هذا رقمٌ مثاليٌّ لصرخة

هذا العالم آيلٌ للاحتراق
لا تترك يدك في جيبك طويلًا
واحمد الله على الرماد
على ألف فرصة مُخمدة
واسمع حسيس النار
ينادي كلّ متهيج من عناء الطين
من تعب البلل
تجففه من تفاصيل ملامحه

لا تبدأ الثورة بنار بل تنتهي بها
وعندما تستعر الحرائق
لا يحارب المرء إلا نفسه
ومن لا يتتبع الجرْس بدقة لا يمتعض من النشاز
ومن لا يسمع النداء لا يجيب
ومن يعرف أنّ شيئًا قادمٌ يستبطئه

في الغياب رائحة الموت
وعندما لمست شيئًا لزجًا تملكني الاشمئزاز
ويصوت في داخلي صيت الأهل
فلا أجد إلّا التفرّق
لقد انتزعت حريتي من الجهل
ونازعني إياها هذا الحنين

قبيل الموت يبدو الكون ملائكيًّا كحوم الحمام
كلمةٌ يقولها المشرف على الموت
تبدو وكأنها خرجت من كتاب الإله
الموت هو المعنى
والمعنى هو ما تأتي به الملائكة
ونحن نتوق منذ خلقنا لحديث الملائكة

شيطانٌ ما قد باح لي بأنّ الشياطين تكره الموت
وتحب المرض والمديح والإغماض والظنون
لكنّ الشياطين مظلومة بحبها للظلام
ومظلومة بحبها للفتون
ومظلومة بخلقها للفنون
وظالمة لأنها لا تريد لغيرها أن يعرف المعنى
الذي تعرفه

اضطررت لأن أبحث عن معنى
عن وطن
تعلمت الأبجدية ، لم تشفِ غليلي
تعلمت الأرقام، لم تبارح عتبة المنزل
تعلمت المنطق، أعاد رأسي إلى قفاي
فهجرتها إلى وحشيتي
وأدركت أنني أصبحت أخاف
فعلمت كلّ شيء
وأدركت أنّ السعادة ألّا تخاف
ألّا تعرف
إدراكٌ بعد فوات الأوان

النية ترتقي إذا كان الوعي نائمًا
لكنني منذ هجرت برّيتي وأنا لا أنام
سمعتهم يقولون أنني وحيد
فحزنت على اللمز
دون أن أعرف معنى الوحدة
وتمنيت أن أنام مرة أخرى

لا تخف مادمت تبكي
فلا نارٌ تصمد أمام دمع الحزانى
ولا ترتعد لأن بينك وبين النار
دائمًا دمعة
واشكر تضحية الدود
يتركك عندما تكون دافئًا ورطبًا
ويموت جوعًا في انتظار موتك المحتّم
لتسامحهم عندما  تفتر وتبرد

تبدأ الثورة من مكانٍ دافئ وحميمي
من أرحام النساء
من أحاديثهن الناعمة
كشيء ناعم وجميل
ورائحته تدعوك لالتهامه
رغيف خبز
أو طفل حديث الولادة
حواء
أم موسى
مريم
وكلّ أنثى توقد في قلب رجلٍ ما معنى
وعاطفة مشبوبة
ويقين يوقد حياة في جيلٍ قادم
متعطش للحنف
لاستكمالها

1-8-2019

قمة الأنانية أن تكون أنانيًّا

تبرئة ذمّة: لا أحاول إصلاحك أنا فقط أحاول تدميرك لتشرق الحياة من جديد، لأن من الواضح أنّ قلبك يرفض أن يموت مادام ينبض.

الأنانية أن تعتقد أنّك تملك أمر مصيرك في المستقبل لتوقف حياتك وتعطّل حيوات الآخرين من حولك بحجة أنّ حياتك مروعة. إنك تملك خيارين لا ثالث لهما، وإلّا سيحاول تدميرك كل من يراك: الأول أن تحاول أن تعير حياتك للآخرين الذين مايزالون يشعرون بالحياة قربانًا لهم وستراها تزهر بأعينهم، أو أن تحمل أحمالك وتخلق بؤرة أمان لكل الحيارى والمصابين، واحذر من أن تستأثر بشيء، فالأثرة باب المآسي.

أن تنسى نفسك في لحظة ما قد أصابتك وتتعذر أنّ هذا الحمل أثقل منك، يعني أن ترضى أن يتكرر عليك هذا الحمل كل مرة، عليك أن تصرخ لأجل أن تموت حرًّا من عناء هذا الثقل، وليكن شكل الصرخة كما تشاء، بعيدًا عن الاستسلام. للعقل قابلية أن ينسى نفسه في حالة ساحرة، وليس هنالك سحر أقوى من سحر قلة الحيلة، والحَزن الذي يعاودك في كل مصيبة، الجميع في حالة حرب لو رفعت رأسك قليلًا وخرجت من رأسك، لتساعد أحدهم ولتعتبر هذا اليوم قربانًا لحياتك التي ستعيشها عندما لا تملك خيارًا، وصدقني ستأتي هذه اللحظة التي تتمنى فيها لو كان بيدك الخيار لتقوم بما كان يجب عليك عمله.

ارهن بعضًا من حياتك الحالية لذاتك المستقبلية التي سوف تلعنك كل مرة ماطلت بها وأرهقك الخوف، خوف الخطأ، خوف الناس، خوف الخطيئة، خوف الندم، خوف التعبير عن هذا الخوف، خوف إفزاع الآخرين، لا تداري أحدًا الكل في حالة فزع مسبقة، إنّ الحياة طويلة بما فيه الكفاية لكي تفزع كل من تطأ قدمه عليها.

إن المصائب طريق الترقية أو الإبسال، عليك أن تختار كيف ستردّ عليها عندما تأتي، ولا تذهب نفسك حسرات على الحمقى الذين أُبسلوا، ولا على الذين أبسلوهم، فلكلّ فتنة وكلّنا مفتون، فلا تهلكنا إلهي بما فعل السفهاء منا، ولا تحرمنا من لذة الدمعة عندما تأتي بعد جفاف، ولا تجعلنا ممن أكرهه الناس على الصمت.

الأنانية أن تنأى بذاتك بعيدًا عن الجماعة، كما أنّ الأنانية أن تستأثر بنعمة وتصرخ عندما تنقلب عليك، ووفّر عناء التباكي والأسى كما يوحي به كبرياؤك عندما تقرأ هذا الكلام، فإنك تعاني لكنك لا تشعر، فابكِ واسترح من نار الكبر، واسترح من نار الحسد، واسترح من نار المقارنات، أو مت بغيظك حتى تموت.

يبدو أنك لم تفهمها مادمت مازلت تقرأ، إنك تغلق على نفسك في لحظة وتنسى أنك تموت كل يوم لتحيا من جديد، حاول هذا المساء أن تموت للأبد، بأحمالك، بأثقالك، بذكرياتك، بكرهك، بغيظك، وغدًا سوف ترى أنّك ستسقط بعد أن تنهض مرة أخرى وربما تلعنني، لكن احذر أن ترضى بالسقوط وترفض أن تنهض، لن ترحمك ذاتك المستقبلية بعد أن تفقد خيار الموت وتُجبر عليه.

لنفرح بأحزاننا هذا المساء، فسوف تموت للأبد عندما ننام.

لتقف الأرض على قدمٍ واحدة

لتمت لحظة الخوف الأولى في داخلك ثم ابتلع ريقًا لحنجرة لا تكف عن السعال حيرةً بين الموت والحياة
لتقف ياحارس الفرح حائطًا منيعًا يقف فوقه التائهون لا يعرفون أين يميلون بوجوههم
وليفزع الكاذب من حلمه الذي يحيكه ومن شدة حرصه عليه لا ينام كي لا ينساه

لتقفوا جميعًا صفًّا واحدًا أمام الموت ، لينتقي منكم حملًا وديعًا ولتزفروا مؤقتًا لأنكم تعلمون أنّه قد انتهب زفرات من سبقكم من الصفوف ولم يبقِ منهم أحدًا، ليحملكم نسيانكم الوديع إلى غفلة تضحكون ببلاهة على فرصة الحياة المؤقتة وتتملقوه كي يبقيكم لحظة أخرى، أما أنا سأشتمه ببذاءة كي يأخذني أولًا لأنني لا  أحب الانتظار.

لو أنّ لونًا وحدًا في الحياة لكان يحمل كل الأسماء أو لكان بلا تسمية، لأن التعدد يستدعي التسمية الواحدة، والوحدة تستدعي تعدد الأسماء، أما الأشياء التي تلعب لاهية في الظل ليس لها اسم، لا أحد يتذكرها وإن سطعت عليها شمس سوف تكون سرابًا لا يراه إلا الظمآن، أما الظامئ فإنه سيبحث عن الظل وليس الماء أولًا، ولا يخدعه السراب لأنه عطشٌ مقنّع، ومن يملك أن يغيّب الشمس كي لا تظهر في صباح الغد؟

في الصباح تقف الأرض على قدمين تركض ونحن على ظهرها مستركبين ونميل حيثما مالت، وفي الليل يبدو أنها تركبنا وأقدامنا النحيلة، ويغدو ثقلها متراكمًا على صدر يخشى من الوحدة وكتف ناعم لم يعتد على الحمل، تتغشّانا وننسى بين حاملٍ ومحمول ويبدو أن النهاية أزفت لأنها قادمة.

لتقف الأرض على قدمٍ واحدة
ولتلهثوا خلف رغبات لا تشبع
ولتسعوا في خرابها حتى تضيق بكم
ولتتحاذقوا طلبًا لمصالح فردية
فلن تبكي عليكم السماء
ولن تشتاق إليكم أطلالكم
وكل مابوسعكم أن تفعلوه
هو أن تحاولوا تضييق خرم إبرة
فربّ مجتهدٍ ليس له من اجتهاده إلّا الخيبة
وربّ مستصرخ وبيده سعّر الحريق
وربّ وحيد ينثر آلامه على الطريق
فيؤلمه أنّ لا أحدًا يأبه بها
أكثر من ألمه على أنه لا يفهمها
اختر مكانك بنفسك فكتف الأرض ثقل بها
وسوف ترمي ببعضكم من على ظهرها
كن أولًا عندما يدعون للموت في سبيل الحياة
وكن آخرًا عندما يدعون للموت في سبيل حياة أحدهم
وكن الداعي إذا خرست الأفواه تتحسس أعناقها
وكن الصامت عندما يبحثون عن كبش فداء لفظائعهم

أخبرني كم روحًا حملت على ظهرك وأنت تقف على قدمٍ واحدة؟

الشجرة الملعونة

تحت الشجرة التي لم يعد ينم عندها أحد، أشعلت نار شكوكي وحيدًا ولم أخف من الاحتراق في سبيل الدفء، فإنّ شدّة الحرّ هي شدّة البرد، كلها لاتُحتمل.

قالت لي:
(أجمل في الطلب فالحياة كلها عطاء وإن كان لا يُرى عطاؤك، فالجزاء مرئي، وإن استمال قلبك أمر، كن كمن ناله قبل أن يناله، ذلك أن صوم القلب إفطارُه، والنفس طامعة دائمًا في المزيد).

وفي نية إمضاء ليلتي آنسًا بالدفء والوحدة، لم أكن أدرك أنني أفتح جبهةً لكل الحيارى والمخذولين، فأصبح أنسي وحشة بهم كلهم، فالخوف لا يرحم ولا يُحتمل خصوصًا عند من جرّب منه كل أصنافه.

(احتمِ بالفاضل ولا ترضَ إلا بالأصل، وتذكّر دائمًا تذكّر، فمالإنسان إلا شاهد وذاكرة، وإنهم يحاولون بكل ما استطاعوا أن يشوهوا ذاكرتك ويقطعوا أثرك، ليكتبوا قصتك عنك، ويكونوا هم أبطالها، كن عنيدًا واكتب قصتك بنفسك).

أستطيع اختصار الحكاية كلها في سطر واحد، وأستطيع أن أؤلف منه كتابًا، لم يكن يثقلني يومًا سرد التفاصيل، بل كان دائمًا هاجسي أن أستطيع كتابة هذا السطر الذي يختصر كل الحكاية دون أن تفقد شيئًا من كمالها. وعندما عرفت أنني أستطيع كتابته ، أضأت من ناري لكل من أراد أن يشعر بهذا الدفء.

(لا تنم إلا جسدًا واحذر على قلبك من أن ينام، فنومات القلب طويلة ومهلكة، كن حرزًا لمن استطعت أن تكون حرزًا له، كي تجد فقط واحدًا يقف حرزًا لك، فالحرز كنز، والصديق ظهر، والحبيب بيتٌ وآل، والعائلة ستجدك عندما تضيّع نفسك).

أنا من أمضى عمره يرتعد قلبه وترتجف شفتاه، وتجف عيناه من كبرياء أن ينكسر.
زاد عدد المستظلّين والناعمين بالدفء حتى صارت الوفود تحجّ لهذا المكان إمّا طلبًا لدفء، أو لاستذكار خوفهم الذي أودعوه هنا يومًا، ذلك أنهم أدركوا بالتجربة والخبرة أنّ من ينسى خوفه يدهمه مرة أخرى، فالخوف نزق لا يرضى أن يُهمل.

( الاستغلال ديدن الإنسان – خصوصًا الغافل منهم – لا ترضخ لمستغل وأنت تعي استغلاله، لا تكن ضعيفًا فتُسحق إلا عند من يعرف أن في ضعفك قوتك وهويتك، وابحث عنه في كل المفارق، ففيه نصرك عندما تستحكم عليك الظروف).

ثم طال العهد وذهب الجيل الذي كان يشعر بالخوف أو حتى يتذكّره، لكن الناس مازالوا يفدون حجيجًا لهذا المكان، الآمنون من أبناء من خاف والغافلون من أبناء من كان يستذكر خوفه هنا، وجيلًا فجيلًا، صار الناس يحجوا ليرموا الشجرة بالأحجار ويطوفوا حولها لاعبين، رامين للأوساخ وضاحكين من طرافة المغامرة، غير آبهين بقيمتها، سوى أنها ذلك المكان الذي أوصاهم آباؤهم أن يزوروه حتى لا تصيبهم لعنة الخوف الذي لم يشعروا به يومًا.

(اذكر في قصتك كل أسرارها وأودعها في مكمن عند أمين لينشرها بعد موتك، لا طلبًا لمجد مسلوب، ولا نصيحة لمخذول، بل رغبة في إرساء عدلك الذي رأيته بأم عينك عندي هنا ولم يره أحدٌ غيرك).

العادة دون معرفة القصد أخطر ذنوب الآدمي، العادة دون معرفة القصد هي أول شرك في هذه الأرض.

(قاوم ثم قاوم، ولا تهادن، ولا تقف إلا عندما يتوقف قلبك عن المقاومة).

عندها قررت أن أقطع تلك الشجرة الملعونة التي أصبحت إلهًا ولم تكن قبلًا سوى حزنًا يلمّ شعثي، حتى في التقديس المصطنع يشوه هؤلاء المعاتيه كل جميل، الإنسان الجاهلي عابد الصورة كاره الارتقاء إلى مقصدها، ناقل النصيحة من جيلٍ إلى جيل دون أن يقترف ذنب عصيانها، هؤلاء هم حطب جهنم، أولئك الذين سيحرقهم لهيب هذه الشجرة المرماة على الأرض بعد أن أحرّقهم منها وهم حولها.

(وما منعنا أن نرسل بالآيات إلّا أن كذّب بها الأولون وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها ومانرسل بالآيات إلا تخويفًا() وإذْ قلنا لك إنّ ربك أحاط بالناس وماجعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس والشجرةَ الملعونةَ في القرآن ونخوّفهم فما يزيدهم إلا طُغيانا كبيرًا).

قلقٌ على قلقٍ

o-tense-man-570

أنني أهدأ من أن أغضب الآن أو أثور على شيء ، أنا مثقلٌ بالسكينة مغموسٌ بالرقّة واللطف، وأطلب من الله أن يستمر هذا الشعور دون منغصات.

وطالما أنا كذلك، سأستغل لحظة السلام العابرة لأكتب عن القلق- لأنه جديًّا لايمكن الكتابة عن شيء وأنت مغمورٌ به أو تملكه – ورحلتي مع القلق تعود إلى أزمنة قديمة من النفس اللوامة التي ربما ورثتها من أبي – رحمة الله عليه –  أو طوّرتها مع الأيام جرّاء كبريائي الذي يعاتبني لأصبح ما أريد دائمًا أن أكون.

القلق بجميع تفريعاته: القلق مما مضى، والقلق مما سيأتي، والقلق من المستقبل القريب ، البعيد ، التصرفات ، الأقوال، القلق من كون الأمور لا تسير حسب ما كنت أتوقع … إلى آخر هذا الهراء كله بجميع تفريعاته بوابتي نحو الآخرين. أكاد لا أجيد أي تصرّف من دون أن أقلق من تبعاته؛  ولأنني من القلق وإليه أورثني مرضًا مزمنًا بمثابة الصورة الرمزية له : القولون العصبي/الهضمي أو باسمه الطبي (IBS).

القلق مرتبط ارتباطًا شديدًا بالوعي بالذات، فالأمور تسير على هذا المنوال: في الطفولة أنت موجود لكنك لا تعي أنك موجود وبالتالي لاتقلق. تكبر قليلًا تحتاج إلى أشياء لم تكن تحتاج إليها سابقًا فتُدرك جزئيًا أنك موجود وأنك كيان حرّ، فتُصعق جرّاء هذه المعلومة الصادمة : أنت موجود ! ، منذ متى ؟ ولماذا لم تشعر بهذا الهلع من قبل؟ ، من هنا تبدأ فعلًا بالقلق ، لماذا فوّتّ كل هذه السنوات دون عمل أي شيء حيال وجودك؟ ، تهدأ بعد الصدمة تحاول التخطيط ، لتُفاجأ أنّ ليس بيدك حيلة مازلت صغيرًا على المسؤولية حول اختياراتك، أنت بالكاد تختار شيئًا مازلت مراهقًا. تحاول بعد ذلك بجدية أن تجمّع المعلومات حول خطتك الوجودية، وكيف تستطيع أن تستفيد من هذه الفرصة قدر الإمكان، فرصة الإرادة والحرية والوجود والتغيير وما إلى ذلك من تلك المعاني التجريدية المرعبة التي اطّلعت عليها للتو وأفزعتك، ثم تستنتج أنك تحتاج وقتًا أطول في البحث لأن أ) مازال هناك متّسع من الوقت. ب) لا تريد أن تبدأ بشيء لا تريده حقًا ولا يتماشى مع خطتك الوجودية.

يزداد القلق مع العمر في كل مرحلة عمرية: بداية العشرين: ترى الناس يتفرعون من حولك كلّ تخصص في مجاله الذي يجيده ويستمتع به – أو على الأقل يعتقد أنه كذلك،  منتصف العشرين: يداهمك الناس بالأسئلة حول خططك وماذا فعلت وكيف لم تخطط جيدًا ويلزمونك بأمور من واجبك أن تقوم بها لأن الحياة تسير هكذا، .. الثلاثين .. الأربعين .. الخمسين ، ومما يزيد القلق كل هذه القصص الملعونة من حولك حول النجاح وكيف نجح الناجحون وكيف يتبهرجون بكل هذه النجاحات وأنت قابع تنتظر فرصتك التي لم تأتِ وإلهامك الذي لم يحن وقته بعد. تحاول استكشاف لماذا نجح من نجح فلا تجد أي ترابط بين قصصهم وبين نجاحهم؛ بل يتوهمون الأسباب لكي يرتاحوا من معرفة ماهية السبب الفعلي الذي لا أحد يدركه. أنا أعلم أنهم لا يعلمون كيف نجحوا بل يتبجحون بذلك أمام الملأ ، وأكثر المتبجحين منهم هو أقلهم معرفة ودراية بالأسباب الموصلة للنجاح .. أعرف هذا لأنه لطالما أرّقني حتى وجدت الإجابة الشافية كبلسم في أحد الآيات الكاشفة لطبيعة البشر، عندما قالت الآية :{فإذا مس الإنسان ضر دعانا ثم إذا خولناه نعمة منا قال إنما أوتيته على علم بل هي فتنة ولكن أكثرهم لا يعلمون} ثم أدركت أن هذا النجاح المزعوم لا يُسمى نجاحًا من غير إدراك فعلي بالسبب الدافع من ورائه، لأن الآدمي بعدها يصبح كالآلة التي تعمل دون أن تدرك لماذا تعمل؛ بل إنه أسوأ من الآلة حتى في محاولة الاستمرار على هذا النجاح المزعوم بارتكاب أشنع الأخطاء والهفوات؛ لأنها فتنة ولأنه لا يرضى بأقل من مكانة النجاح – رغم أنه لا يعرف لماذا نجح حتى .. ويستمر الترس بالدوران دون أي وقود محرّك سوى الصورة النمطية التي تأتيه من الخارج والتي يخاف عليها من الزوال.

وهكذا تمضي بقية أيامك تحاول أن تجد خطتك بإثبات أن خطط الآخرين لم تكن ناجحة إلى هذا الحد وأنك تريد شيئًا أفضل من هذا كله، شيء يخلب لبّك ، يشعرك بأن ليس للوقت وجود، وبأن كل ماعداه من الموجودات بلا قيمة، شيء يوصف الناس بسببه بالجنون والعته واختلال التفكير، شيء يجعل الآخرين حقًّا يتساءلون مالذي يجبرك على هذه الإهانة باستمرارك بفعله.

ماحفزّني لكتابة هذه التدوينة عن القلق هو مقال* قرأته ربط بين القلق المفرط بالذكاء، حسب دراسة كانت في جامعة ما في أونتاريو بكندا ، وأنا أضحك من باب التسلية عند سماعي لمثل هذه المقالات، إلّا أني لا أؤمن بأنّ الشخص القلق فعلًا سوف يستكين لمثل هذه الدراسة ويعتقد بأنّه ذكي ، بل سوف تزيده هذه الدراسة قلقّا كونه لم ينل من الذكاء إلا القلق وحده دون النجاح، وبالتالي يستعد للخطوة التالية بعد التأكد من كونه ذكي .. والتي سوف تزيده قلقًا بالضرورة .. ويدخل فيما أسميه بالدَور العظيم: القلق من القلق، والقلق محاولًا تخفيف القلق، والقلق من القلق الذي أحاول به تخفيف القلق .. فكم قافًا في ذلك.

تسجيل غرام

.جاءني حبك مجموعًا بليلة ثمّ تفرّق على أيّام ليطمنّ قلبي ثم ليسحره ليلة بليلة، وحيث يكفل الصمت كل امتنان ، أسجل إيماني بالحب من جديد

ليس أجمل من أن تبدأ بعض القصص برؤيا تتكلل برؤية وشيئًا فشيئًا بروّية تصبح كل شيء لا تظمأ ترتوي من آخرك ، يزداد وزنك ، تأمن وتستأمن الحياة وتسعى كطفل بكل رغبة في التعلم والتحسن والاستزادة لأن لديك حبيبة تخاف أن تسألك عن أتفه الأمور ولا تجد الإجابة المثالية، وتجمع المال بكل حذر ولا تسرف في استخدامه خوفًا من ألا تجد ماتهديه لها أو حتى ألا تملك المبلغ الذي يكون مهرًا لها ، وتتثقف وتجرب وتُصفع من الحياة وتبتسم لأنك ازددت تجربة لتخبر بها أولادكما حين يأتون لهذه الحياة دونما خبرة وبسذاجة الأطفال وبراءتهم، فتكون المرشد والمنقذ وتنال نظرة الإعجاب منها مستبشرًا من عينيها بأنك كنت كل الخيارات الصحيحة التي اضطرت هي لأخذها.

الحب ليس شهوة أو رغبة فقط ، بل هو حبل متين ومشدود بالحياة ، يجعلك متمسكًا بها كجبان ، طامعًا بها كوجوديّ لا يؤمن بحياة أخرى ، وشاعرًا أسهل مايجري على لسانك السجع والإيقاع والمفردات الرنّانة ، تتحسن لغتك ، تتحسن لياقتك ، يدرك الرجل عندما حبّ أنه كان ميتًا بلا هدف وقوة بلا توجيه ورصاصة طائشة قد تصيب القريب قبل البعيد والعدو والصديق، وأنه كان رثّا فتأنق ومنطفئًا فتألّق وصامتًا فتشدّق بكل مايجد من وسائل التعبير لينال إعجابها.

حبيبتي بدموعك أبني حدائقًا من وعود، وبخوفك أشيّد جدرانًا متراصّة من تطمين، ومن عينيك المرتعبتين خلقةّ وهيئةً أستجمع قواي، ومن قوامك الرشيق أنطنط كطفل ألاعب الغيم وأعود إليك وأذهب وأجيء، ومن كلماتك الجميلة أستصغر كلامًا قد قلته غزلًا فيك فأمحوه، ومن صوتك العذب المذهّب وإليه أنام وأغفو وأصحو وألملم شتات السنين وأنسى ألم القلب وعرق الجبين ودمع العينين، ونعومة يدك تخيفني من السنين التي تذهب دون أن ألمسها، وشعرك الطويل المجعّد غزْلٌ إلهي يحبِك قصتنا التي ستكتمل قبل أن أصل لآخره الذي يقف شامخًا كالعلامة على مرتفعين تحت مستوي وتحت هذا كله وفوقه أقبع أنا صامتًا متشبعًا من كل امرأة بامرأة لا تخاف المشاركة لأنها كل الحكايات التي أحتاجها لأمضي عمري سالمًا مسالمًا.

ولو لم تكوني أنت في حياتي .. كنت اخترعت امرأةً مثلك يا حبيبتي*.

تمامًا بعد شهر، اتضح كل شيء

كل أحلامي بأبي بعد وفاته كانت تُظهر بصراحة أنّ أبي حيّ موجود معنا رغم حقيقة موته، لا أعرف مادلالة هذه الأحلام، هل يعني هذا أنه حاضر بصفاته التي أورثنا إياها ، أم بروحه التي تملأ جنبات المنزل، أم هو فعلًا قد استحوذ على كل حضور في المكان بغيابه الذي كان بغتة، أكاد أجنّ وأكتئب مرات ومرات عندما أتذكر ذلك اليوم الغريب.. طريقة ذهابه هكذا بكل خفّة وبساطة عن العالم كانت مفزعة بقدر ماكانت مبهرة .. كما كان يجب لها أن تكون يومًا، كما كان يحب دومًا أن يجلس بلا إزعاج ، بدون أصوات ، أو صخب وضوضاء ، غادر وحيدًا مستلقيًا على سريره بطريقته وثنية قدمه وبأدويته المتناثرة في المكان حوله كالمقاتل العتيق المضرّج بجراحاته التي قتلته بعد أن سئم أغلبها منه ومن صموده.

مازلتُ يا أبي طفلًا رغم تظاهري المغرور والمعتد بذاته أمامك بأني أجيد كلّ شيء – خصوصًا كل تلك الأشياء الحديثة التي لا تعرفها – وبتظاهري بالسيطرة بكل مايجري حولي لئلا يُستثار قلقك وخوفك المعتادين عليّ، وفاتني من تظاهري هذا أن آخذ منك المهم والعميق والباقي في النفس بعد غياب المظاهر والقشور. أتعطش لمعلومة أخرى منك خالية من كل أطماع الآخرين ومقاصدهم ونواياهم ، أحتاج لكلمات حنونة رغم قسوة ظاهرها، صافية جدًا من أي شائبة ابتذال أو تباهٍ، مليئة بحكمة السنين من أبٍ ترك العالم خلفه ومظاهره ومناصبه وتمسك بالأصول، مليئة بالخوف على أبنائه كأعظم مايكون الأب، والقلق عليهم كأصدق مايكون الأب، والصبر على الصعوبات والمصائب وقلة الحيلة والحال كأحلم مايكون الأب، هذا ما أعرفه الآن بعد أن كبرت بعد رحيلك سنواتٍ وسنواتٍ.

أنا ضائق بكل ماتحاول الحياة أن تدفعني إليه ، أقاوم بشراسة الأطفال وعنادي الموروث منك، أريد دفعها عني بكل ما أستطيع من قوة، ماقتًا كل المظاهر مثلك، كارهًا تهافت الناس على الحياة مثلك، قانعًا بكل مالدي بل قلقٌ به مثلك، صادقًا بأفعالي دون حاجة للكلام عنها مثلك، وحتمًا سيعرف الآخرون ماقيمة هذا بعد رحيلي عنهم بخفة مثلك.
عرفت أنا جدًا دلالة رحيلك الهادئ ذاك في اللحظة نفسها التي رأيتك فيها ممددًا، عرفت أنّ أقل الأشياء إحداثًا للضوضاء عندما ترحل ، أعظمها أثرًا في القلب، والخفة التي غادرتنا فيها توازي الثقل الذي أحسه بداخلي الآن، وتظاهرنا جميعًا بسهولة الحياة بعدك هو مكابرة على شعور الخسارة القابع كموت بدواخلنا لك.

أحبك بأنفة وعزّة الذي ترك الحياة ولم يرتجِ أحدًا، ولم يطمع بمالِ أحدًا، ولم يسرق أحدًا ، وكان أعظم شكواه لأولاده وكان كل نحيبه إليهم وكان كل خوفه عليهم كأنه يقاسم روحه شكواها ومصابها ونحن كلنا بضعة منك ، أفتقدك أبي ما أعظم فقدي لك وما أعجلني وأجهلني إذ تصوّرت قدرتي على تحمله.

بُعثتُ لأكتب

لست منظرًا عن الفن ولا عالمًا بالنفس البشرية ولا أعرف من الأدب إلا قشورًا أحتمي بها عندما تصرعني رغبة الكتابة، إلا أن جانبًا مني يؤمن بأنه أعظم أديب وأرق فنان وأعلم من كل طبيب وحكيم بتقلبات البشر، ذلك الجزء وحده هو بشكل أو بآخر مايحركني لأن أدفع نفسي لأتعلم أكثر، لأتظاهر بأني أعلم.

أفتقد تواضع الطالب المجد لكني لا أنفك أتصنعه كل ما احتجت إليه، أنا مخلوق جاحد لنعم كثيرة، وذات نُفخت فيها روحًا وظنّت نفسها تملأ العالم.
بشريتي تخيفني كلمّا رأيت الآخرين وتريحني كلما اختليت بنفسي، أستطيع أن أسامح نفسي إذا أخطأت بحقها في خلوتي، لكني أشد من يعنفها إذا كان الخطأ أمام الملأ، لهذا فضّلت أن أضع حاجزًا بيني وبين الآخرين  كي أرتاح من ثقل مسؤولية أن أكون قدوة لهم – بالرغم من أن أحدًا منهم لم يصرح لي بذلك أو حتى يلمح به تلميحًا- أما فكرة أن أكون أبًا فهي هاجسي الذي يرعبني عندما يأتي فعلًا من يعتبرني قدوة له.

أعتقد أن آلام البشر من ظنونهم تنشأ لا من واقعهم، وأكبر كوارثهم هي أنهم على أنفسهم يكذبون أكثر من أي أحد.

إنّ أول مادفعني بشدة للكتابة في المقام الأول رغم اعترافي بأني لا أكتب إلا الترّهات -وهذا أيضًا من قبيل التواضع المصطنع لأن جزءًا مني يرى أني أعظم من كتب- هو أنني أفقد ممانعتي للكذب على نفسي لحظة الكتابة وأعريها بصدق مهيب ومريب، أنا مثلًا على قائمة الخطّائين الدائمين في سجل الذنوب وأفقد قدرتي على التحكم بحياتي ومسارها كثيرًا بسبب من أحب وما أحب، وأميل إلى الغيرة من كل جميل لم أكن سببًا في جماله، وأفتقد طفولتي و بداياتي في الحياة وأحن إلى دهشتي التي شوهها ادّعاء الثقل والرزانة والحكمة، اسمي من الأشياء التي أثقلت كاهلي ، وأخفي من التعليقات المضحكة التي تتزاحم في رأسي الكثير خوفًا من أن لا تضحك أحدًا سواي أو أن تجرحه، وأتنازل بتخفف مخيف عن أعظم مالدي لإثبات أني مستقل عن كل أحد.

لدي عقدة من الأطباء وفي قلبي عقدة لأحدهن، ولدي خوف من الخطأ رغم أني لا أجيد سواه، وتأتيني لحظات من التجلي الإلهي أخشى بعدها من العودة للحياة إلا أني أعود لأفاتح نفسي وأفاوضها بأن الطريق إليه يبدأ من معاركة الحياة وهزيمتها بعد أن أٓخبرٓها.  لقد وهب الله لكل منّا عمرًا يتناسب مع إدراكه لجوهر الحياة حتى إذا أخذه تكون حجة الانكشاف قد ثبتت عليه، فأوائل من يموت منا هم أكثرنا عبقرية في سرعة معرفة الحياة، ولا يطول عمر أحدنا إلا لإثبات حجةٍ ما عليه، ولا يبقى بعد موت العارفين إلا الجهلاء، والأتقياء إلا الأوغاد.

أعلم يقينًا أن الله يبعث الموتى من مراقدهم ليحاسبوا، لأن الله يبعثني من مرقدي لأكتب، كتابةً تخيفني قبل أي أحد ولا انفكاك منها إلا إليها، هذه قصتي مع الكتابة: فضيحة أداريها عن الناس لكي أكتبها إليهم، ورسالة بُعثت بها حجةً لي على نفسي، ودواءً أستطب به من ضياعي وغفلتي، وحاجةً في نفسي قضاها ربي رغم أني ذو جهل لا علم.

كلمات

حبي لها معراج نحو الكمال، هذا السمو في قربها يشابه شعور الاستيقاظ من حلم جميل دون أن تنام، سعادة من غير سبب منطقي، وانشراح لا تعرف عنه شيئًا يكدّر صفوك به، سعادات بعضها فوق بعض.

اتحدنا قبل أن يُشاع الخبر، و ارتكبنا حبنا قبل أن يؤذن لنا به، واستمتعنا بالحياة كوحيدين عرفا لأول مرة شعور الأنس بالبشر،غرقنا في التفاصيل الجميلة حد الثمل، تنفسنا الصباح كأن العمر ليلٌ مقيم قبلها، وتلحفنا ببعضنا كأن الشتاء لايزول، وعشقنا الليل كأننا ركضنا ألف ميل دون وقوف حتى تلاقينا في منتهى الطرق وملتقى المفارق لنحضن بعضنا، كحلاوة الراحة بعد التعب، وكسعادة النجاح بعد الكدّ، ولذة النوم بعد السهر، وخطورة الغضب واليأس والجفاء، وسعادة المطر، أنت الرواء والليلة المقمرة، مفرداتي تصطف منتشيةً لوصفك وأجد صعوبة في الاختيار، أحاول جمع الأضداد وأسرد الحقائق وأشبّه وأجانس ولا تخلو كتاباتي من الطباق، أصب فنوني لأجل فتوني في قالبٍ واحد، هو الامتنان والكفاء والتسامح مع كل ماضٍ مؤلم، والتجاوب مع كل آتٍ ملهم.

الله خلق المسيح بكلمة منه، وخلق الكون بكلمة منه، وخلقني وإياك بكلمة منه، وعبثًا أحاول أن أجسّد شعور الفرح بك والهيام بعينينك وجمال نطقك ورقتّك بكلماتٍ مني، وما استطعت أن ألامس شعوري أو أدنو منه، أنت خرق القوانين وعبث الأولويات واستثناء العمر وسلاسة دخول الليل على النهار وهدية الأقدار وتحية السلام لي وتفاؤل الطير في الأبكار والورد في الأشجار، والغوث لجدبي، أقف مستسلمًا لك متعبًا من صعوبة وصفك كالعادة، أنا بكل لهثي الآن أحبك.