أسئلة

لم آلف وحشةً كهذه كي أعتاد حديثًا كهذا ، لم أعد قادرًا على مجاراة سيّال الأشواق يقدم من غيومك التي تهطل مرة وتمسك ألفَ مرة ، لم أكترث لشأن أحدهم بهذا القدر كي أحترف التصنع والتزلّف والتزلّق في حديثي معه ، كل الذي أعرفه أني أكبح أشواقي عنك فتنسل من بين أضلاعي طائرةً خاضعة مسلّمة لسلطان عينك ، كل الذي أملكه جوارح أقصرُها عنك وعينًا تغضّ البصر عن فتنتك ، وإن ملكتُ ما ملكتَ فلن أملك قلبًا حام حول الحمى وقع فيه ولم يبالِ بعواقب النظرة ومايعقبها من حسرة و هواجس لا تُعدّ مما أصابها من بركات الكثرة .

أتُرانا نُمسك الأقدام فتخالفنا خطى القلب وتعصينا لترضي رغباتها ، أتُرانا نَنْهى الخاطرة فتعقبها الفكرة والخيال فالإبحار في الخيال من تفاصيل اللقاء إلى معجزة الخلود والبقاء ونرتب أشياءنا بعضها فوق بعض ، حاجتي وحاجتك ، غايتي وما توافق معها من غايتك ، وأظنّ أن ما أصابني سيجعل غايتي هي غايتك ورضاي في سلوتك وطمأنينتي في قربك والأنس بك .

تخففي من الأسئلة ودعي الإجابات لي أنا أرتبها من عمري، مما جمعتُ من الأيام ، من طول صبري ، من صدقي مع نفسي . إن سألوكِ يا حبيبتي قولي يجيب هو عني وهو كل ما أقصد وأعني وأنا عصفورته التي تحوم فوق رأسه في النهار أسليه بشدوي وفي الليل أسليه بشغل فكره بي ، ولا تستعجلي إجابةَ سؤالٍ قبل أن آذن لك فالفراغات لا تُلاحظ حتى تُملأ ، دعي مكاني فارغًا حتى أملؤه بالإجابة الصحيحة .

أما عن سؤالهم عن حالك فأجيبي : كحال من أحب . عذبنا الليل أرقّ أجسادنا ، و زاد من اتقاد عقولنا أرانا منّا خفة روح ووطأة شوق ، أوغل في أعمارنا فاستخرج الشيب منّا شبابًا وسبر أغوار الحكمة فينا فتيانًا .

وإذا ما سألوكِ عن مآلك فبادري : ماقضى ربي علينا خير لنا ، وقسمة الله فيما أعطى عادلة ، أرى عدل الحياة معه فلم أرى ولن أرى غيره ، وأرى عدل الحياة بدونه فأعرف كيف يكون الحزن أسلوب حياة وطريقة قرب من الله . فإن كتب ربنا لنا قربًا بعد غُلب كان هذا أدعى لأن يدوم ، وإن كتب ربنا لنا بعدًا بعد توق فقد علمنا أن هذه الحياة لم تقوَ على أُنس الأنبياء ولا إسعاد الأتقياء فكيف بنا نحن الأشقياء ؟ فلا على حياة نبتئس وفي دار الجزاء لنا عقبى .

وعن الحب إن غمزوك فتمنعي ثم أجيبي : أحبه ولا سلطان لي في هذا ، أحبه وللقلب اختياره ، أحبه والكون هذا فُطر على الحب والمحبة ، أحبه ولا أتقي حبّه ومن يضمن لي إن اتقيته ألا أصطدم به في أول مفرق طريق فتفضحني شهقتي ويروع أهلي منظري ، أحبه والحروف لا تكفي لوصف العذاب بقربه وفي البعد عنه ، أحبه وغيرتي عليه نار وسؤاله عنّي جنّة و صدوده عني احتضار ، أحبه ولا يحاسبنا الله عمّا في قلوبنا فلا تطيلوا الأسئلة .

وعن أوصافي إن سألوك لا تجيبي فهم ما سألوا إلا ليروا عثرة وكلي عثرات ، وأول من يعرف عثراتي أنتِ ، وأكثر من يحصي زلاّتي أنتِ ، وأعلم الناس بضعفي ياضعفي أنتِ ، لكن حبك لي يغفر لي وحبي لك يسمو بك فوق ظنوني وفوق كوامن حسرتي وفوق شكّي وغيرتي .

وإن سألوا عن اسمي فاغمضي عينيك حتى لا يقرؤوا اسمي ، وقولي حروف اسمه كثيرة وأخشى أن أتعب في سردها وكنت أتخفف فيها فأناديه بثلثها وبأحب الحروف لمسامعه وأتغنج بنطقها فأرى بحة صوته قد زادت فأعلم أن جزءًا آخر فيه قد ذاب وأنه من نفحة الهوى قد اكتوى ثم طاب وغاب عن هذا الكون غاب ! .

بعد هذا تعذري وتململي وتبرمي فما بعد هذه الأسئلة إلا مافضل وزاد ، وماللفضول كنتِ تجيبين بل للثقة والثقة وحدها من ستوصلني إليك فأسألكِ أنا : أتحبينني ؟ فلا تجيبين فأبلع ريقًا وأصب عرقًا وأكتم شهقة فتضحكين وتستحين وأصبح أخف مخلوقات الله وأتحرر من الجاذبية والأعراف الغبية وأرى في عينك تلك اللمعة التي تسبق الدمعة وأحضنك والناس نيام وأجمع كل حنان الأرض فأوسدك صدري وأتوسد الحصير من تحتك .

أنمتِ ؟

نصٌّ مؤجّل

صورة
الآن : 

فاقت أشواقي الأشواق , وصلت لحدود الاحتراق , أول ما يضطرم فيّ قلبي , آخر ما يحترق فيّ عيني , ما أعظم عذاب من يحبك , تجمعين كل الشجر الأخضر الموجود في الكون وتنتقين بعناية زيته لكي تسكبيه على روحي الهائمة العائمة في محيطك وتتفنين بإشعال الكبريت تأخذين أول عود ثقاب فترمينه لأنه لم يعجبك شكله , تأخذين الآخر تتفنين في إشعاله فترمقيني بنظرة خبث فتطفئينه بفمك بحركة تظنين أنها ظريفة وأظن أنها مرعبة , حين هممتِ بإخراج الثالث أظنك مللتِ من اللعب معي فرميتني بالعلبة وأنا أرتجف وتركتني بين حطام روحي وجسدي المبلل بكل مواد الأرض القابلة للاشتعال وتركتني عرضة للاشتعال بعد ما هيأتيني له ! .

بعد سنة : 

أبعثر أوراقي بمنتهى الفوضوية كي أرتبها بعد ذلك ورقة ورقة بالترتيب المتقن , بالتفصيل الممل , أحملق في نصوصي التي كتبتها لك كثيراً , أمتلك ثروة من العبارات الباذخة المستسقاة من بريق عينيك , أمتلك ثورة من المشاعر تنتظر إذن الانقلاب على جميع أعراف عقلي , أمتلك مقتنيات أثرية اكتسبتها من ذكرياتي معك في أيامٍ خلت , مضت بكل مافيها من أعمار , أسرار , أفكار , وبقي لدي نسخة مصورة من صك ملكية أحفظه في خزنة قلبي بأنك تملكين كل مافيه أصبحت باهتة بعد سنين من الجفاف , تكاد تتكسر من اليبوسة , في كل يوم أتفقدها وأتمنى يوماً ما أن أجد النسخة الأصلية من الصك , أتمنى أن أجدك مكانها .

بعد سنتين : 

أفتعل صمتاً يميتني , أفتعل سكوناً لا أتقنه , أتصنع حكمة لا يمتلكها مثلي , أختلق ذكاءً في كل لحظة غباء اقترفتها جوارحي , أحاول أن أواسي نفسي بأني سأصل إليك , بأني سأمتلك جسدك يوماً ما , كما امتلكت قلبك , نعم أريد أن أمتلك جسدك , أريد أن أتمكن من صورة روحك التي تعني المادة في هذا الكون واسألها , ألا يكفي روحاً أحبها , لكي تمتلكي أعظم عينين ؟ , لكي تنسابي من بين أصابعي بكل ليونة ؟ , لكي أجد في وجهك أجمل منظر لم يره أحد غيري قط ؟ , لا أظن أحداً يعرف كيف يراك مثلي , أنا الوحيد في هذه المعمورة الذي أستطيع أن أراك كما تستحقين , أنا المعتوه الوحيد الذي اكتشف كنزاً فأتى البشر إليه ليرهنوه بثمن مؤجل , قالوا أن نصيبك من هذا الكنز هو الصبر , و إن صبرت بما فيه الكفاية فهو لك مع الصبر ! , كنت تحت تأثير الحمق يا حبيبتي فاعذريني , مازلت أبحث عن طريقي إليك لا تيأسي . 

بعد خمس سنوات : 

أتذكر أول خصلة بيضاء تداعب شعر رأسي في مقدمته , لا أدري كيف كنت مسالماً معها إلى هذا الحد ولم أخف منها أبداً , كل هذا كان بسببك تفردها يذكرني بك , أحياناً أتوهم بأني مجنون فحتى النملة يا حبيبتي التي تمشي على الأرض تذكرني بك , بيتي , سريري , وسادتي , محفظتي , عطري , أصدقائي , الجو , الأرض , النوم , الكتاب , الأدب , الشعر , أنا , كل من هؤلاء يمتلك صفة مشتركة معك , أصبح هاجسي أن أعرف كيف ترتبطين أنتِ بهذا الكون لأني أظن بل متيقن أنك لست منه , أنتِ من عالم يُقال له عالم الجمال , عالم الكمال , عالم الفتنة , عالم من يستطيع أن يعذبني أنا وحدي , عالم تمتلكينه كله أنتِ , يقولون هم أنك ستتزوجين قريباً بعد هذا العمر وأشك أنك ستتركيني أرجوك ياكنزي انتظريني بقي لي مسار واحد لابد أنك فيه , فقط مسافة الطريق . 

بعد عشر سنوات : 

هذه المرة رسالتي ستكون لي فقط لأن أسلي بها ذاتي , لن أرسلها مع البحر ككل مرة لكي تصلك أينما كنتِ , أخاف أن يراها زوجك فيقسوعليك بسبب مجنون عرفته في يومٍ ما وانتهى الأمر ! , نعم في يومٍ ما أليس اليوم في عالمك ذاك بـ عشر سنوات ؟ , يقولون أنك تزوجتِ وأنجبتِ , وأنا لا أصدق مايقولون , هم لا يعرفون أنك ستكونين لي وحدي فقط , حتى وإن تزوجتِ حقاً فزوجك لن يكون رجلاً سيصبح زوجك مثل زوجتي , ألم أعرفك على زوجتي ؟ , إنها المدعوة ” أرق ” , أصبحت تلازمني كثيراً مؤخراً , تزوجتها رغماً عني بالضبط كما تزوجتِ أنتِ , وأُجبرت على قربها في كل ليلة , أضاجعها ليلاً , وتختفي نهاراً بعيداً عن الأنظار وهي تتوعدني بليلة مثيرة في الغد , لم أحبها أقسم لك بهذا لكني تعودت عليها أصبح بيننا علاقة يُقال لها علاقة شقفة ورحمة , لم أنجب منها أولاداً كثر , اللهم ولد يقال له ” تعب ” وأنثى لا تهدأ ولا تكل أسميتها ” لا مبالاة ” , وأتمنى ألا ننجب غيرهما , أخبريني عن أولادك ؟ 

بعد عشرين سنة : 

الأربعين متعبة يا صغيرتي [ مازلت أسميك صغيرتي حتى وإن أتممتِ السادسة والثلاثين ] , كانوا يقولون أنها سن التصالح مع النفس , سن تصحيح الأخطاء , سن كمال العقل والنضج والحكمة , مازالت أشواقي تتأجج , مازالت أنفاسي تتبعثر كلما سمعت حرفك الأول , فكيف بمن يتسمون باسمك ؟ , متعب أن تمتلك سراً لا يكاد يفارقك يعصرك ويسقيك من عصارتك يتملكك يرميك فيحملك يتسحوذ على كل تفكيرك , سري هذا من أنا متأكد أنه جنيّ يتلبس كل يوم بصورة جديدة بهوية جديدة وفي كل مرة يصيبني بذات الجرح لا أكاد أتعظ , لم أعد أصلح لشيء , كنت أمني النفس أنني ربما لو صبرت لظفرت بغيرك , لكن نصيبي من الدنيا أظن أنه لا شيء , أثق أن الله سيعوضني خيراً يوم ألقاه , وهذا كل ماتبقى لي من عزاء أؤمن به تارة و ينسيني إياه الشيطان تارة أخرى , حديث الأربعين يا صغيرتي حديث يحوفه الموت من كل اتجاه وكأننا نبدأ بالتوريث من الأربعين , نوزع أملاكنا , حكمنا , نصائحنا , نحاول أن نصلح أخطاءنا , نجتمع بكنوزنا التي أضعناها ! ولم أحصل على كنزي حتى الآن .

بعد ثلاثين سنة : 

هذا عمرٌ طويل لأعيشه بدونك , أظنني سأموت قبل هذا إن لم تكونِ لي , تأكدي أنّي مت بحرارة حب تعدل بل تفوق حرارة اللقاء الأول , متّ ولم يشفى غليلي منك , متّ ولم أجد كنزي بعد .

في سَفَرِ الأنثى

صورة

ولا عيبَ لي أخشى يفرّق همتي … سوى ولعي بالكاعباتِ النواعمِ *دندنْتُها ولحنْتُها ولا زال صداها يتردد داخلي مهما عاتبْتِني و مهما عاتبتك , في كل زاوية من عقلي أردَد هذا البيت , أنا لم أُخلق من حجر لكي لا أميل للشجر , و لست سوى إحدى مخلوقات الله التي تحتاج إلى زوجها ليكملها , نعم أنا أحتاج لمن يكملني , ألهذا الحد تلك المعادلة صعبة على الجميع ؟ .” ماتركت بعدي فتنة أشد على الرجال من النساء ” , صلى الله وسلم على حبيبي محمد , بعدكِ أنتِ فقط فهمت هذا الحديث جيداً , أدركت لماذا يصعب عليّ الصمود أمام فتنتك , أمام تحريضك , أمام استفزازك , أمام سطوتك . لا تقلبي عينيك في الفراغ , ولا تتصنعي البراءة , فكل هذا يحدث بعلمك أو بجهلك , المهم أنه يحصل , والأهم أني أتعذب .

بذكري للعذاب , يصعب على الإنسان أن يفسّر حقاً كيف يُؤتى دوماً من اليد التي مدّها إحساناً , فيُظلم ويُجار عليه , يصعب عليّ ذلك وأنا أتساءل كيف نعيد كل أخطائنا : الساذج منها و المستقصد بكل إصرار ونحن نعلم مالعاقبة . الإنسان في ظلّ جهله سيكرر الخطأ , كما أن الإنسان في ظلّ رضاه عن حاله سيستمر على جهله , ويبدو لي أن ركوني إليك , وركونك إلي برضا , أكلفنا حُمْق التجارب , و غرّمنا فاتورة التكرار .

ثُمَ بعد هذا أخبريني يا أنثىً أحبها و أهيم بها : كيف أخبرك بنقطة ضعفي , وثغرتي , و عن قلة حيلتي أمامها , فتحومين حولها في كل وقت ؟ , و تتفنين في سلك الطرق للدوس عليها كل خطوة ؟ , وفي كل حين وغفلة ؟ , أعلمُ أنّ أبوك آدم وأمك حواء – نُهوا عن شجرة واحدة فقط , وتركت لهم حرية الأكل من البقية , فقصدوها بزلل من الشيطان – و أعلمُ ضعفك أمام نقطة ضعفي , فأرجوك لا تسيئي فهمي أنا لا ألومك , أنا أستجديك ! , أنْ تخففي من كل تلك الكيّات , و حاولي أن تكتفي بالصفعات من حين لآخر , مرغماً سأُسلّم .

كأي غِرّ يَحسُنُ لي وصف حبيبتي , و ذكرها , و ذكر محاسنها , و التغني بأوصافها , بيد أن ذلك الشيء لا بد أن يتغير , وهو يتغير مع كل الرجال , و أنتي يا حواء تستغربين من هذا , وتكِلينه للملل , أو للحيازة , أو حتى لدهاء آدم في صيد السمكة التي يريد , ولكن الحقيقة القاصمة و الصادمة , أن آدم يتوقف عن المدح لأن الثناء للأنثى يفقدها جمالها , في كل مرة أصفك يا حبيبتي بأجمل النعوت , تصبحين أقبح في نظر نفسك , كل مرة أحاول أن أستجمع قواي لأريك وجهك في عينيّ , تذهبين للمرآة بكل احتقار لنفسك , وتتندرين على شامتك التي أغرقتني في خيالاتي يوماً ما , بل و تشمتين من ذاك العنجهي الذي غرر بك و أعطاك كل وصف لا تستحقينه , فأنت لا شيء في نظر نفسك , كلما ازدتي جمالاً , كلما كانت قابليتك للنقص أكثر , ولهذا أنا احتفظ بما تبقى من جمالك في نظر نفسك , بسكوتي عن مدحك .

أنتِ أنثى , أما الأنوثة فمركب صعب , لن تحوزيه بجمالك يا هذه , ولن تطاليه باحتيالك , ولن يوصلك إليه معسول لسانك , الأنوثة هالة لا يراها إلا رجل ولا أي رجل , فالطيبون للطيبات يا حضرة الغاوية , احذري نفساً حبيسة , واحذري قلباً وضاءً ينتظر نقطة الانكسار فلا يعود كما كان , واستجمعي قواك للحظة قد ينقلب فيها السحر على الساحر .

أنتِ أنثى , أحبكِ كما أنتِ , ليس لأنك جميلة ,و لكن لأنه ليس لدي حيلة .

أنتِ أنثى , عونُك يا ألله ! .


* سلمان العودة .

 

في غرفة الانتظار

صادفت يوماً في قاعة الانتظار رجلاً في منتصف الثلاثين , خالط بياض شعره السواد , كان هادئاً كامناً في عزلته التي أظن أني قطعتها بدخولي عليه , ألقيت عليه التحية ملاطفاً أو مطمئناً له بشخصية توحي بالهدوء وقلة الحركة ولن ينزعج من وجودي بالمكان , يبدو لي أنه فهم مني هذا التصرف فأجاب بتحية تشير إلى أنْ “أهلاً بك” , ولا تحاول أن تتصدر وتفتتح حديثاً لا تستطيع إنهاؤه بخاتمة واهية , فالخواتيم الواهية أسوأ عدوى قد تصيب إنساناً ما , هي كاللعنة القديمة التي لن تزول إلا بتعويذة قوية , مفادها نهاية صادمة , أو قناعة مانعة , و على كل حال ستكون توفيق إلهي يطفئ في صدورنا الشرارة . أظن أني فهمت الإشارة من لمعة عينه اليمنى التي تكاد تكسر زجاج نظارته التي توحي بضعف قديم بالبصر , والتي بالتأكيد لا تعكس قوة بصيرته وفراسته النافذه حين حرك قدمه اليسرى إلى الخلف قليلاً , لست مهووساً بالقيافة ولست موسوساً ولكني في خلدي أعرف أن هذه محاولة منه لرد نظرتي التفحصية له , واعترفت بسوء تصرفي حقاً حين حككت فكي الأيمن معتذراً , ولاحظت تناغم عجيب و سلام روحي حلّ على الغرفة , كنت مستمتعاً بالصمت بحضرته , كنا نتكلم بلغة أخرى , آسف كنا نشتكي لبعضنا بصراحة وبصراخة , كنا نحتضر وحين وجدته تشبثت به , حتى وإن كان طيفاً عابراً في غرفة انتظار في مستشفى ما .كان يقرأ مطوية موجودة في أحد رفوف الغرفة لكي يمضي الوقت بسرعة أكبر , من تقليبه للصفحات بذلك الإهمال علمت أنّ تلك المطوية قد بطأت الوقت أكثر , فوضعها جانباً , وبدأ يدندن ويضرب الأرض بقدميه بنغمة توحي لي بأغنية أعرفها جيداً , أجبته بإكمال تلك النغمة على الكرسي بجانبي , ارتعش قليلاً لإتقاني لتلك النغمة بالضبط كما سمعها لأول مره , كنّا نعزف معاً بشكل ماهر عن الماضي الدفين وقوة الذاكرة , كان يملك ذاكرة قوية جداً كما أحمل , بالتأكيد هذا لا يقبل مجالاً للشك .

جوّ الغرفة الحار نسبياً أسال من جبينة قطرة عرق , فـ قال لي بصوت أبحّ : ” الجوّ حار هنا , أليس كذلك ؟! ” , فأجبته بابتسامة مجاملة وإيماءة بأن نعم ومفادها ” بأنه ليس بحرارة الأسى بداخلك ” , وأجاب بسرعة جنونية جداً ” أنا هنا انتظر منذ نصف ساعة , أتساءل كم ستكون مدة انتظارك ؟! ” . لهجته التهكمية أشعلت بداخلي الأسئلة و أحرقت كل الصبر بداخلي قد عِلَم بالتأكيد أنني فهمت إشارته المثبطة بأن حماسك هذا سينطفئ مع الزمن , هذه الدنيا بقدر ما توهمك بأنك مع الزمن ستتعلم وستتطور , وأن مقدار كسبك سيكون بعدد السنوات , هي تخدعك لأن هناك سنة من السنوات ستصبح فيها أعزلاً , فرداً , ضائعاً , لا كسب , لا رزق , لا حكمة , لا هدوء , لا سلام , لا ولد , لا تلد , و مما يزيد الأمر حيرة , أنها نقطة منتصف العمر , أنت في وسط الطريق يا فتى , لم تكن في أوله لكي توقف اللعبة عند هذا الحد , ولست في آخرها لكي ترمي بسمّك على عقم السنين و عقدة آخر العمر , أنت في المنتصف , من الذي خدعك بأن الوسط جميل , من هذا الأحمق الذي سخر منك بقوله أن الوسط دائماً حقّ , بل على العكس إن لم تتمرد لم تتعلم , إن لم تمِل لن تستقيم , إن لم تخطئ لن تفعل صواباً واحداً في حياتك , من لزم الخوف لا يستحق مغامرة الحياة , من ترجل عن فرس جنون هذه الدنيا , فليس له الحق بلحق الركب , سوف ينصهر في لهيب رتابة المنتصف الوسط التوسط المثالية , كلها قيم وُجدت لكي يُحاد عنها , ألم تتعلم يوماً يا بائس أن الأشياء تعرف بأضدادها , وأن الخير يعرف بوقوع الشر , و أن الأمان يُرى كل الأمان بعد النوائب !

فأجبت : ” أعرف أنك لن تجلس مطولاً مع الطبيب سأنتظر مدة أقل بالتأكيد ” , نعم بالتأكيد عِلَم أني أطلب منه القليل من خبرته لكي يعطيني , و أني بقدر ما يراني صغير , مندفع , بقدر ما أخفي وفاءً لتجارب الآخرين , فالسعيد من اتعظ بغيره , و الحكمة من تتابع الجيل تلو الجيل , هي لاتخاذ الأسوة والقدوة .

لم أخبركم كيف كان يخبرني عن قصصه الطائشة بحاجباه التي يحركها بكل غرابة , الكثير من البشر يعتبر هذا الشيء سخفاً وقلة احترام , بينما الجزء الذكي منهم قد يعزو ذلك لضعف في البصر جرّاء لبس النظارة لمدة طويلة فتلك نتيجة , وأنا الوحيد بالتأكيد الذي أدرك أنه بدأ يحكي الحكايا , عنه وعن ذاته وكيف آل به المآل إلى هذه الحالة .

حاجبه الأيمن كان يخبرني بـأنه كان إنساناً متفوقاً في دراسته , وكان يتقبل العمل الذي كان يعمل به , كان طموحاً متّقداً , و طموحه أخذه إلى قمم شاهقة و أغوار سحيقة , الكثير من القصص يحكيها الحاجب الأيمن , و الحكمة منها كالآتي :
*إنْ كان علمي قد نفعْ … مالذلُّ إلا في الطمعْ
من راقبَ اللهَ نزعْ … عن سوء ماكان صنعْ
ماطار طيرٌ وارتفعْ … إلا كما طارَ وقعْ

حاجبه الأيسر كان يخفي وراءه قصة حب مجنونة , كان يخفي إنساناً جامحاً عاشقاً لا يخاف شيئاً في الحب , مظهره كان يوحي بالحذر , ومايخفي الحذرُ أعظم , كان حبه يكسر كل أعراف المنطق , يهشم كل نتائج الفلاسفة , كان يجتاح كل حمى العقول , يسرح ويمرح بأمر القلب والمحبوب , و حين يكون بهذه الحالة فلا يكاد يعرفه أحـد , على العموم هو توقف الآن عن التعبير بالحاجبان علم أنه تعرى أمامي ! , يبدو لي من تلك الحركة أنه لا يريدني أن أعرف بأنها كانت قصة حب فاشلة , على الأقل ليجعلها جميلة في نظر أحدهم ! .

نادى المنادي باسمه , علت وجهه حمرة و حسرة على انتهاء اللقاء هنا , أحبّ أن يهب لي طريقاً مفروشاً بالورود , ويختصر علي المسافة , فأجبته بـ ” ماتشوف شرّ ” , والتي تعني في لغتنا تلك , لن أقبل بطريق ولكني قد أقبل بنصيحة أو بتصحيح رؤية .

وبدل أن يقول ” الشر مايجيك ” قال لي بيتان فيهما خلاصة تجربته :

**فلو أنّ العقولَ تسوق رزقاً … لكان المالُ عند ذوي العقولِ
***خذْ ما تراهُ و دعْ شيئاً سمعت به … في طلعة الشمس مايغنيك عن زحلِ


القراطيسي .
** مجهول .
*** المتنبي .

 

عطايا

اسقيني منه وأمهليني , ومرري الجِرارَ للذي يليني , ثم عودي و خذي ما أعطيتيني , و أرجوك لا تُخجليني , لا تسأليني .

لايُسألُ الإنسان عن أفعاله وهو مُكره , و لا يُنعت الجبان حين يرى الموت بالشجاعة , ولا يُحاسب الإنسان فيما ليس له به طاقة , فقد أسقط الله إصرنا عنّا , هكذا أريد أن أنجو لا بخفي حنين ولا بغنائم وملايين , بل بجلدي , بل بعقلي , بل باسمي . 

الصمت حكمة , والكلام في أغلب الأحوال نقمة , لا أحب الكلام , و أمقت الجدال والخصام , المداهنة شرّ لا بد منه , ولكن التورية على الحقائق شرّ لا بد من محاربته , لا أملك إلا قلباً واحداً لأحكي وأثرثر عمّا أحس به من خلاله , ولكني أملك أمزجة كثيرة تبعدني عن مقاصد قلبي في الكثير من أحوالي , وما على منطقي إلا أن يجمع الخيوط بعد الشتات ويحاول أن يخيط ويرقع ما استضلع ! . 

فقدت الكثير من لباقتي , كما فقدت الكثير من حماقتي , الصحوة ثمينة , والصراحة متينة , والنوايا الدفينة , لا تظهر إلا على فلتات الألسن , و رمقات الألحاظ , يومها رميْتني بشرر , و ألجمْتني بحجر , بالضبط ألم أقل يوماً بأن الدنيا مجموعة من العطايا , قسمها بين العباد ربهم حين علّم آدم الأسماء كلها , وجعلها دُولة بينهم , حينما تأخذ تأكد أنك ستترك , حينما تدفن تأكد بأنك ستحفر , حينما تكذب تأكد بأنك ستُكشف , حينما تَصْدق تأكد بأنك ستنجو , و حينما تحب تأكد بأنك ستفارق ! . 

– لا تخبري الناس عن سوء ما صنعنا .
ولن أخبر الأحلام عن كآبة واقعنا .
– لا تخبريني كيف ضعنا , كيف تهنا , ومن أين أتينا؟ .
ولن أخبر العُذّال بأننا تفرّقنا .
– لا تخبري الأطفال بألاّ يحبوا .
ولن أخبر الشباب بأن يجدّوا .
– لا تخبريني بأنك حزينة .
ولن أخبرك بأنني كئيب .
– لا تخبريني بأنك أحببتني من كل قلبك .
ولن أخبرك أنني جاهدت قلبي بأن يكف عن حبك فتحول إلى جذع ذاوي لم أجد له من مداوي ! , 

ثم أخبريني كيف جئنا ؟ أين فُتات الخبز الذي وضعنا ؟ لأخبرك كيف نعود كما كنا . 

ماهو اليقين ؟ غير أنْ تكون فوق جبل مرتفع في ظلمة الليل بيدك شمعة وبيدك الأخرى قلم وتحت قدميك صحيفة , وفي قلبك إيمان بأن هذا كل ماتحتاجه خلال هذه الساعة . 
-ماهو الحب ؟ ظلمة الليل . 
-ماهو الفراق ؟ قمة جبل مرتفع .
-من هو الخلّ الوفي ؟ قلمٌ و صحيفة . 
وإيمان بقلبك بأن الله فوق الجميع , هو ماتحتاجه في كل ساعة .

لا يهم !. مجرد مجنون آخر

مجدداً : تثبتُ لي الأيام بأني أعرف كيف أصل ،  حتى وإنْ لم أقصدْ ،  حتى وإنْ لم أنوِ، حتى وإنْ تقطّعت بي السبل، سأصل ! .

هكذا تخبرني أيامي  و أنا رجلٌ يخاف من ليونة أيامي ، من جمجمتها الهشة الصغيرة ، كيف سأواجه نفسي ؟ ، ماذا سأقول لو كنتُ على خطأ ؟ كل تلك المدة ؟ ، ربما سينقلونني لمصحة نفسية بقية عمري ، وأصبح حكواتي المصحة ، ويجتمع حولي المجانين ، وأسرد لهم قصصي وبطولاتي الزائفة ، ساعديني يا فتاة ، أرجوك ساعديني ، أصبحت رجلاً يخاف من نفسه أكثر من أي شيء في هذه الدنيا ..

عندما تسأليني : هل تحبني ؟ ….
صمت طويــــل .. تردد قاتل .. نبضات قلبي تتكلم ، صوتي الغائر يخنق أنفاسي ، عيناي تتسع ، ثغري يكاد ينفتح ، تتصلب شرايني ، تتوقف الدورة الدموية قليلاً لتشاهد هذا الحدث الهام ، نشرات الأخبار في جسدي تبدأ بإذاعة الثورات ، بطلب الدعاء والابتهالات ، جيوشي تتأهب للاستعداد لأي طارئ ، لأي توقف في النبض ، لأي دمعة تسقط ، لأي فلتة لسان ، لأي زلة قدم ، كل شيء محسوب كل شيء محسوب ..

وبعد هذا كله أنا لا أتكلم ولم أكن لأتكلم .. طالما لم أضمن ، لم أحوز ، حتى يقولوا لي مبروك الآن فقط الآن وجودك معها يجوز ، وياله من فوز ، صدقيني سأتعبد الله بقربي منك ، سأكون صالحاً بحبي لك ، سأتجنب الكثير من المعاصي بجانبك ، سأعتدل ، سأستقيم ، سأهدي من بعدي إلى الطريق القويم ، وقبل هذا كله سأكون بركاناً خامداً ، زلزالاً يحطم نفسه بنفسه ، قبلة خد حائرة في الرياح ، نسمة فرح تنتظر من تسعدهم ، وأضاعت طريقهم في المدى ، ومازالت تستدلّ بالصدى ..

ماذنبي أن أكون أنا الرجل ؟ ، أنا المسؤول ؟ ، أنا من يتخذ القرارات ؟ ، أنا من يتحمل التبعات ؟ ، أنْ أعيش حياتين ، أتعذب في الواقع وأهرب إلى الخيال ، ليس هذا تهرباً يا صغيرتي ، ليس هذا تملقاً ، ليست هذه أعذار ، فقد احترفت جلد الذات ، احترفت محاسبة أنفاسي ، وخصوصاً وهي تترنم بك ، تمرسّت على معاقبة عيناي بنظرتها البلهاء إليك ، أنا راضي ، والرضا وحده صدقيني لا يساعد ، والله لا يساعد ..

مستعدٌ أن أصف كل أيامي ، وكيف سيكون شكلها وهيئتها بجانبك ، في اليوم الفلاني سنذهب لذلك المكان الذي أحبه ، سأريك كيف كنت أهيم بطيفك وأنتظرك طويلاً ، وكنت أعلم أنك لن تأتين ، بالمناسبة : ألم ترتطمي يوماً يا حبيبتي بحاجز الزمن حينما نعيش في الأبد غفلةً ، أنا ارتطمت كثيراً وتهشمت أضلاعي كثيراً ، وأنا انظر إلى عينيك ، فيهما أبد مخيف ، فيهما سرمد مهيب ، يجتث كل حماقاتي وخوفي ، ويجبرني على الاعتراف بأحقيتك بقلبي ، بفكري ، ابتسم بلا أي مقاومة ، ولكن من يضمن ؟! ..

أنا أخاف على نفسي من نفسي بقربك يا حلوتي ، لهذا أحسب الساعات ، لهذا أقننّ الابتسامات ، لهذا تكثر فيني الصراعات ، لهذا أتجنب نار قربك ، إلى جمر الانتظار ، لعل الله يسخر لي نارك ويجعلها برداً و سلاماً عليّ ، عندها سأعيش الحرية ، سننجب الذرية ، سأعاتبك لأراضيك ، سأغضبك لكي أرى لوحة العبوس في وجهك ، ثم أحضنك لكي تحسي بالأمان ، وسأتركك حائرة ليلة أو ليلتين ، لكي أعود إليك بأقوى شعور ، هذا هو الحب ! ، نعم صدقيني هذا حب الروايات والأفلام ، هو ذلك العذاب ، هو ذلك الشتات ، هي تلك الحيرة ، هي تلك المزاجية التي تغتالنا في غمرة أفراحنا ، أليس هذا ماتريدينه منذ نعومة أظفارك ، أن يحبك رجلٌ بجنون ، أليس هذا حلم كل فتاة ، ذلك الفارس الملثم ؟ ، سأخبرك سرّاً ، من قام ” بمونتاج ” تلك الأفلام إنسان حقير ، يحشر لنا سويعات فرح ، ويحذف الكثير والكثير من لحظات الحيرة ، الضياع ، الألم ، الصبر ، الانتظار ، الاحتضار ، كلهم ماديون يا صغيرتي لا تصدقيهم ..

فقط أنا صدقيني ، صدقيني لأني أعرفك ، أحفظك ، جربت من أطيافك الكثير حتى تسربلت كل أجناسك فيّ ، أتصدقين بخالقك ؟! ، أنا لا أستغرب ولن أستغرب أي ردة فعل منك ، لأني معك فقط أتجنب التوقعات أريدك كاملة ، بالجملة ، بسعر السوق ، بجميع عيوبك ، بنسخك التقليدية كلها ، ولن أتوقع الكثير منك ، ليس لأني أشك أنك ستعطيني الكثير – فقد وهبتني أجمل الأشياء وانتهى الجدال – إنما لدي ثقة ربما تتغلف بالغرور حولك ، أنتي لغزي الذي أحب تكراره ، أنتي الأحجية التي لطالما أعدتها كثيراً ، أنتي إدمان الكلمات المتقاطعة بالنسبة لي ، أنتي شغف القراءة بنظري ، أنتي نبرة النشوة التي ترتسم على من حقق أحلامه ..

أنــا ؟ قرأت كل الكتب ، وتعلمت كل الحيل ، و قمت بجميع ” البروفات ” ، حتى عرفت من أين تؤكل الكتف ، أي الطريق هو الأسرع للوصول لقلبك ، أي الكلمات التي تفضلينها ، متى تريدين مني أن أسامحك ، أغضب عليك ، أراجعك ، أفهمك ، أحضنك ، أسمعك ، حتى عرفت بأي هيئة تريديني أن أتركك ، وأهجرك إن رميتني للكلاب ، أعرف أي وضعية سأقفز لهموم الحياة من بعدك ..

لاتخافي مني مطلقاً فأنا رجل أرهقه تفكيره ، حتى فكّر بجميع الاحتمالات ، أنا من يجب عليه الخوف من نفسه ، أعلنها لك يا حبيبتي أنا أخاف من نفسي أكثر من أي شخص ، لو نتصالح ، لو نلتزم بمسار واحد فقط ، ستتعجبين ويتعجب العالم بهذا الفذّ ، ولكن لربما كان ذلك النزاع رحمة ..

وتتمخطر الأيام من حولي ، بطيئة بكل مافيها من سرعة ، رتيبة بكل مافيها من أحداث ، قاتلة بكل ماوهب الله فيها من رحمته ..

وأعتذر لك يا حبيبتي لو طال صمتي وعجزت عن إجابة سؤالك البسيط ، السخيف ، السطحي جداً بالنسبة لك ، وعن مدى حبي لك ، إنما تلك الحقيقة أنا رجل معقد قد تنتهي به الحياة فوق النجوم فوق السحاب ، ولربما أشاطر المجانين مصحتهم .. إن عشتِ لتلك اللحظة ، حاولي أن تنتقي لي مصحة أنيقة فيها مجانين ظرفاء ، أحسني عليّ ولو مرّة ، وإن لم أكن بعقلي ..

ولا تفكري في غيري مطلقاً ، أحذرك من هذا ، إمّا أنا أو أنا ، لا و لا ثالث لنا !

وما أنا بالمصدقِ فيكَ قولاً ، ولكني شقيتُ بحسنِ ظني *

اللهم سقيـا رحمة لا سقيـا هدمٍ ولا تدمير ..
هكذا استهللت رعودك وبروقك ترحيباً بعودتها من بعيد و بعيد جداً ..

في عرف الحياة ومن خلال تعاملاتي السابقة معها :

هي لا تذهب خالية الوفاض أبداً , وإن ذهبت فستعود بما هو أقوى وأثبت مما ذهبت به قبلاً .
صبَرتُ والصبر جُنّـة للموعود , ولكني لم أكن موعوداً , ولم أعرف لماذا صبرت كل تلك المدة ؟
دائماً ما أراني أنافس الحمار صبراً وقد يلقبوني يوماً بـ أبي صابر , لا أعلم , ولكني صبرت كثيراً
وصبٌر بلا وعـد , كصبرٍ على سف الرمد , والمشي عارياً تحت الرعد , ورواية قصة بلا سرد ,
بالضبط هي هكذا كانت أيامي تتقطع , وكانت لحظات سعادتي مبتورة , ولم تكتمل أبداً تلك الصورة .

قد أكون مؤزراً بتوفيق الله وتثبيته لي , أو ربما كنت مستسلماً لسطوة الأيام , و أظن أنّ لي ماضياً مع الاستسلام حينما كنت أرى عينيك , وابتسامة ثغرك المليء بالأشياء التي تلمع وتسطع وتتميع كما كنت أتلوع وأنا أشاهدك , ولا أدري أقلبي ذاب حبّاً بك , أم قد استباح ما حُرِّم عليه قبلاً وأصبح يعصيني , أم أنه فعلاً وفيّ جداً لك , ولكني لم أكن أعلم بوفائك لي ؟ , أنا أعرف إني كنتُ وفيّاً جداً لدرجة إني كنت أخاف لمجرد أن أسمع أنك تبتسمين لأحد غيري , أو تخاطبين غيري , أو حتى ترتاحين وتستأنسين بالقرب من غيري , فاخترت البعد بهدوء بلا أي صوت , بلا ذكريات تتلألأ كلما تذكرتك , بلا جنون , بلا ظنون , لم يبقَ لي منك إلا تلكم العيون , كنت استأنس بها في ظلمة الليل , بخيالاتي التي تسبح بعيداً , أصبحت أراكِ في عيونهم , أصبحت استمتع بمناجاتي لطيفك لدرجة أني استأنست بقربه وكنت أستوحش من لقياك و ارتعد لسماع صوتك , أتذكر ضحكتك التي كانت تملأ خلاياي حركة ونشاطاً , فاتت على الأطباء أن يصرفوا لي منك دواءً لعلاج فقر الدم فيّ , وكنت أعلم أنك طبّي وطبيبي , و سرّ صمتي وتغريبي , و سبب استمرائي وعنادي , ولكني فضلت البعد لأن البعد مرّ بالدرجة الكافية للتجرع يوماً بعد يوم , على أن أتجرع عسلاً فانياً , أو اعتاد على إدمان ابتسامة غالية جداً لا أستطيع التكفل بثمنها الباهظ يوما بعد يوم , وأنا أناني بعض الشيء أريد أن أبقي بعضاً مني ليّ , للأيام السوداء , لليالي الباردة الجافة الصامتة التي تسرق مني بهدوء , تسرق من لمعة عينيّ , ولون شعري , وتزيدني اصفراراً بعد حمرةٍ كانت تعلو وجهي لتثبت لي أنني فعلاً فقير ولا فقر يمرضني سوى فقرُ قربِك , أنا فقير , و أدعو الله غنىً لا يبطرني ولا يجعلني متكبراً بما لدي , وغنىً يعيني على طاعته أكثر من أن يسرقني من نفسي ومن الناس ,

لم أشك يوماً ولن أشك بمدى صدقي وصدقك في الهوى وفي الحب وفي اللوعة و صدق المشاعر , حتى لو كذبتِ بأنك لغيري فأنا أعرف أنك لا تبتسمين من كلّ قلبك إلا لي , ولا تعرفين أن تبوحي بكل صدق إلا لي , وتزدادين حرية بسؤالي وغيرتي عليك , وتستبهي طلعة جبينك بنظرة إعجابٍ مني.
أنا لست غبياً , وإنما حذر ياحبيبتي , أخاف عليك قبل أنْ أخاف عليّ , أخاف عليك لأنك مني , أخاف أن تغرقين وأغرق , أخاف أن لا تجدي حبلاً للنجاة إلا أنا , وأنا الغريق قبلاً , أخاف أن يقلقك حديث الناس عنّـا , ولا أحتمل تنهيدة القلق منك , لأن أعظم قلق يصيب الإنسان أن يقلق بسببٍ يجهله , نعم سأقلق لقلقك ولكني لن أحتمل أن أقلق لأنك تقلقين فقط , أن تعيش كالملك المخلوع في وسط مملكتك البائدة أصعب عليه من أن يموت حفاظاً عليها , رضيتُ أن أموت سابقاً فيها دون أن أتكلم , تقطعت بهدوء , كل يوم أنزف قطرة في إناء يسمى بالوفاء , والوفاء لا يعرف ثغراً يحكي عنه , هو صامت لا يبان إلا إذا طفح الإناء بالدماء وابتدأ يذرفها يمنة ويسرة فيلاحظ الناس حينها كم هو مليء , وينظروا إلى الرجل النازف ويجدوه قد فارق الحياة مبتسماً .

الإنسان يستمتع أن يعبر عما بداخله , ولكنه يتعذب إن لم يجد أحداً يفهمه , لذلك اخترع اللغة واخترع الكتابة واعترف بالفنون والطرق التعبيرية المتفرقة كالرسم و النظم والشعر والغناء والأراجيز ولربما صدقّ الأعاجيز لأنه يحب أن يُفهم كما أراد , لاشيء يثلج صدر الإنسان كإيجاده لعقل يفهمه وقلبٍ يئن لأنته , ولسان صادق يكمل عنه ما ابتدأه , وحب لا ينضب مهما طالت مدة استعماله , كل خوفي أن أكون في موقف يصعب علي إيصال مقدار حبي لك , للناس لمن يهموني , وأنا أكثر خوفاً أن أفقد القدرة التعبيرية عما في داخلي لك , أنا أحبك هذا يقين , ولكن اليقين لا ينقل بالشعور فقط , فالله واحد لا ثاني له هذا يقين ! , ولكني انظري لحجم المشركين والكافرين في هذا العالم ! , وهذا يعني أن اليقين وحده لا يكفي , أريد أن أمتلك أداة تعبيرية قوية لكي أنقل لك شعوري بأني سأرسم لك الأرض على كفك إذا ما أردتِ ذلك , سأتسلق القمم الشاهقة وأنتِ على كتفي , بأني سأنظم معلقات وأرجع الشعر العربي لأمجاده إذا ما أردتِ , ولكن هذا يستعصي عليّ الآن لأنه لا أمان ! ..

لربما نسيت أن أقول لك قبل ذلك أن الأمان أبو الإبداع , أنا لست آمناً الآن , لا أمتلك المقومات الكافية للأمان , للسلام الداخلي , للتحدث بكل أريحية وطلاقة , لأني لم أبلغ أوج قوتي , لأني مازلت شاباً أضج بالمتناقضات فيّ , لأني أترنح بين كل الطرقات فأعود لنقطة البداية , لأني لابد لي أن أكون هكذا لكي أعرف طريقي جيداً وأمرّ له مرّ السحاب , الحياة محطة توقف وانتظار , كلنا ننتظر بلا استثناء , قد تطول مدة الانتظار , وقد تقصر , قد ننتظر سراباً , و قد ننتظر غيوماً هاطلة , أو سحابة صيف خداّعة , ولكن بالرغم من ذلك نظل ننتظر حتى لو كان ذلك الإنتظار مجهولاً .

كل ما أريد أن أقوله يا عزيزتي : انتظري وانتظري مطولاً ..
إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب , لعل أجري وأجرك أن نلتقي بأمان في يومٍ من الأيام .
وإن لمْ يكتب لنا ذلك , فسوق يتفتق لك مستقبل مشرق من مجرد انتظاري , أنا أثق باختيار ربي لك .
وأن الخيرة فيما اختاره , فإن لم يختارني بقدر حبي اللامحدود لك , فسوف يرزقك بخيرٍ مني , ويالك من محظوظة به .

“قالت لي مليت ودي بأحد غيرك”

حتى الأغاني الطيبة تنتحبْ ” لا تنسحبْ , لا تنسحبْ ” !
حتى الأرض الصمّاء تستمع لخطواتي الرتيبة تبتعـد ..
حتى الجروح المنكفأة انتكأت, وعاد الأنين ظنين , و منذ الآن يقتلني الحنين ..
حتى الصراخ الذي اعتمد الصمتَ شعاراً له سنيناً طويلة , قد انقلب وغلب صوته الوجود ..
حتى أنا أظهرت الملل قبل أن تملينّي ! 

سأرحل قبل أنْ أصلْ ..
كي لا أُشعرك بالمللْ .. 
كي لا تنتظريني كل صباحٍ طويلاً .. 
كي لا تعتزمي الإبقاء على بقايا إنسان إحساناً وجميلاً ..
كي أحتفظ بصورتي الجميلة لديك ” خجولاً طويلاً نحيلاً ” ..
كي لا تختلط كل الصور عليك , فـ حتى أنا لم أعدْ أعرف من أنا وأين أنا ..

سأفتقد كل ذلك الوهم بالوصول .. 
سأفتقد أشباه بسمتك , صدى ضحكتك , ظل عينيك ..
ضبابية بشرتك , رذاذ دمعتك , أصوات صمتك ..
حتى عبسك في وجهي , وبسرتك .. 
سأفتقد دغدغة مشاعري حين تمري في خيالي , أو ألمح في الناس عينيك ..
وسأظل أسأل ذات السؤال دائماً ” هل لي أن أعرفك ؟! ” 

سأظل أتساءل كـشباكٍ قديم يأن في كل نسمة هواء حنيناً لِما مضى , 
لِما يظن أنه قد يعود , 
لِما أخلف عليه الزمان من الوعود , 
لِما ذُكر ذات يوم بأن الغائب ” سيعود ” !

سأتظل أتساءل كـطاولةٍ في طرف قهوةٍ وسط السوق تكتظ يومياً بالزبائن ..
جلسنا عليها يوماً كما تستقبل هي من الزوار كل يوم , لكنها بكت ذلك اليوم !
ثقلت عليها أكواب حزننا , وحبنا , و شوقنا , وذكرياتنا , فانسكبت من على أطرافها دموعاً 
غادرناها مسرعين , فرحين , 
ولم نستوعب أنها تقول لنا ” الدنيا لا تجمع شخصين في نفس المكان في نفس الموعد على نفس الطاولة , بنفس الظروف ! ” 

سأتظل أتساءل كـتذكرةٍ تائهةٍ على أرضية مطارٍ مزدحم ..
تحمل كل المعلومات اللازمة , مغادرة مِن , إلى , ومتى , وعلى أي مقعد , لكنها تفتقد صاحبها !
هي لا تلومه فهو كثير النسيـان !

سأظل أتساءل كـجموحِ ورقةٍ مهترئة خربة متحللة في وسط كتابٍ بطبعته الحديثة ..
تظن أنّ بإمكانها أن تجاري ذلك الورق الفاخر , وتلك الحروف المشبعة بالحبر ..
ومصيرها أن تقلبها الأيادي و لا تعرف ماهيتها فتخطفها الريح قبل أن يستوعب قارئها بأنها مجرد ورقة فارغه مشبعة بالدموع ! 

سأظل أتساءل كلحافِ طفل ٍ فقير في ليلة ظلماء من ليالي الشتاء ..
يرفعه قليلاً لكي يغطي به وجهه المتجمد المتصلب , 
فتشتكي أطراف أصابعه من جمود الزمان , يحركها ببطء بصعوبة بابتسامة صفراء ..
مايلبث أن يأخذ نفساً عميقاً ليعيد الغطاء إلى قدميه الصغيرتين , 
وطالت جداً تلك الليلة الباردة على ذلك الطفل البريء !

سأظل أتساءل كـقبلاتِ الهواء التي نلتقطها عبر موجة المذياع يرسلها فلان إلى فلانة .. 
لم تخرج من فمه ولا من زفرات أنفاسه , ولا هي استقبلتها بخدها الضامر شوقاً لسقيا فرح ! 

وسأظل أتساءل إلى أن يصلني جواب لن يشبع جوع قلبي , 
ولن يعوضني أرق ليالٍ طويلة , 
ولن يرسم ابتسامة مهاجرة منذ عقود 
ولكنه قد يُجهز على بقايا ذلك الإنسان الخجول الطويل النحيل !

وإني أحبّكِ

360061612_640

علمتُ أنَ الوفاء شيء صعب, لا يُطلب, إنَما فقط يُعطى بلا سؤال وبلا شروط. الوفاء فعل جسيم وغرمٌ كبير فلن يفعله المرائي, و سينكث به عند أول محنة
.لا شيء أوفى من محبٍ قديم , أو خلٍ نديم, أو كتابٍ حكيم، ولا شيء أوفى من شعوري نحوك, لم يتغير مع الأيام

.مهما كبرت وتقدم بي العمر فلا أزال أملك ذلك الحنين, وتلك النظرة المرتبكة أمامك, وتلك الرعشة تنتابني حين سماع صوتك
ضحكتك عهدي القديم بالسعادة, و شقاوتنا معاً خير شرح لكتاب “لا تحزن” , شكلك يسطّر لي مقاييس الجمال الأنثوى , فمنك وبك أقارن .جميع بنات هذه الدنيا , بدقّة خشمك , وبريق عينك , وبصغر شفتيك , و بنعومة شعرك

يكذب الكثير باعتقادهم بأنهم أكبر من حب, ويكذب الآخرون باعتقادهم بأنهم أصغر من أن يُحبّوا, الحب مرحلة لا عمر فيها ولا حسابات ولا مقاييس, الحب بالضبط يشبه شعور أن تكون طفلاً من جديد, أو ربما هو يرسلنا للطفل الكامن بدواخلنا, حيث لا حدود, لا قيود, لا ركود  .لا مسؤوليات ولا وعود

بحضرتك – في خيالي طبعاً فبوجودك أمامي لا وقت للتفكير ولن ينفعني أيضاً وجوده – أعود طفلاً حيث أول قبلة خلف ذلك السور ..
أعود طفلاً بكل لحيتي وشعري الذي غطى جسمي.
أعود طفلاً بفراغ داخلي من كل شيء إلا حب الحركة.
أعود طفلاً بحواسي , فبنهم أريد أن أتذوقك , أشمك , أسمعك , أراك , وألمسك.
أعود طفلاً بسذاجتي , ستطلبين وتطلبين وتطلبين وستجدين حتى قبل أن تطلبين.
أعود طفلاً وتعودين أيضاً كما عهدت ضحكتك التي تشحن جسمي بفولت عالي يكاد أن يحرق قلبي الضعيف ..

تتغير ملامحي كثيراً ..
ويضعف بصري ..
ويتساقط شعري ..
وتبدأ عوامل التصحر تغترف مني ..

ويبقى حبك كما كان وكما بدأ , في الحقيقة لا أعرف كيف بدأ ومتى بالضبط بدأ, ينتابني شعور بأني ولدت به, وتنفستك قبل ولادتي, وتغذيت منه بلا حاجة لحبل سري, و بحسب رواية أمي: أنني لم أشرب من حليبها الكثير , يتأكد لي أن حبك كان يرضعني ويسقيني حتى بعد ولادتي  أنا أعرفك قبل أن أراك , وقبل أن أعرفك حتى ! , لا أعلم أين ولا أعلم متى.

هه ! , هكذا أنا عندما أضيق وأضيع في الأعماق , أسأل أسئلة كثيرة بلا أجوبة , وتنهكني جداً حد النوم الذي فارقني منذ خاض عقلي في بحرك الذي لا أعرف كيف أعوم فيه وأنجو بسلام إلى برّ النوم .

أرق يُصاحبني منذ مدة , كرهت تفكير ماقبل النوم لأن كل نتائجه ستعيدني لا محالة إليك , فكرت في كل مواضيع الأرض , وينتهي تفكيري بلون عينيك !

كل مايسليني في هذه الأيام , أنني أعرف يقيناً ” أن التطرف مدعاة الانحلال ” , ” والإفراط مدعاة التفريط ” ” والحب الشديد مدعاة الكره الشديد ”

لعلي أكرهك بقدر حبي لك وأنسى وجودك في هذه الدنيا أصلاً , وأنسى طفولتي وأيامي معك , وربما أغير اسمي وعنواني لأنهما يذكراني بك , و أحاول أن أكتب مذكرات لشخص آخر لم يعش لأقنع نفسي بأنه أنا !

أكاد أرى طيفك يضحك من بعيد علي , ويستعيذ بالله من حالي , إلا أنني تعلمت أنني لن أفرّط في أمل حتى وإن كان شحنة تائهة في وسط تيار متذبذب , فقد تضيء بنفسها الأنوار ..

أدعو الله أن ينزع حبك من قلبي كما كتب علي الشقاء بك !

وإني أحبكِ !

نبدأ من حيث انتهوا ..

هم يقولون أننا نولد مبتكرين، ثمّ نتعلم التلقين ممن سبقونا شيئًا فشيئًا .

لقنوني فكرة المدونة، لكنّي حملتُ همّ ابتكار الأفكار من التدوين، وعاهدتُ القلم أن أبقى مطيعًا لتواضع البدايات.

لا يهم أن تجد شيئًا مدهشًا، المهم أن تجد شيئًا مميزًا ذا بصمة.