيباً بعودتها من بعيد و بعيد جداً ..

في عرف الحياة ومن خلال تعاملاتي السابقة معها :

هي لا تذهب خالية الوفاض أبداً , وإن ذهبت فستعود بما هو أقوى وأثبت مما ذهبت به قبلاً .
صبَرتُ والصبر جُنّـة للموعود , ولكني لم أكن موعوداً , ولم أعرف لماذا صبرت كل تلك المدة ؟
دائماً ما أراني أنافس الحمار صبراً وقد يلقبوني يوماً بـ أبي صابر , لا أعلم , ولكني صبرت كثيراً
وصبٌر بلا وعـد , كصبرٍ على سف الرمد , والمشي عارياً تحت الرعد , ورواية قصة بلا سرد ,
بالضبط هي هكذا كانت أيامي تتقطع , وكانت لحظات سعادتي مبتورة , ولم تكتمل أبداً تلك الصورة .

قد أكون مؤزراً بتوفيق الله وتثبيته لي , أو ربما كنت مستسلماً لسطوة الأيام , و أظن أنّ لي ماضياً مع الاستسلام حينما كنت أرى عينيك , وابتسامة ثغرك المليء بالأشياء التي تلمع وتسطع وتتميع كما كنت أتلوع وأنا أشاهدك , ولا أدري أقلبي ذاب حبّاً بك , أم قد استباح ما حُرِّم عليه قبلاً وأصبح يعصيني , أم أنه فعلاً وفيّ جداً لك , ولكني لم أكن أعلم بوفائك لي ؟ , أنا أعرف إني كنتُ وفيّاً جداً لدرجة إني كنت أخاف لمجرد أن أسمع أنك تبتسمين لأحد غيري , أو تخاطبين غيري , أو حتى ترتاحين وتستأنسين بالقرب من غيري , فاخترت البعد بهدوء بلا أي صوت , بلا ذكريات تتلألأ كلما تذكرتك , بلا جنون , بلا ظنون , لم يبقَ لي منك إلا تلكم العيون , كنت استأنس بها في ظلمة الليل , بخيالاتي التي تسبح بعيداً , أصبحت أراكِ في عيونهم , أصبحت استمتع بمناجاتي لطيفك لدرجة أني استأنست بقربه وكنت أستوحش من لقياك و ارتعد لسماع صوتك , أتذكر ضحكتك التي كانت تملأ خلاياي حركة ونشاطاً , فاتت على الأطباء أن يصرفوا لي منك دواءً لعلاج فقر الدم فيّ , وكنت أعلم أنك طبّي وطبيبي , و سرّ صمتي وتغريبي , و سبب استمرائي وعنادي , ولكني فضلت البعد لأن البعد مرّ بالدرجة الكافية للتجرع يوماً بعد يوم , على أن أتجرع عسلاً فانياً , أو اعتاد على إدمان ابتسامة غالية جداً لا أستطيع التكفل بثمنها الباهظ يوما بعد يوم , وأنا أناني بعض الشيء أريد أن أبقي بعضاً مني ليّ , للأيام السوداء , لليالي الباردة الجافة الصامتة التي تسرق مني بهدوء , تسرق من لمعة عينيّ , ولون شعري , وتزيدني اصفراراً بعد حمرةٍ كانت تعلو وجهي لتثبت لي أنني فعلاً فقير ولا فقر يمرضني سوى فقرُ قربِك , أنا فقير , و أدعو الله غنىً لا يبطرني ولا يجعلني متكبراً بما لدي , وغنىً يعيني على طاعته أكثر من أن يسرقني من نفسي ومن الناس ,

لم أشك يوماً ولن أشك بمدى صدقي وصدقك في الهوى وفي الحب وفي اللوعة و صدق المشاعر , حتى لو كذبتِ بأنك لغيري فأنا أعرف أنك لا تبتسمين من كلّ قلبك إلا لي , ولا تعرفين أن تبوحي بكل صدق إلا لي , وتزدادين حرية بسؤالي وغيرتي عليك , وتستبهي طلعة جبينك بنظرة إعجابٍ مني.
أنا لست غبياً , وإنما حذر ياحبيبتي , أخاف عليك قبل أنْ أخاف عليّ , أخاف عليك لأنك مني , أخاف أن تغرقين وأغرق , أخاف أن لا تجدي حبلاً للنجاة إلا أنا , وأنا الغريق قبلاً , أخاف أن يقلقك حديث الناس عنّـا , ولا أحتمل تنهيدة القلق منك , لأن أعظم قلق يصيب الإنسان أن يقلق بسببٍ يجهله , نعم سأقلق لقلقك ولكني لن أحتمل أن أقلق لأنك تقلقين فقط , أن تعيش كالملك المخلوع في وسط مملكتك البائدة أصعب عليه من أن يموت حفاظاً عليها , رضيتُ أن أموت سابقاً فيها دون أن أتكلم , تقطعت بهدوء , كل يوم أنزف قطرة في إناء يسمى بالوفاء , والوفاء لا يعرف ثغراً يحكي عنه , هو صامت لا يبان إلا إذا طفح الإناء بالدماء وابتدأ يذرفها يمنة ويسرة فيلاحظ الناس حينها كم هو مليء , وينظروا إلى الرجل النازف ويجدوه قد فارق الحياة مبتسماً .

الإنسان يستمتع أن يعبر عما بداخله , ولكنه يتعذب إن لم يجد أحداً يفهمه , لذلك اخترع اللغة واخترع الكتابة واعترف بالفنون والطرق التعبيرية المتفرقة كالرسم و النظم والشعر والغناء والأراجيز ولربما صدقّ الأعاجيز لأنه يحب أن يُفهم كما أراد , لاشيء يثلج صدر الإنسان كإيجاده لعقل يفهمه وقلبٍ يئن لأنته , ولسان صادق يكمل عنه ما ابتدأه , وحب لا ينضب مهما طالت مدة استعماله , كل خوفي أن أكون في موقف يصعب علي إيصال مقدار حبي لك , للناس لمن يهموني , وأنا أكثر خوفاً أن أفقد القدرة التعبيرية عما في داخلي لك , أنا أحبك هذا يقين , ولكن اليقين لا ينقل بالشعور فقط , فالله واحد لا ثاني له هذا يقين ! , ولكني انظري لحجم المشركين والكافرين في هذا العالم ! , وهذا يعني أن اليقين وحده لا يكفي , أريد أن أمتلك أداة تعبيرية قوية لكي أنقل لك شعوري بأني سأرسم لك الأرض على كفك إذا ما أردتِ ذلك , سأتسلق القمم الشاهقة وأنتِ على كتفي , بأني سأنظم معلقات وأرجع الشعر العربي لأمجاده إذا ما أردتِ , ولكن هذا يستعصي عليّ الآن لأنه لا أمان ! ..

لربما نسيت أن أقول لك قبل ذلك أن الأمان أبو الإبداع , أنا لست آمناً الآن , لا أمتلك المقومات الكافية للأمان , للسلام الداخلي , للتحدث بكل أريحية وطلاقة , لأني لم أبلغ أوج قوتي , لأني مازلت شاباً أضج بالمتناقضات فيّ , لأني أترنح بين كل الطرقات فأعود لنقطة البداية , لأني لابد لي أن أكون هكذا لكي أعرف طريقي جيداً وأمرّ له مرّ السحاب , الحياة محطة توقف وانتظار , كلنا ننتظر بلا استثناء , قد تطول مدة الانتظار , وقد تقصر , قد ننتظر سراباً , و قد ننتظر غيوماً هاطلة , أو سحابة صيف خداّعة , ولكن بالرغم من ذلك نظل ننتظر حتى لو كان ذلك الإنتظار مجهولاً .

كل ما أريد أن أقوله يا عزيزتي : انتظري وانتظري مطولاً ..
إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب , لعل أجري وأجرك أن نلتقي بأمان في يومٍ من الأيام .
وإن لمْ يكتب لنا ذلك , فسوق يتفتق لك مستقبل مشرق من مجرد انتظاري , أنا أثق باختيار ربي لك .
وأن الخيرة فيما اختاره , فإن لم يختارني بقدر حبي اللامحدود لك , فسوف يرزقك بخيرٍ مني , ويالك من محظوظة به .

“قالت لي مليت ودي بأحد غيرك”

حتى الأغاني الطيبة تنتحبْ ” لا تنسحبْ , لا تنسحبْ ” !
حتى الأرض الصمّاء تستمع لخطواتي الرتيبة تبتعـد ..
حتى الجروح المنكفأة انتكأت, وعاد الأنين ظنين , و منذ الآن يقتلني الحنين ..
حتى الصراخ الذي اعتمد الصمتَ شعاراً له سنيناً طويلة , قد انقلب وغلب صوته الوجود ..
حتى أنا أظهرت الملل قبل أن تملينّي ! 

سأرحل قبل أنْ أصلْ ..
كي لا أُشعرك بالمللْ .. 
كي لا تنتظريني كل صباحٍ طويلاً .. 
كي لا تعتزمي الإبقاء على بقايا إنسان إحساناً وجميلاً ..
كي أحتفظ بصورتي الجميلة لديك ” خجولاً طويلاً نحيلاً ” ..
كي لا تختلط كل الصور عليك , فـ حتى أنا لم أعدْ أعرف من أنا وأين أنا ..

سأفتقد كل ذلك الوهم بالوصول .. 
سأفتقد أشباه بسمتك , صدى ضحكتك , ظل عينيك ..
ضبابية بشرتك , رذاذ دمعتك , أصوات صمتك ..
حتى عبسك في وجهي , وبسرتك .. 
سأفتقد دغدغة مشاعري حين تمري في خيالي , أو ألمح في الناس عينيك ..
وسأظل أسأل ذات السؤال دائماً ” هل لي أن أعرفك ؟! ” 

سأظل أتساءل كـشباكٍ قديم يأن في كل نسمة هواء حنيناً لِما مضى , 
لِما يظن أنه قد يعود , 
لِما أخلف عليه الزمان من الوعود , 
لِما ذُكر ذات يوم بأن الغائب ” سيعود ” !

سأتظل أتساءل كـطاولةٍ في طرف قهوةٍ وسط السوق تكتظ يومياً بالزبائن ..
جلسنا عليها يوماً كما تستقبل هي من الزوار كل يوم , لكنها بكت ذلك اليوم !
ثقلت عليها أكواب حزننا , وحبنا , و شوقنا , وذكرياتنا , فانسكبت من على أطرافها دموعاً 
غادرناها مسرعين , فرحين , 
ولم نستوعب أنها تقول لنا ” الدنيا لا تجمع شخصين في نفس المكان في نفس الموعد على نفس الطاولة , بنفس الظروف ! ” 

سأتظل أتساءل كـتذكرةٍ تائهةٍ على أرضية مطارٍ مزدحم ..
تحمل كل المعلومات اللازمة , مغادرة مِن , إلى , ومتى , وعلى أي مقعد , لكنها تفتقد صاحبها !
هي لا تلومه فهو كثير النسيـان !

سأظل أتساءل كـجموحِ ورقةٍ مهترئة خربة متحللة في وسط كتابٍ بطبعته الحديثة ..
تظن أنّ بإمكانها أن تجاري ذلك الورق الفاخر , وتلك الحروف المشبعة بالحبر ..
ومصيرها أن تقلبها الأيادي و لا تعرف ماهيتها فتخطفها الريح قبل أن يستوعب قارئها بأنها مجرد ورقة فارغه مشبعة بالدموع ! 

سأظل أتساءل كلحافِ طفل ٍ فقير في ليلة ظلماء من ليالي الشتاء ..
يرفعه قليلاً لكي يغطي به وجهه المتجمد المتصلب , 
فتشتكي أطراف أصابعه من جمود الزمان , يحركها ببطء بصعوبة بابتسامة صفراء ..
مايلبث أن يأخذ نفساً عميقاً ليعيد الغطاء إلى قدميه الصغيرتين , 
وطالت جداً تلك الليلة الباردة على ذلك الطفل البريء !

سأظل أتساءل كـقبلاتِ الهواء التي نلتقطها عبر موجة المذياع يرسلها فلان إلى فلانة .. 
لم تخرج من فمه ولا من زفرات أنفاسه , ولا هي استقبلتها بخدها الضامر شوقاً لسقيا فرح ! 

وسأظل أتساءل إلى أن يصلني جواب لن يشبع جوع قلبي , 
ولن يعوضني أرق ليالٍ طويلة , 
ولن يرسم ابتسامة مهاجرة منذ عقود 
ولكنه قد يُجهز على بقايا ذلك الإنسان الخجول الطويل النحيل !

وإني أحبّكِ

360061612_640

علمتُ أنَ الوفاء شيء صعب, لا يُطلب, إنَما فقط يُعطى بلا سؤال وبلا شروط. الوفاء فعل جسيم وغرمٌ كبير فلن يفعله المرائي, و سينكث به عند أول محنة
.لا شيء أوفى من محبٍ قديم , أو خلٍ نديم, أو كتابٍ حكيم، ولا شيء أوفى من شعوري نحوك, لم يتغير مع الأيام

.مهما كبرت وتقدم بي العمر فلا أزال أملك ذلك الحنين, وتلك النظرة المرتبكة أمامك, وتلك الرعشة تنتابني حين سماع صوتك
ضحكتك عهدي القديم بالسعادة, و شقاوتنا معاً خير شرح لكتاب “لا تحزن” , شكلك يسطّر لي مقاييس الجمال الأنثوى , فمنك وبك أقارن .جميع بنات هذه الدنيا , بدقّة خشمك , وبريق عينك , وبصغر شفتيك , و بنعومة شعرك

يكذب الكثير باعتقادهم بأنهم أكبر من حب, ويكذب الآخرون باعتقادهم بأنهم أصغر من أن يُحبّوا, الحب مرحلة لا عمر فيها ولا حسابات ولا مقاييس, الحب بالضبط يشبه شعور أن تكون طفلاً من جديد, أو ربما هو يرسلنا للطفل الكامن بدواخلنا, حيث لا حدود, لا قيود, لا ركود  .لا مسؤوليات ولا وعود

بحضرتك – في خيالي طبعاً فبوجودك أمامي لا وقت للتفكير ولن ينفعني أيضاً وجوده – أعود طفلاً حيث أول قبلة خلف ذلك السور ..
أعود طفلاً بكل لحيتي وشعري الذي غطى جسمي.
أعود طفلاً بفراغ داخلي من كل شيء إلا حب الحركة.
أعود طفلاً بحواسي , فبنهم أريد أن أتذوقك , أشمك , أسمعك , أراك , وألمسك.
أعود طفلاً بسذاجتي , ستطلبين وتطلبين وتطلبين وستجدين حتى قبل أن تطلبين.
أعود طفلاً وتعودين أيضاً كما عهدت ضحكتك التي تشحن جسمي بفولت عالي يكاد أن يحرق قلبي الضعيف ..

تتغير ملامحي كثيراً ..
ويضعف بصري ..
ويتساقط شعري ..
وتبدأ عوامل التصحر تغترف مني ..

ويبقى حبك كما كان وكما بدأ , في الحقيقة لا أعرف كيف بدأ ومتى بالضبط بدأ, ينتابني شعور بأني ولدت به, وتنفستك قبل ولادتي, وتغذيت منه بلا حاجة لحبل سري, و بحسب رواية أمي: أنني لم أشرب من حليبها الكثير , يتأكد لي أن حبك كان يرضعني ويسقيني حتى بعد ولادتي  أنا أعرفك قبل أن أراك , وقبل أن أعرفك حتى ! , لا أعلم أين ولا أعلم متى.

هه ! , هكذا أنا عندما أضيق وأضيع في الأعماق , أسأل أسئلة كثيرة بلا أجوبة , وتنهكني جداً حد النوم الذي فارقني منذ خاض عقلي في بحرك الذي لا أعرف كيف أعوم فيه وأنجو بسلام إلى برّ النوم .

أرق يُصاحبني منذ مدة , كرهت تفكير ماقبل النوم لأن كل نتائجه ستعيدني لا محالة إليك , فكرت في كل مواضيع الأرض , وينتهي تفكيري بلون عينيك !

كل مايسليني في هذه الأيام , أنني أعرف يقيناً ” أن التطرف مدعاة الانحلال ” , ” والإفراط مدعاة التفريط ” ” والحب الشديد مدعاة الكره الشديد ”

لعلي أكرهك بقدر حبي لك وأنسى وجودك في هذه الدنيا أصلاً , وأنسى طفولتي وأيامي معك , وربما أغير اسمي وعنواني لأنهما يذكراني بك , و أحاول أن أكتب مذكرات لشخص آخر لم يعش لأقنع نفسي بأنه أنا !

أكاد أرى طيفك يضحك من بعيد علي , ويستعيذ بالله من حالي , إلا أنني تعلمت أنني لن أفرّط في أمل حتى وإن كان شحنة تائهة في وسط تيار متذبذب , فقد تضيء بنفسها الأنوار ..

أدعو الله أن ينزع حبك من قلبي كما كتب علي الشقاء بك !

وإني أحبكِ !

نبدأ من حيث انتهوا ..

هم يقولون أننا نولد مبتكرين، ثمّ نتعلم التلقين ممن سبقونا شيئًا فشيئًا .

لقنوني فكرة المدونة، لكنّي حملتُ همّ ابتكار الأفكار من التدوين، وعاهدتُ القلم أن أبقى مطيعًا لتواضع البدايات.

لا يهم أن تجد شيئًا مدهشًا، المهم أن تجد شيئًا مميزًا ذا بصمة.