من ينقذ الإنسان من الإنسان؟

قالوا إنّه يملك بالإحاطة, وقالوا أنّه يملك بالسبق، وقالوا أنّه يملك بالقرب، وقالوا أنّه يملك بالتجسد والحلول، وقالوا أنّه يملك بالتكرار وضرب المثل. فالأساطير أوهام لا تصحّ إلا بذهن الإنسان، وجودها دليل صحتها في عالم آخر.

أجاد الوقت تقليب الخواطر، فمن ينقذ الإنسان من الإنسان؟، ومن يحميه من نفسه إذا غاب الآخر، نحن لم نكن منذ الولادة في مكانٍ واحد مرتين، نحن نهوي منذ أحقابٍ من ديرٍ إلى دير، من بئرٍ إلى جبّ إلى خبّ.
أوّاه كم نغترب، أوّاه كم تمرّ أيامنا سريعًا، ونقطع العهد على أن نغضب، فنتعب من انتظار اللحظة الملائمة للغضب، فيموت الشعور، ويموت معه القلب الذي عزم على ألّا يهادن في أمر القلب، ثم نحيا بعد أمدٍ من الانطفاء والموت، نتذكر مامضى كأنّه لم يمضِ، وكأنّ العهد بالإنسان هو الذكرى لا الانتباه، ألم تداهمك يومًا خلسةً خواطر سوء الفهم: ألّا يفهمك أحدٌ عن قصد؟

أحدهم يحكم عليك في اللحظة التي يحاول جاهدًا ألّا يحكم عليك، والحياة تُفرّق بلا حلٍّ مطلق؛ بل إنّها مأزق، سجنٌ طويلٌ من الظنون التي لا تصح والمظالم التي يُنتقم بها من الأشخاص الخطأ. المقدمات التي يفترضها أحدهم إن لم يدرك أنّها تحدث في رأسه لغايات يشتهيها، فلم يصل بعد لمغزى التأمّل. إنّ التأمّل يعلّمك فقط شيئًا واحدًا: لا يمكنك إصلاح العالم. لكنك حتمًا تمتلك قدرة التحكّم في تأثير فساده عليك.

يالضعف الكتوم لا يلوم إلا نفسه، يالقوته يرحب بجميع ملامات الآخرين له. يالقوة القلب الذي يحوي كل هذه الحتوف ولا ينسى منها شيئًا. إنّ من الكفر أن تنسى، كما أنه من الكفر أن تحاول جاهدًا ألّا تنسى. فسبحان من لا ينسى لأنّه لا يحتاج لأن ينسى.

إنّ العدل الوحيد في هذه الحياة هو في فرصة الحياة وخلاص الموت، ومابينهما نوايا دفينة أرادها أصحابها دون إرادة مقدماتها، والله يعطي الأمر مع إرهاصاته ولوازمه ولواحقه، فمن أراد أمرًا فعليه أن يقف له ومن أجله، ومن أراد أمرًا فعليه أن يختاره بعناية فيتحمله.

الخيال كذوب وخلوب وطيّار، لكنه ساحر وملول، من يستطيع السيطرة على ملله؛ يستطيع الهرب من سطوة سحره؛ وعليه فإنه يستحق الإلهام، يستحق الفكرة المتكررة، والسنّة المؤكدة. يتخيل الناس أشياء في رؤوسهم عنك لأنهم لا يستطيعون التحرر من خيالاتهم، وينتهزون أقرب فرصة لتثبيت التهمة عليك حتى يكون أدنى فعل منك بمثابة دليلٍ صارخٍ على ذلك.

فلا أشعر بالملل أبدًا إلا في اللحظة التي يهددني بها أحدهم.

أن يرى المرء مالا يُرى عليه أن يتمثل بالحبيبة وأن يكفر بالأشخاص ومظانّهم.

كره الكلمات ينبع من يقين عميق بقصورها عن تحنيط مشاعرنا الجيّاشة بالطيور المهاجرة. وفي هذا الأمر على المرء أن يربط نياط القلب ببعضها من أجل ألّا تنفلت فيضيع جماع المرء وتذهب ريحه. ألا ترى أنّ الإنسان إن خاف يحاول جاهدًا أن يرعب آخر تحت حجج كثيرة واهية. لم أستطع أبدًا تبرير كيف ينتقم أحدنا من الآخر لأنّه مظلوم. من ينقذ الإنسان من الإنسان؟

يكاد المرء أن يناقص قوله فعله في كل وقت، بل يكاد إن أحسن الكلام ألّا يفعل، ويكاد إن فعل ألّا يجيد اللين والطيب من جود اللسان، ولا يجمعهما إلّا من مرس على الاثنتين. وكنت قد أدمنت النظر في الناس فلا أرى إلّا مارأيت، ويرون مالم أرَ، فلا أمل في التفاهم أبدًا إلا في التوافه أو بالتنازل عن الفهم.

ولا أقول ولا أزيد، فلم يكن قلبي يومًا حديد؛ ولأنّه كذلك أبكي على الإنسان: من ينقذ الإنسان من الإنسان ؟

أخبرني عن رأيك ..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s