قلقٌ على قلقٍ

o-tense-man-570

أنني أهدأ من أن أغضب الآن أو أثور على شيء ، أنا مثقلٌ بالسكينة مغموسٌ بالرقّة واللطف، وأطلب من الله أن يستمر هذا الشعور دون منغصات.

وطالما أنا كذلك، سأستغل لحظة السلام العابرة لأكتب عن القلق- لأنه جديًّا لايمكن الكتابة عن شيء وأنت مغمورٌ به أو تملكه – ورحلتي مع القلق تعود إلى أزمنة قديمة من النفس اللوامة التي ربما ورثتها من أبي – رحمة الله عليه –  أو طوّرتها مع الأيام جرّاء كبريائي الذي يعاتبني لأصبح ما أريد دائمًا أن أكون.

القلق بجميع تفريعاته: القلق مما مضى، والقلق مما سيأتي، والقلق من المستقبل القريب ، البعيد ، التصرفات ، الأقوال، القلق من كون الأمور لا تسير حسب ما كنت أتوقع … إلى آخر هذا الهراء كله بجميع تفريعاته بوابتي نحو الآخرين. أكاد لا أجيد أي تصرّف من دون أن أقلق من تبعاته؛  ولأنني من القلق وإليه أورثني مرضًا مزمنًا بمثابة الصورة الرمزية له : القولون العصبي/الهضمي أو باسمه الطبي (IBS).

القلق مرتبط ارتباطًا شديدًا بالوعي بالذات، فالأمور تسير على هذا المنوال: في الطفولة أنت موجود لكنك لا تعي أنك موجود وبالتالي لاتقلق. تكبر قليلًا تحتاج إلى أشياء لم تكن تحتاج إليها سابقًا فتُدرك جزئيًا أنك موجود وأنك كيان حرّ، فتُصعق جرّاء هذه المعلومة الصادمة : أنت موجود ! ، منذ متى ؟ ولماذا لم تشعر بهذا الهلع من قبل؟ ، من هنا تبدأ فعلًا بالقلق ، لماذا فوّتّ كل هذه السنوات دون عمل أي شيء حيال وجودك؟ ، تهدأ بعد الصدمة تحاول التخطيط ، لتُفاجأ أنّ ليس بيدك حيلة مازلت صغيرًا على المسؤولية حول اختياراتك، أنت بالكاد تختار شيئًا مازلت مراهقًا. تحاول بعد ذلك بجدية أن تجمّع المعلومات حول خطتك الوجودية، وكيف تستطيع أن تستفيد من هذه الفرصة قدر الإمكان، فرصة الإرادة والحرية والوجود والتغيير وما إلى ذلك من تلك المعاني التجريدية المرعبة التي اطّلعت عليها للتو وأفزعتك، ثم تستنتج أنك تحتاج وقتًا أطول في البحث لأن أ) مازال هناك متّسع من الوقت. ب) لا تريد أن تبدأ بشيء لا تريده حقًا ولا يتماشى مع خطتك الوجودية.

يزداد القلق مع العمر في كل مرحلة عمرية: بداية العشرين: ترى الناس يتفرعون من حولك كلّ تخصص في مجاله الذي يجيده ويستمتع به – أو على الأقل يعتقد أنه كذلك،  منتصف العشرين: يداهمك الناس بالأسئلة حول خططك وماذا فعلت وكيف لم تخطط جيدًا ويلزمونك بأمور من واجبك أن تقوم بها لأن الحياة تسير هكذا، .. الثلاثين .. الأربعين .. الخمسين ، ومما يزيد القلق كل هذه القصص الملعونة من حولك حول النجاح وكيف نجح الناجحون وكيف يتبهرجون بكل هذه النجاحات وأنت قابع تنتظر فرصتك التي لم تأتِ وإلهامك الذي لم يحن وقته بعد. تحاول استكشاف لماذا نجح من نجح فلا تجد أي ترابط بين قصصهم وبين نجاحهم؛ بل يتوهمون الأسباب لكي يرتاحوا من معرفة ماهية السبب الفعلي الذي لا أحد يدركه. أنا أعلم أنهم لا يعلمون كيف نجحوا بل يتبجحون بذلك أمام الملأ ، وأكثر المتبجحين منهم هو أقلهم معرفة ودراية بالأسباب الموصلة للنجاح .. أعرف هذا لأنه لطالما أرّقني حتى وجدت الإجابة الشافية كبلسم في أحد الآيات الكاشفة لطبيعة البشر، عندما قالت الآية :{فإذا مس الإنسان ضر دعانا ثم إذا خولناه نعمة منا قال إنما أوتيته على علم بل هي فتنة ولكن أكثرهم لا يعلمون} ثم أدركت أن هذا النجاح المزعوم لا يُسمى نجاحًا من غير إدراك فعلي بالسبب الدافع من ورائه، لأن الآدمي بعدها يصبح كالآلة التي تعمل دون أن تدرك لماذا تعمل؛ بل إنه أسوأ من الآلة حتى في محاولة الاستمرار على هذا النجاح المزعوم بارتكاب أشنع الأخطاء والهفوات؛ لأنها فتنة ولأنه لا يرضى بأقل من مكانة النجاح – رغم أنه لا يعرف لماذا نجح حتى .. ويستمر الترس بالدوران دون أي وقود محرّك سوى الصورة النمطية التي تأتيه من الخارج والتي يخاف عليها من الزوال.

وهكذا تمضي بقية أيامك تحاول أن تجد خطتك بإثبات أن خطط الآخرين لم تكن ناجحة إلى هذا الحد وأنك تريد شيئًا أفضل من هذا كله، شيء يخلب لبّك ، يشعرك بأن ليس للوقت وجود، وبأن كل ماعداه من الموجودات بلا قيمة، شيء يوصف الناس بسببه بالجنون والعته واختلال التفكير، شيء يجعل الآخرين حقًّا يتساءلون مالذي يجبرك على هذه الإهانة باستمرارك بفعله.

ماحفزّني لكتابة هذه التدوينة عن القلق هو مقال* قرأته ربط بين القلق المفرط بالذكاء، حسب دراسة كانت في جامعة ما في أونتاريو بكندا ، وأنا أضحك من باب التسلية عند سماعي لمثل هذه المقالات، إلّا أني لا أؤمن بأنّ الشخص القلق فعلًا سوف يستكين لمثل هذه الدراسة ويعتقد بأنّه ذكي ، بل سوف تزيده هذه الدراسة قلقّا كونه لم ينل من الذكاء إلا القلق وحده دون النجاح، وبالتالي يستعد للخطوة التالية بعد التأكد من كونه ذكي .. والتي سوف تزيده قلقًا بالضرورة .. ويدخل فيما أسميه بالدَور العظيم: القلق من القلق، والقلق محاولًا تخفيف القلق، والقلق من القلق الذي أحاول به تخفيف القلق .. فكم قافًا في ذلك.

تسجيل غرام

.جاءني حبك مجموعًا بليلة ثمّ تفرّق على أيّام ليطمنّ قلبي ثم ليسحره ليلة بليلة، وحيث يكفل الصمت كل امتنان ، أسجل إيماني بالحب من جديد

ليس أجمل من أن تبدأ بعض القصص برؤيا تتكلل برؤية وشيئًا فشيئًا بروّية تصبح كل شيء لا تظمأ ترتوي من آخرك ، يزداد وزنك ، تأمن وتستأمن الحياة وتسعى كطفل بكل رغبة في التعلم والتحسن والاستزادة لأن لديك حبيبة تخاف أن تسألك عن أتفه الأمور ولا تجد الإجابة المثالية، وتجمع المال بكل حذر ولا تسرف في استخدامه خوفًا من ألا تجد ماتهديه لها أو حتى ألا تملك المبلغ الذي يكون مهرًا لها ، وتتثقف وتجرب وتُصفع من الحياة وتبتسم لأنك ازددت تجربة لتخبر بها أولادكما حين يأتون لهذه الحياة دونما خبرة وبسذاجة الأطفال وبراءتهم، فتكون المرشد والمنقذ وتنال نظرة الإعجاب منها مستبشرًا من عينيها بأنك كنت كل الخيارات الصحيحة التي اضطرت هي لأخذها.

الحب ليس شهوة أو رغبة فقط ، بل هو حبل متين ومشدود بالحياة ، يجعلك متمسكًا بها كجبان ، طامعًا بها كوجوديّ لا يؤمن بحياة أخرى ، وشاعرًا أسهل مايجري على لسانك السجع والإيقاع والمفردات الرنّانة ، تتحسن لغتك ، تتحسن لياقتك ، يدرك الرجل عندما حبّ أنه كان ميتًا بلا هدف وقوة بلا توجيه ورصاصة طائشة قد تصيب القريب قبل البعيد والعدو والصديق، وأنه كان رثّا فتأنق ومنطفئًا فتألّق وصامتًا فتشدّق بكل مايجد من وسائل التعبير لينال إعجابها.

حبيبتي بدموعك أبني حدائقًا من وعود، وبخوفك أشيّد جدرانًا متراصّة من تطمين، ومن عينيك المرتعبتين خلقةّ وهيئةً أستجمع قواي، ومن قوامك الرشيق أنطنط كطفل ألاعب الغيم وأعود إليك وأذهب وأجيء، ومن كلماتك الجميلة أستصغر كلامًا قد قلته غزلًا فيك فأمحوه، ومن صوتك العذب المذهّب وإليه أنام وأغفو وأصحو وألملم شتات السنين وأنسى ألم القلب وعرق الجبين ودمع العينين، ونعومة يدك تخيفني من السنين التي تذهب دون أن ألمسها، وشعرك الطويل المجعّد غزْلٌ إلهي يحبِك قصتنا التي ستكتمل قبل أن أصل لآخره الذي يقف شامخًا كالعلامة على مرتفعين تحت مستوي وتحت هذا كله وفوقه أقبع أنا صامتًا متشبعًا من كل امرأة بامرأة لا تخاف المشاركة لأنها كل الحكايات التي أحتاجها لأمضي عمري سالمًا مسالمًا.

ولو لم تكوني أنت في حياتي .. كنت اخترعت امرأةً مثلك يا حبيبتي*.

تمامًا بعد شهر، اتضح كل شيء

كل أحلامي بأبي بعد وفاته كانت تُظهر بصراحة أنّ أبي حيّ موجود معنا رغم حقيقة موته، لا أعرف مادلالة هذه الأحلام، هل يعني هذا أنه حاضر بصفاته التي أورثنا إياها ، أم بروحه التي تملأ جنبات المنزل، أم هو فعلًا قد استحوذ على كل حضور في المكان بغيابه الذي كان بغتة، أكاد أجنّ وأكتئب مرات ومرات عندما أتذكر ذلك اليوم الغريب.. طريقة ذهابه هكذا بكل خفّة وبساطة عن العالم كانت مفزعة بقدر ماكانت مبهرة .. كما كان يجب لها أن تكون يومًا، كما كان يحب دومًا أن يجلس بلا إزعاج ، بدون أصوات ، أو صخب وضوضاء ، غادر وحيدًا مستلقيًا على سريره بطريقته وثنية قدمه وبأدويته المتناثرة في المكان حوله كالمقاتل العتيق المضرّج بجراحاته التي قتلته بعد أن سئم أغلبها منه ومن صموده.

مازلتُ يا أبي طفلًا رغم تظاهري المغرور والمعتد بذاته أمامك بأني أجيد كلّ شيء – خصوصًا كل تلك الأشياء الحديثة التي لا تعرفها – وبتظاهري بالسيطرة بكل مايجري حولي لئلا يُستثار قلقك وخوفك المعتادين عليّ، وفاتني من تظاهري هذا أن آخذ منك المهم والعميق والباقي في النفس بعد غياب المظاهر والقشور. أتعطش لمعلومة أخرى منك خالية من كل أطماع الآخرين ومقاصدهم ونواياهم ، أحتاج لكلمات حنونة رغم قسوة ظاهرها، صافية جدًا من أي شائبة ابتذال أو تباهٍ، مليئة بحكمة السنين من أبٍ ترك العالم خلفه ومظاهره ومناصبه وتمسك بالأصول، مليئة بالخوف على أبنائه كأعظم مايكون الأب، والقلق عليهم كأصدق مايكون الأب، والصبر على الصعوبات والمصائب وقلة الحيلة والحال كأحلم مايكون الأب، هذا ما أعرفه الآن بعد أن كبرت بعد رحيلك سنواتٍ وسنواتٍ.

أنا ضائق بكل ماتحاول الحياة أن تدفعني إليه ، أقاوم بشراسة الأطفال وعنادي الموروث منك، أريد دفعها عني بكل ما أستطيع من قوة، ماقتًا كل المظاهر مثلك، كارهًا تهافت الناس على الحياة مثلك، قانعًا بكل مالدي بل قلقٌ به مثلك، صادقًا بأفعالي دون حاجة للكلام عنها مثلك، وحتمًا سيعرف الآخرون ماقيمة هذا بعد رحيلي عنهم بخفة مثلك.
عرفت أنا جدًا دلالة رحيلك الهادئ ذاك في اللحظة نفسها التي رأيتك فيها ممددًا، عرفت أنّ أقل الأشياء إحداثًا للضوضاء عندما ترحل ، أعظمها أثرًا في القلب، والخفة التي غادرتنا فيها توازي الثقل الذي أحسه بداخلي الآن، وتظاهرنا جميعًا بسهولة الحياة بعدك هو مكابرة على شعور الخسارة القابع كموت بدواخلنا لك.

أحبك بأنفة وعزّة الذي ترك الحياة ولم يرتجِ أحدًا، ولم يطمع بمالِ أحدًا، ولم يسرق أحدًا ، وكان أعظم شكواه لأولاده وكان كل نحيبه إليهم وكان كل خوفه عليهم كأنه يقاسم روحه شكواها ومصابها ونحن كلنا بضعة منك ، أفتقدك أبي ما أعظم فقدي لك وما أعجلني وأجهلني إذ تصوّرت قدرتي على تحمله.

بُعثتُ لأكتب

لست منظرًا عن الفن ولا عالمًا بالنفس البشرية ولا أعرف من الأدب إلا قشورًا أحتمي بها عندما تصرعني رغبة الكتابة، إلا أن جانبًا مني يؤمن بأنه أعظم أديب وأرق فنان وأعلم من كل طبيب وحكيم بتقلبات البشر، ذلك الجزء وحده هو بشكل أو بآخر مايحركني لأن أدفع نفسي لأتعلم أكثر، لأتظاهر بأني أعلم.

أفتقد تواضع الطالب المجد لكني لا أنفك أتصنعه كل ما احتجت إليه، أنا مخلوق جاحد لنعم كثيرة، وذات نُفخت فيها روحًا وظنّت نفسها تملأ العالم.
بشريتي تخيفني كلمّا رأيت الآخرين وتريحني كلما اختليت بنفسي، أستطيع أن أسامح نفسي إذا أخطأت بحقها في خلوتي، لكني أشد من يعنفها إذا كان الخطأ أمام الملأ، لهذا فضّلت أن أضع حاجزًا بيني وبين الآخرين  كي أرتاح من ثقل مسؤولية أن أكون قدوة لهم – بالرغم من أن أحدًا منهم لم يصرح لي بذلك أو حتى يلمح به تلميحًا- أما فكرة أن أكون أبًا فهي هاجسي الذي يرعبني عندما يأتي فعلًا من يعتبرني قدوة له.

أعتقد أن آلام البشر من ظنونهم تنشأ لا من واقعهم، وأكبر كوارثهم هي أنهم على أنفسهم يكذبون أكثر من أي أحد.

إنّ أول مادفعني بشدة للكتابة في المقام الأول رغم اعترافي بأني لا أكتب إلا الترّهات -وهذا أيضًا من قبيل التواضع المصطنع لأن جزءًا مني يرى أني أعظم من كتب- هو أنني أفقد ممانعتي للكذب على نفسي لحظة الكتابة وأعريها بصدق مهيب ومريب، أنا مثلًا على قائمة الخطّائين الدائمين في سجل الذنوب وأفقد قدرتي على التحكم بحياتي ومسارها كثيرًا بسبب من أحب وما أحب، وأميل إلى الغيرة من كل جميل لم أكن سببًا في جماله، وأفتقد طفولتي و بداياتي في الحياة وأحن إلى دهشتي التي شوهها ادّعاء الثقل والرزانة والحكمة، اسمي من الأشياء التي أثقلت كاهلي ، وأخفي من التعليقات المضحكة التي تتزاحم في رأسي الكثير خوفًا من أن لا تضحك أحدًا سواي أو أن تجرحه، وأتنازل بتخفف مخيف عن أعظم مالدي لإثبات أني مستقل عن كل أحد.

لدي عقدة من الأطباء وفي قلبي عقدة لأحدهن، ولدي خوف من الخطأ رغم أني لا أجيد سواه، وتأتيني لحظات من التجلي الإلهي أخشى بعدها من العودة للحياة إلا أني أعود لأفاتح نفسي وأفاوضها بأن الطريق إليه يبدأ من معاركة الحياة وهزيمتها بعد أن أٓخبرٓها.  لقد وهب الله لكل منّا عمرًا يتناسب مع إدراكه لجوهر الحياة حتى إذا أخذه تكون حجة الانكشاف قد ثبتت عليه، فأوائل من يموت منا هم أكثرنا عبقرية في سرعة معرفة الحياة، ولا يطول عمر أحدنا إلا لإثبات حجةٍ ما عليه، ولا يبقى بعد موت العارفين إلا الجهلاء، والأتقياء إلا الأوغاد.

أعلم يقينًا أن الله يبعث الموتى من مراقدهم ليحاسبوا، لأن الله يبعثني من مرقدي لأكتب، كتابةً تخيفني قبل أي أحد ولا انفكاك منها إلا إليها، هذه قصتي مع الكتابة: فضيحة أداريها عن الناس لكي أكتبها إليهم، ورسالة بُعثت بها حجةً لي على نفسي، ودواءً أستطب به من ضياعي وغفلتي، وحاجةً في نفسي قضاها ربي رغم أني ذو جهل لا علم.

كلمات

حبي لها معراج نحو الكمال، هذا السمو في قربها يشابه شعور الاستيقاظ من حلم جميل دون أن تنام، سعادة من غير سبب منطقي، وانشراح لا تعرف عنه شيئًا يكدّر صفوك به، سعادات بعضها فوق بعض.

اتحدنا قبل أن يُشاع الخبر، و ارتكبنا حبنا قبل أن يؤذن لنا به، واستمتعنا بالحياة كوحيدين عرفا لأول مرة شعور الأنس بالبشر،غرقنا في التفاصيل الجميلة حد الثمل، تنفسنا الصباح كأن العمر ليلٌ مقيم قبلها، وتلحفنا ببعضنا كأن الشتاء لايزول، وعشقنا الليل كأننا ركضنا ألف ميل دون وقوف حتى تلاقينا في منتهى الطرق وملتقى المفارق لنحضن بعضنا، كحلاوة الراحة بعد التعب، وكسعادة النجاح بعد الكدّ، ولذة النوم بعد السهر، وخطورة الغضب واليأس والجفاء، وسعادة المطر، أنت الرواء والليلة المقمرة، مفرداتي تصطف منتشيةً لوصفك وأجد صعوبة في الاختيار، أحاول جمع الأضداد وأسرد الحقائق وأشبّه وأجانس ولا تخلو كتاباتي من الطباق، أصب فنوني لأجل فتوني في قالبٍ واحد، هو الامتنان والكفاء والتسامح مع كل ماضٍ مؤلم، والتجاوب مع كل آتٍ ملهم.

الله خلق المسيح بكلمة منه، وخلق الكون بكلمة منه، وخلقني وإياك بكلمة منه، وعبثًا أحاول أن أجسّد شعور الفرح بك والهيام بعينينك وجمال نطقك ورقتّك بكلماتٍ مني، وما استطعت أن ألامس شعوري أو أدنو منه، أنت خرق القوانين وعبث الأولويات واستثناء العمر وسلاسة دخول الليل على النهار وهدية الأقدار وتحية السلام لي وتفاؤل الطير في الأبكار والورد في الأشجار، والغوث لجدبي، أقف مستسلمًا لك متعبًا من صعوبة وصفك كالعادة، أنا بكل لهثي الآن أحبك.

سيكولوجية الألم

بئرٌ قاحلٌ من الأحزان أنت
لا غيم يهطل فيرويك ولا ماءٌ من باطن الأرض يتداركك فيحييك.
أفِق أيها الألم مبكرًا، قبل أن يفوت أوان العلاج
أفِق قبل أن أضطر للتعايش معك مكرهًا
لا تأتني بعد عمر من السعادة الموهومة هذا قاصمٌ للظهر.

من بين كل عشر إصابات تحدث لك:
ثمان جسدية، وواحدة عقلية، وواحدة مشاعرية
يحدث أن المشاعرية وحدها تؤلم أضعاف غيرها، هي من تغير مسار حياتك.
في زمنِ مضى كنت كرمةٌ يتواعد عندها الأحباب، ماذا أصابك؟ مم تشكو؟
يكاد كل ماحولك يحكك كطفح جلدي، كنسخة شرسة معدلة من الجدري فرّ من براثن اللقاح،
ياصاح تبدو أكبر بعشرين سنة، ما فعل بك الألم؟
كنت بالأمس وردة متفتحة مالذي دهم؟
روحك التي كانت تشرق منها سبحات وجهك اسودّت، يارب الألم المباغت
كيف نجا من نجا وأنت له في المرصاد؟
إنك تختبئ في أحداث الغد، على الأرصفة، بين الشرفات، بين الوجوه وفي الممرات، من أحياك بعدما أماتك؟
كل ألم محتمل إلا ألم روحك، لن يهدأ حتى تشغله بقرارت مرعبة لم تكن تظن يومًا أنك ستتخذها، وتتخذها فقط لإلهاء روحك عن الألم والهم.
خوفٌ يطوق ابتسامة الجاهل حتى وإن لم يره أو يشعر به، كل عارفٍ سواه يراه ويشفق على حالك قبل أن تلقاه
هو وحده الألم من يصيبك بالجنون بالفنون بالهرب من كل ماكنت عليه بالأمس
هو القوة الخفية التي تنسل لروحك في قمة سعادتها فيجتاح ربيعك، يجفف وديانك، تذبل معه أغصانك
حيّ ضحكتك القديمة أين انطوت، في أي نكبة خفتت ثم انتهت، تتصنع الإعياء ومابك إعياء، تصانع الحرقة وكلك اضطرام
جنونٌ يعتري صمتك، وضجيج يكتنف حكمتك، انتكست المفردات وتضادت المترادفات، كل شيء حولك هلك، تهالك ثم اندكّ بسرعة جنونية
أبيتَ اللعن أين أهلك ؟ ، أين أمك وأبوك ، أين ذاك الإيمان الذي هذّبك وربّاك، تتسارع الكلمات من فيك، لتشي بكل مافيك
صامدٌ أنت، ومابك من صمود، تبدو واجمًا كجلمود، اهمس لو بكلمة، تخفف من أثقالك، كل من في هذا الحزب من البشر أعوانك، أمثالك يعدون بلا توقف، ملؤهم السأم والتأفف، مرغمين على المسير بلا هوادة، رافضين كل أصناف البلادة، نسوا كل ماحفظوا من عبارات التطمين وتلقنوا مفردات الهلع من الجلادة إلى الجلادة، في لغتك انكشاف وسخرية وكوميديا مبطنة.

يا إلهي ماذا كتبت ، كيف نمت وحلمت بكل هذا الغثاء من الكلام، تبًا لسيكولوجيا الآلام، كم تعرّي، كم تبكّي.

كامنُ نفسٍ إلى من هيّجه

قدْ يتعبِ الليل ُالطويلُ ..
قدْ تسأمِ الثكلى العويلَ ..
قدْ يهتدي الملك الظليل ..
قدْ , ربما , قلْ أين الدليل ؟!

هلْ يهتدي من لا يوحدْ ؟
هلْ يقتدي من لا يمجدْ ؟
هلْ يعتلي من لا يسدد ؟
إقرأ , تعلمْ , وأصعدِ , فلربما أنت المجدد .! 

فيّ كل قافلةٍ ثمار ..
ولكل فاتنةٍ خِمار ..
وفي العالمين لك افتكار ..
إقرأ , تعلمْ , وأصعدِ , فلربما أنت المجدد .! 

قالوا وقلنا وانبَروا .!
حاروا وحرنا وانْثَنوا .!
مالوا وملنا وتعلَموا .!
إقرأ , تعلمْ , وأصعدِ , فلربما أنت المجدد .! 

قد حباك الله عقلاً .. وميزك .
قد جزاك الله فضلاً .. وعززك .
قد هداك الله حقّاً .. وقرّبك .
إقرأ , تعلمْ , وأصعدِ , فلربما أنت المجدد .! 

في هذه الدنيا تجارب ..
وحولنا أيضاً عقارب .!
ولكلِ ناصيةٍ مآرب ..
إقرأ , تعلمْ , وأصعدِ , فلربما أنت المجدد .! 

جارتْ بنا الأيام دهراً ..
وعدلتْ بنا الأقدار يوماً ..
فما هذا عنها بغريبٍ ..
فهذا طبعها يوماً ودوماً ..
إقرأ , تعلمْ , وأصعدِ , فلربما أنت المجدد .! 

لن أنامَ ولن تنامْ ..
لن تستيطعَ ولا أُلامْ ..
طبعك اليوم وطبعي ..
أنْ نقودَ ولا انهزامْ .!
إقرأ , تعلمْ , وأصعدِ , فلربما أنت المجدد .! 

في قادمِ الأيامِ إبشرْ ..
في دمي العلياءَ فـ شمّرْ ..
وفي صدقكِ الطاهرِ إمْضِي ..
فلسوف تظفرُ وأظفرْ ..
إقرأ , تعلمْ , وأصعدِ , فلربما أنت المجدد .! 

لن أستغنِ عن القلمْ ..
ولن أتوارَ عن الأممْ ..
ولا أظنك مختلف .!
فلكل واحدٍ منا عزمْ .!
إقرأ , تعلم , وأصعدِ , فلربما أنت المجدد .! 

قدْ أسلكُ الدربَ الشائك ..
و أنت في دربك سالك ..
جلُّ الصعاب ستستبين ..
إن كنتَ قربي أو بحالك .!
إقرأ , تعلم , وأصعدِ , فلربما أنت المجدد .! 

أكادُ أراكَ تعتبْ .. 
ولربما هممت تغضبْ ..
حاولت أسردها حالاً ..
وتأبى نفسي إلا أنْ أكتبْ ..!
إقرأ , تعلم , وأصعدِ , فلربما أنت المجدد .! 

أنا هنا , أنا ساعدُك ..
بجانبك وأساعدك .. 
قدْ أغفو يوماً أو أنام ..
ولكنني أنا حارسك .!
إقرأ , تعلم , وأصعدِ , فلربما أنت المجدد .! 

لن يجلبَ الفقرُ مالاً ..
ولن يُصلحَ الجهلُ حالاً ..
وسنصبحُ أغنى الأغنياء ..
إنْ نتجاهل قيلاً وقالاً ..!
إقرأ , تعلم , وأصعدِ , فلربما أنت المجدد .! 

شابت بنا الأيام شبابا ..
وطاشت بنا العقول ألبابا ..
وخذ هذه مني ياصديقْ ..
[ سيشيبون يوماً ونحنُ شبّانا ] .!
إقرأ , تعلم , وأصعدِ , فلربما أنت المجدد .!

فُتنّا ، والفتنةَ أشدُّ من القتل

أكاد أفقد ما يربطني في الدنيا إذا رأيتك , وسعيت لأن أصل لمكانك وبيتك , الرائحة التي تأتي منك عبير أخّاذ , والصورة التي تشاهدني وأنا أسافر مع طيفك ترى في عينيّ الملاذ , الحكايا لا تكذب وإن بالغنا فيها , و قلبي لا يكذب وإن بالغ في وصفك , الجمال قطعة من خيال , جنونٌ يتعدى كوننا يصل إلى أفقٍ أبعد من سمائنا , يسافر مع الريح خلف الأصوات إلى عالم لا يسكنه البشر بأجسادهم , فقط تسافر إليه أرواحهم لبرهةٍ للحظةٍ لمجرد شهقةٍ أو زفرةٍ , لمدةِ ارتجافة أو عبرةٍ ونعود للأرض بروحٍ مغايرة , بأنفاس متطايرة , بترنيمات حائرة , بذكرى العيد واللبس الجديد وغناء الجدة للحفيد , بصلاة الاستسقاء بانهمار المطر , بلذة المناجاة في السحر , بلحظة التقاء العينين بعد غياب سنين , برجفة تسري فينا بعد أن هدأتِ الأصوات , بتسمّرنا لساعات أمام المرآة حين نمتدح بشيء فينا من قبل محبينا . 

أخبري الأيام أن تبطّئ المسير , وخذيني أو انهبيني أو اسرقيني لا أبالي بالباحثين ولا برجال الشرطة المترصدين , ابتعدي فيّ عن العيون , قاتلي الأشواق باللقاء , بدّدي الصدود بطول البقاء , أسمعيني أنغام السَحر , تراتيل الناسكين من البشر , ألبسيني طمأنينة الموتى , جردّيني ثياب البائدين , لحظةُ اللقيا دهر , أجمل لحظة في العمر , ارتعاشةٌ فاستفاقةٌ فانحناءةٌ فغيابٌ بعده غياب بعده غياب , ليتنا لا نعرف طريق الإياب , ليتنا أكلنا فتات الخبز , ليت أنّا انشللنا من العجز , ليتني أتقن فنّ الرجز , ليت صوتي مزمار من مزامير آل داؤود , لأخبرك عن سرّ يزلزل كياني , يميتني ثم يحييني ولا أكاد أبالي , ليت لي نبرة تضعفك , ترهقك , تتوغل فيك فتأتي بك على غفلة من زمن , جاءت اللحظة التي أخبرك فيها عن سرّي المؤتمن , أين أنتِ ؟ أين أنا ؟ أيننا ؟ أين كان هذا السنا , لمَ لمْ يسطع قبل الرحيل , لم َلمْ أستمع إلى هذا الوعيل ؟ , لاتموتي فمكانك في قلبي لن يموت , لا تتحايلي فروحي لاتحتمل مزاحك الجميل , هل نفيق من هذه السكرة ؟ هل بعد الحب شيء يستحق أن نذكره ؟ , هل عندكِ أدنى فكرة ؟ كيف تركونا نتمرد هذا التمرد ؟ , أنا ألومهم على هذا التجرّد , تركونا وحيدين وأنا وأنتِ لا نُترك وحيدين , أنا نارٌ وأنتي حطب , أنا سيفٌ وأنتِ محكوم عليك بالقصاص , أنا طفل وأنتِ دميتي ليس لك قيمة بعدي , وليس لي فرحة بعدك , أنتِ أنا , بربك هل لك بقربٍ أكثر من أن تكوني أنا ؟ .

فُتنّا والفتنةُ أشد من القتل , اللذة التي تجبرني على أن أدمنها سوف تنسيني مكاني , الكتابة التي أدمنتها فيك سوف تفضحني حول أقراني , التهور الذي يأتيني بين يديك سيكلفني عمري , الحياة خيارات عدة , ومسلكنا واحد ليس لنا عنه حيدَه , كنت أتمنى أنّي لم أعرفك , فأصبحت أجزم أنّي لا أعرفك , كنت أتمنى أنّي لم أركْ , فأصبحت أجزم أنّي لم أرى أحدًا غيرك , كنت أتمنى ألاّ أخبرك عن حبي , فأصبحت أجزم أنّي خُلقت للثرثرة عندما رأيتك , كنت أتمنى أن نكون معًا , فأصبحت أجزم أنّه ليس لنا من خيار إلا أن نكون معًا . 

سيري إلى دربٍ براح , سأواجه معك كل أصناف الرياح , باعدي بيني وبين المطامن , ليس لنا بعد اليوم إلا المطاحن والطواحن والملاحم , اليوم فقط آمنت أن في الحب جهاد , وأنّ ثباتي أمام عينيك جهاد , وأنّ إمساكي بروحي خشية أنْ تتلبسك جهاد , وكتماني لضحكتي أمامهم حين يتحدثون عنك جهاد , وسفري بعيدًا عنك لأعود إليك جهاد , و أنك جهاد يستحق أن أجاهده خفقةً بخفقة , شهقةً بشهقة , دقّةً بدقّة , وياليت الموت يعرف بعد هذا أني لم أعد أخافه كخوفي من بُعدِك , والعيش بَعدَك , والتحامي بالمارّين بدربك , أنا … بكل جوارحي أحبك .

ذاكرة فظّة / زوروني كلّ سنة مرّة *

تجتمعُ الخرافات في عقلي حتى نسيتُ الحقائق
بالضبط كما تكاثرت أطيافُكِ حتى كدتُ أنسى وجهكِ .

وجهكِ الذي يرشدني كيف أتذوق
كيف أترنم .. كيف أطرب .

وجهكِ الذي يرصفُ الطرقاتِ بالورود
وينخرُ الأخدود
ويسيّرُ المراسي والسفن ويعبرُ الحدود

وجهكِ الحكاية التي لا تنتهي ولم تبدأ
القضيةُ التي استفزتني ..
والمرضُ الذي لازمني ولم أبرأ
المخدرُ الذي ناضلتُ لأمتلكه بنفس العزم الذي ناضلتُ به للإقلاع عنه

وجهكِ السماء ولا تكفي
وجهكِ الفضاء المرئي واللامرئي
وجهك الأنحاء
تأشيرة العبور والحبور
فرح اللحظة .. سريان النشوة في المكلوم
سريان الروح لأصحاب القبور

وجهكِ الذي لا يعرف نفسه كما أعرفُه ، ولدتُ وفي ثغري سؤالٌ لم ينضجْ ،
حين رأيتُ وجهكِ نضجّ وضجّ في الأرجاء يبحثُ عن إجابة ومايزال .

وجهكِ ذاكرتي وعنواني ، منذ عرفت البشر وهو أمامي
حينما أرسيتُ حدود الجمال كان إلهامي
سرّي ونجواي ، نشواي وخصامي
جنوني وعافيتي ، تمرّدي واعتصامي
شعري .. قافيتي
عصاي التي أتوكأ عليها وخَطْوَ أقدامي
غايتي ومرامي .. آمالي وأحلامي .. حربي وسلامي
غطرسة اللغة في قلمي .. تحررّ الحضارة
أصواتُ أطفالِ الحارة
غبتُ عن الكونِ حين رأيتُه وحارت أفهامي

وهذا حالي مع حالي في حالي .. كلما حاولتُ العبور عبر وجهك نحو الضفة الأخرى ، تغتالني ذاكرتي الفظّة
تحمّلني فوق طاقتي ، تسحرني بالأسئلة ، وتعرف هي كما تعرفين أنّي رجلٌ تشدّه الأسئلة ،
عقلٌ يحبٌّ الاستطراد .. يعشق الفاصلة، ووجهكِ حقل مدججّ بالألغام ، بالاستفهام ، ومساحة حرّة للسفر والتعبير والاستمتاع بالنظر

لغز الحياة في عينين .. وشمسُ الصحوِ في الجبين
شموخُ أنفْ .. وثغرٌ فوق الوصف
شعرٌ أليل .. ورمشٌ أكحل
رقبةٌ وجِيد .. وصوتٌ يعلّقُ القلبَ على رأس إبرة إذا همّ بالتنهيد

هذا صفيرُ الروحِ قدْ أسمعَ .. وهذه الحروف قد اجتمعت لتُقنع
وهاهو وجهكِ .. وجهكِ الذي تورطتٌ به لا يتسرّع ..
يزورني كل سنّة مرة ولا يخاف أن أنساه بالمرّة !

منْ يعلّق الجرس ؟

صورة

 

تقول الحضارة اليونانية القديمة : ” الكون بما فيه متغير بأسباب ولا بد للمتغير من أصل جامد ولا بد للأسباب من مسبب , و طالما أن الكون يتغير فلا بد من أداة لقياس ذلك التغير , إذًا فالزمن ليس أصل إنما هو نتيجة , لا يؤثر إنما هو فقط أثر ” .

منذ متى تعرفني ؟ سألتني بأداة الزمن وأجبتك بإجابة تخلو من الزمن , تخلو من الملامح , تخلو من الأسباب , أجبتك بلا أعرف والحقيقة أني لا أعرف أخلقت قبل أن أعرفك أم عرفتك عند ولادتي أم ارتسمت ابتسامتك في مورثاتي مع لون شعري وعيناي وباقي صفاتي , لم تقنعك إجابتي توقعتِ أني أبالغ , في الحقيقة هم كلهم يخبروني أني أبالغ في بعض الأمور , اعتدت هذا الاختلاف , واعتدت أن أفكر فيك ولا أجدك , واعتدت أن أحلم بك ليلًا ونهارًا نائمًا ويقظانًا , في خلوتي وعند سلوتي لا أجد إلا خيالك , كان من الأجدر بك أن تسأليني كيف أعرفك ؟ لأجيبك بقلبي , ثم تتبعينه بهل تعرفني ؟ فأجيبك أنا أعرف صورتك في خيالي ومنامي ولا أدري أتكفي لي لكي أضرب بالقوانين والسنين والملايين من المحملقين والمتملقين والشامتين والعاذلين والمتسائلين عرض الحائط , وأجازف بأني أعرفك ؟ , لا أعرف . 

كانت سنة بالضبط سنة , ها نحن نعود لأدوات الزمن ومقاييس الوجود كي أحصى الغير معدود , كم مرة يجب أن نصطدم بالقوانين الأرضية كي نعبر عن حبنا السماوي , سنة أخبرتك فيها مرارًا أنها بألف , أني عشت فيها من التقلبات مالم أعشه في عمري , تمرغت في الوحل , قارعت الثريا , صرعت الغول , هزمت المغول , وانهزمت من امرأة , وتهشم فيها قلبي , اتسخ فيها منطقي , ارتسمت عليّ محياي ابتسامات لم أعهدها , كل يوم كان فصل من رواية , كنت أعيش الحكاية كل الحكاية بالتفاصيل , أعرف أن لها نهاية , وأيّ نهاية , المرارة هي ما يستحقه هذا الجموح دومًا , الالتصاق بجدار العرف , الاصطدام بسور العادة , الاختزال من اثنين إلى واحد يحتاج إلى طاقة تفوق طاقة الهواتف والمراسلات يا صغيرتي , تفوق قدرتنا على المحادثة , تفوق رسائلنا البريئة – الجريئة – , كانت سنة لم يُخطط لها , حتى النهاية كانت متعلقة بالزمن , وسندفع حتمًا الثمن .

البشر نوعان : نوع ينتظر والآخر يقرر , كلاهما سينتصر مرة ويخسر أخرى , لكن الأول ترك للآخرين تحديد مصيره , والثاني اختار مصيره بنفسه , قلت لك مرة : لو افترقنا باختيارنا بقرارنا لهو أهون لي من أن نُجبر على ذلك بفعل فاعل , لا أحتمل أن أكون حائرًا في قمة اليقين , لا أستطيع أن أدعي السذاجة وفي عقلي اتّقاد , ليس لي قدرة بأن أراك تذهبين و أدعي أن عيني تؤلمني بسبب دمعة خائفة منهم , أأخاف الفضيحة في حبي ؟ , أأخشى المواجهة في أمر قلبي ؟ , لا أحتمل الإجابات المطولة للأسئلة المغلفة بنكهة الشك والتشمتّ والتي لا تكاد تنتهي , أعرف أنك تكرهين هذا الجانب منّي , أعرف أنك لا تحبين جانبي المنطقي الذي يفكر بعقل , أحب جنونك , جنوحك للحظة , لليوم , بدأت ألهث من سرعتك في نسيان الواقع , بدأت أُحبط من قدرتك على استعادة كبريائك المحطم بعد لحظة انحطاط , أنا لا أعرف لي سوى كبرياء واحد إن تحطم لن أصبح إنسان بعده , أنا لا أعرف لي سوى قلب واحد ابتعته أنتِ للعمر كله وانتهى أمره , أنا لا أعرف إلا منطق واحد يخبرني عن الصح والخطأ حتى لو تباعدت بي الخُطا , مثلًا لدربك ! , لا أعرف لي إلا أمانًا واحدًا انهتك مرة فتعاهدت نفسي أن أحفظه ماحييت من أي شيء . أرجوكِ لا تلوميني على عدم اطمئناني ولومي نفسك على اتكالك على مخلوق أحلف لك أنه أضعف منك , خصوصًا عندما يتعلق الأمر بك ! .

الوداع كلمة صعبة ليس لي أن أجزم بحدودها , بدايتها , نهايتها , مدتها , تلك التفاصيل المتعبة دائمًا أجعلها لخالقي الذي يعلم مايحسُن لي ومايسوؤني , إلى اللقاء ؟ حتى هذه أصعب من سابقتها , أي لقاء سيجمعني بك بعد أن حزت منك مالم يخطر علي في أجمل أحلامي فخسرتك ؟ , أي لقاء ذاك الذي يحمل أحزانًا متراكمة , يحمل أرواحًا مثقلة بالعديد من الخيبات , أي لقاء أرى فيه عينيك بلا ذاك البريق , لو كان خياري لما طلبت اللقاء , فقط سأقول بحفظ الله , الوحيد الذي أتأكد بأنه لن يخذلك إن حفظك .