الذبابة والكتابة

حاجتي القديمة للكتابة .. تجعلني أرفّ كجناح بعوضة.
البعوضة التي تتحرك حسب ما تحس لا حسب ماترى ، عمرها قصير وهي تعرف ذلك ، تحاول أن تستغل كل لحظة فيه ، لا تهتم بلعنات البشر ، بمحاولاتهم المستميتة لقتلها ، بتقززهم منها ، بشتائمهم المتتابعة ،
هي ستعيش يوم أو يومين أو ربما أسبوع لو سلمت من متربصي البشر ، فعلامَ التوجس والحرص والتخوّف والحسابات ؟، فلذّة المغامرة بين أوردتهم لا تعادلها متعة ولا حتى المخاطرة حتى الموت .

ربما أموت إذا كتبت لكنّي سأموت بالتأكيد إن لم أكتب – أو أكذب- فالكتابة مبالغة للفت انتباه ، وأنا ألفت انتباهك بكذبي لا بحقيقة واقعي ، لكن كذبي هذا ينبعث من شعوري الصادق ولهذا أن تقع في مصيدة ما بين واقعية الشعور وخيالية المعاني .

لا أحد – مهما كان – يحاسب نفسه وينقدها عندما يكتب ، من يفعل ذلك سوف يعدل عن الكتابة في نهاية المطاف ويملّ من رداءة المحتوى وسينحسب تدريجيًا.
لأن الكآبة أقوى من أي محاولات لوصف الكآبة ، وكذلك السعادة أوسع من تضييق المعاني ، والحزن أضيق من أن تتمسك بكلمة ،
وكذلك هي كل الأحاسيس الكبيرة ، لا تستطيع اللغة أن تصفها ولن تصفها ، فما بالنا لا نمتنع عن الكلام أو الكتابة ؟
– لأن الصمت يقتلنا ، لأن السكون علامة السلام ، ودواخلنا عبثًا كيف تعرف السلام ؟

-لأنك بشر أنت تضجّ بالمتناقضات ، بالمتشاكسات ، بالعناد ، والمكابرة ، والسلام لا يتآخى مع هذه الفوضى ، أخبرني كيف يمكنك أن تسكت عن شعور الأرق في ليلة وقد أهملت كلمة كانت تدور في بالك .. سوف تكبر في مخيلتك كغول ، وستأمرك بالوقوف والمثول أمامها كمتهم ، وغالبًا سوف تلتهم تفكيرك حتى تطلقها من الأسر من رأسك وأكثر الطرق سلاسة أن تنقلها على ورق.

وكونها كُتبت على ورق لا يعني هذا المعنى بسطحيته التي تتخيلها ، لا لا ! ، هذا يعني أنّك حفظتها بذاكرة لن تقبل التغيير والعبث.
أنت جردتها من المشاعر وشكلتها على ورق وجففتها من متغيراتك وتناقضاتك، سوف تحتفل بالأبدية على ورقة ، حتى بعد موتك ، إني أتخيلها وهي تتراقص بعد موتي في عين مراهق غِرّ ، أو بيد فتاةٍ جميلة بكر ، وربما تصطادها عينا كهلٍ متعثر .

وأعود للذبابة بعد البعوضة ، فالذبابة تظلّ هي المثل الإلهي الأكثر إعجازًا والذي تحدى الله البشر جميعهم أمام ذبابة فلن نستنقذ أي شيء من الذبابة بالرغم من أننا قد نقتلها بكل سهولة وبلا أي شعور بالندم ، فالذبابة أقوى منك يا بن آدم هي تملك حرّيتها بالطيران ، وتملك حريتها بإزعاجك ، وتملك
حريتها بالمخاطرة لأنه يستشعر قصر عمره وأنت تبني القصور وتتبختر فيها ، ولا تملك نصف يقين ذبابة بأن الموت أقرب إليك كضربة آدمي متهورة ، كرشة غاز مسمم ، كصعقة كهرباء ، كمصيدة من ضوء تجذبه فيموت بسببها ، وبعد هذا أن تمتهن الذبابة وهي لا تمتهنك ، بل تحترمك وتخاف منك ،
وأنت تعلم جيدًا كم هو صعب أن تصطاد ذبابة بلا تركيز ، بلا مخاتلة ، بلا أداة أسرع منها .

قال تعالي ” إنّ الله لا يستحيي أن يضرب مثلًا ما بعوضة فما فوقها فأمّا الذين آمنوا فيعلمون أنّه الحق من ربهم وأمًا الذين كفروا فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلًا يضلّ به كثيرًا ويهدي به كثيرًا ومايضلّ به إلا الفاسقين ”
قال تعالى ” يا أيها الناس ضُرب مثلًا فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابًا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئًا لا يستنقذوه منه ضَعُفَ الطالب والمطلوب ”
سبحانك ربي آمنت بك وعليك توكلت

أخبرني عن رأيك ..

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s