عندما يقتلني السرد، أتلحّف بنغمة

الأسئلة القديمة مازالت تحاصرني في نفس الزاوية من رأسي، وكلّما أقنعتها بأن الإجابة ستكتمل عندما تُجمع شظاياي المتناثرة أتشظّى أكثر. أنظري إليّ أنا كسرة صغيرة من ذاك الذي ماعاد جبلًا لكنه مازال يحمل في داخله همّ الجبل وإحساس الضخامة. ولكِ أيتها الأسئلة أنت تنفخي نفخة واحدة فتطير هذه الذرة من بقايا الجبل في الريح إلى الفناء، فلن يلومك أحد، وأنا سأبقى منافحًا كذرة لم تزل تحمل ضمير الجبل.

يصرخ الناس بأسماء مقاتليهم بعد كل حرب في ساحة المعركة، لعلّهم لم يموتوا بعد.
رغم أنه ليس على هذه الأرض سوى جثث، لكنهم لا يزالون يصرخون، كما يصرخ المعذّب بألم لا بهدف دفع العذاب بل لتخدير الألم، ورغم أنه مازال هناك جريحٌ واحد ملقى لم يبقَّ منه سوى رمق لا أحد يصرخ باسمه، وبداخله كل الأسماء المناداة، بل هو كلّ الموتى في المعركة، قد رأى أرواحهم تصعد إلى السماء وحمّلوه أمانة أداء الوصايا، وظلّ محافظًا على هذا الرمق – رغم جرحه الأكثر غورًا- لكي يؤدّي هذه الأمانة؛ إنمّا لا أحد يعرفه، لا أحد ينادي باسمه، الكل مشغولٌ في البحث عن بقايا حبيب أو ابنٍ أو صديق في الجهة الخاطئة.

الروح ليست هي المادة التي تبدو أمام ناظريك، فتّش قليلًا في داخلك وابذل جهدًا أكبر في قمع الصورة، في الداخل ماقد يسحبك بشدّة جاذبية الخلود نحو الفناء، وتذكّر يا منادي أنّ المنادى ليس صوتًا يضيع في الهواء ولا شكلًا ينحت به الوقت ما يشاء، ولا رغبة تستعر منها الجوانب، بل إنّ المنادى ألطف من هذا كله وأكثر إصرارًا، هذا الذي ينسلّ في داخلك يفزعه صوت الحنين، وانتهازية النوايا، ويذهب كما جاء بزفرة واحدة.

لا قلبٌ ينوء بالعصبة أولي القوة، لا أحزان، لا همّ، لا غمّ، لا طوفان
لا جروحٌ تغادر كل ليلة إلى الأحلام لتعاود في الليلة الأخرى متوشحة بالبياض كعروسة يغريني صباها وسذاجتها وتتزين بالحمرة والفستان.
لا متعلقات تقف على عتبة بابي، لا ذكريات تزاحم الوجدان
لا فوضى عارمة تحجب عني كل وضوح، لا عواصف، لا سفنية تمخر، ولا حاجة إلى قبطان
كل شيء على مايرام.
“فقط لا تهزني كثيرًا فإنني كائنٌ مليء بالدموع”
فقط احجب عني النسيم الذي يشعل الحنين وابعدني عن مواطن الذكريات.

لا أقف على حافة الهاوية ثم أصرخ ، بل أصرخ عندما أخطو خطوتي الأولى خارج المنزل.
وكلّ مافي الأمر أنني إنسانٌ سأحتفل وأشرب الأنخاب وأحاول أن أتناسى وربما سأنسى، لكنّ شيئًا ثقيلًا جدًا يجثم على صدري كجبل ولا يبارحه، لا أقوى على إزاحته لكنني أزحزحه إلى اليمين تارة لترتاح شمالي وإلى الشمال تارة لترتاح يميني.
وإن خارت قواي يومًا فعلى الذين أحب أن يتأكدّوا بأنني قاومت بشراسة المحارب القديم، والمناضل الشريف حتى النهاية.

من قال يومًا أنني أكثر من ورقة متسخة بخط قلم؟

أبصر ولا أبصر إلّا النهايات، قل لي يا لائمي ماهي هذه الحياة التي يبدو كل مافيها مصائد يجب الاحتراس منها، والحذر لو كان ناعم الحافّة، فقد حكّني حتى اختفت معالم العالم.
نداءات الداخل أقوى من كل ماهو خارج هذا الجسد النحيل، مليئة بالمخاطر والغضب، إن اقتربت من مستئنس خاف وإن اقترب خائفٌ إليّ استأنس، ويخّيل لي يومًا أنني أعرف كل الناس ولا حاجة لي بالبقاء هنا ليومٍ إضافي، ثم أستقيظ في اليوم التالي لا أعرف فيه نفسي وماذا أفعل هنا.

ربما لم يكن يومًا أي شيء بحمال الفكرة التي في ذهن الكاتب قبل أن يكتبها، حيث تبدأ خيبته في اللحظة التي يبادر بكتابتها؛ ولأنّ لا أحد يبرع بقول أي شيء إلّا إذا لم يقله، أجدني أتوسد الصمت وأنام بفمٍ مليء بالكلمات، وإن سوّلت لك نفسك يومًا أن تفزع أحدهم لا تختر يائسًا يعرف كيف يفرغ الحياة منك قطرة قطرة، وإذا رأيت ذلك الذي يبلع الحزن ويشرب الدموع فلا تلوح له بيدك، لأنه لا يجيد سوى الابتسام، وربما تسحرك ابتسامة المحزون.

ودائمًا عندما يقتلني السرد أتلحّف بنغمة.

أخبرني عن رأيك ..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s